تاريخيا كان المثقف يتأرجح بين المجتمع والسلطة، فإذا انحاز للمجتمع وقضاياه يسمونه مثقفا عضويا، وإذا انحاز للسلطة يسمونه مثقفا سلطويا. هذا المشهد الكلاسيكى انتهى مع ظهور الفضائيات، ووسائل التواصل الاجتماعى، ومع الانتفاضات العربية فى 2011. بحيث لم يعد هناك مثقف سلطوى بالمعنى الكلاسيكى، ولا مثقف عضوى، وإنما أصبح هناك نوع آخر من المثقفين لا داعم للدولة، ولا مع المجتمع، بل هو فى كوكب آخر، فقد أصبح يتحرك فى عالم افتراضى يتذبذب فيه بين نقاط متنوعة، ومواطن استقطاب مختلفة، فى ظل حالة من تسليع الثقافة، أى تحويلها إلى سلعة قابلة للتثمين، ومن ثم للبيع والشراء. هذه الحالة جعلت من المثقف فى العالم العربى يدخل مرحلة جديدة غير مسبوقة ينتج فيها كثيرا ويؤثر قليلا، يخاطب المجتمع، وينافسه كل أمى قادر على القراءة والكتابة على وسائل التواصل الاجتماعى.
وقد دخل المثقف فى هذه السوق لكسب التمجيد والأتباع والحصول على الحظوة والتنافس مع أقرانه، كذلك هو غير قادر على ان يخاطب الدولة ويؤثر فيها ويقنعها بأفكاره، أو يقف منها موقف الناقد بصورة ترشد الأفعال، وتقود إلى تحسين الأداء. هذه الحالة تحتاج إلى عميق تفكير وتدبر وتحليل للأسباب والظروف والسياقات الاجتماعية والسياسية التى أدت إلى الوصول إليها بعد تاريخ طويل للثقافة العربية خلال القرن الماضى التى شهدت أدوارا متميزة للمثقفين بكل أطيافهم وأنواعهم، سواء أكانوا فنانين، أو صحفيين، أو كتاب، أو روائيين، أو علماء دين، جميعهم كان له دور تنويرى، إذا ما كان خطابه موجها إلى المجتمع وكان لهما دور ترشيدى إذا ما كان خطابه موجها إلى الدولة. فى كل الأحوال كان لهم التأثير الكبير، وكان لهم الوزن الأكبر فى نفع مجتمعاتهم ودولهم.
اللحظة التى نعيش فيها اليوم لحظة خاصة غير متكررة، لأنه لم يكن فى السابق هناك وسائل تواصل اجتماعى، ولم يكن هذا الكم من الفضائيات المغرية التى تجتذب المثقفين للمشاركة فيها، والتى أصبحت بدورها مصدرا للدخل وكسب الرزق، ووسيلة لتكييف العقول لأجندتها بحيث يستشرف المثقف أجندة القناة الفضائية فيقدم لها ما تريد حتى يداوم على حضوره فيها، ويحصل على ما يريد منها.
كلتا الوسيلتين الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعى صنع الصورة الحالية للمثقف، وحدد بطريقة أو بأخرى الدور الذى يقوم به، بل والدور المتوقع أن يقوم به فى المستقبل، بل أصبح المثقف يعيد تشكيل أفكاره، ورسم خرائطه الذهنية، وتحديد مساراته واختياراته طبقا لاحتياجات ومتطلبات المستهلك لأفكاره، أو المستخدم لها، سواء أكان ذلك المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعى، أو المعدين فى الفضائيات. ومن هنا تحول المثقف إلى تابع بدلا أن يكون هو الصانع الذى يحدد ويرسم خرائط التفكير، ومسارات الفكر، واختيارات المجتمعات، والشعوب.
هذه الظاهرة أصبحت من الانتشار والاستقرار إلى الحد الذى لا يمكن أن نلاحظها فيه، بل إن مفهوم الوطن ومصلحته لم يعد قيمة مستقلة فى ذاته بل أصبح تحدده الجهات المستهلكة للأفكار، أو المستخدمة لها. ولعل من شاهد حالة المثقفين عند الانتقال السياسى فى سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما جرى من تحول سريع عبر الفضائيات العربية للعديد منهم من الدفاع عن نظام بشار الأسد إلى الدفاع عن النظام الجديد وتبريره بمنتهى البراعة والإتقان، ونفس المشهد تكرر سابقا فى ليبيا فى حالات متنوعة، ونفس المشهد تكرر أيضا فى السودان، ومازال يتكرر بحيث لا تعرف أين هم هؤلاء المثقفون، الغالبية العظمى ينحازون إلى رؤية معينة، ولا تجد من يحاول أن يقف فى نقطة الوطن.
والحقيقة أن جميع المهن تتناول جزءا من حياة الناس، وتعتبر مسئولة عن ذلك القطاع الذى تركز عليه، إلا الثقافة بكل أشكالها وأنواعها، وبكل خلفياتها سواء أكانت فنيه مع ادبية أم علمية أم دينية، فجميع فضاءات الثقافة ومداراتها هى من ضرورات الحياة للمجتمع، وتهم جميع قطاعات المجتمع، وهى المسئولة عن صناعة القيم والمعايير التى تحكم المجتمع، وهى المسئولة أيضا عن رسم خرائط المستقبل للمجتمع والدولة.
فبدون الثقافة التى تؤدى الى تنوير العقول، وتحدد المفاهيم، وترسخ المعايير، وتزرع وتصنع القيم، وتغرسها فى النفوس والقلوب والعقول يصبح المجتمع مجموعة متناثرة من الأفراد، الذين يكون لكل واحد منهم خيارات مستقلة مختلفة ولا يجمعهم رابط، ولا يمكن أن يتم نظمهم فى نسيج واحد، لأن الذى يحقق هذا النسيج الاجتماعى هو الثقافة بمفهومها العام الشامل، ابتداء من القيم والمعايير، انتهاء إلى المعلومات والأفكار والاختيارات التى يشارك فى صناعتها جميع الذين يتعاملون مع الكلمة، فالكلمة هى الأساس والثقافة تصنع الكلمة، ويتم صناعتها بالكلمة، وكما قيل فى البدء كانت الكلمة، فإنه فى النهاية ستكون الكلمة، وبدون الكلمة لن يكون هناك طريق لأى مجتمع، وإنما ستكون متاهات فى صحراء قاحلة يسلك كل فرد فيها طريقا مختلفا، وتتشتت الآراء والأفكار وتضيع الوجهة، ويبتعد الناس عن البوصلة التى تقودهم إلى مستقبلهم، وتحدد مصير مجتمعاتهم ومصائر دولهم.
المصدر: الأهرام
