خاص لـ هات بوست:
زادي في عالمٍ متغيّرٍ؛ ذكرياتٌ وحنينٌ ومواقف، الأسرةُ محورها وجذرها.
لا أتوقّف عند الهدايا الباذخة، ولا السفر، ولا الأحداث المفصليّة.
على الأغلب أتذكّر موقفاً يوميّاً عابراً ينتزع منّي ابتسامة؛ الفارق فيه هو مزاج أمّي، رحمها الله، الرائق، والتفافنا كأسرة حول مائدة أو شاي العصر، أو برنامجٍ تلفزيوني، أحاديث صادقة، وضحكاتٍ صافية.. رائحة قهوة وبخور تعبق المكان.
هذا المشهد الدافئ كان يوميّاً ومألوفاً في حياة الأسر.. كنّا نعود من مدارسنا ووظائفنا ومشاغلنا في وقتٍ واحدٍ تقريباً، وحتى مع كون يوم الإجازة الأسبوعيّة واحداً فقط، كان في الوقت بركة ومتّسع.. ثمّة روتينٌ واحد، ملزم لكل العائلة، يضمن لقاءً يوميّاً ثريّاً ومشبِعاً.
والأبعد من كل ذلك، أنّ هذا المشهد لم يكن متكلَّفاً؛ كان يحدث بتلقائيّة وقناعة راسخة لدى كل فرد في العائلة.. وجبات الطعام، التسلية، الزيارات، السياحة، الأفراح والأتراح… كلّها أحداثٌ جماعيّة عائليّة.
ماذا حلّ بالأسر اليوم؟
لن ندخل في تفاصيل لا تبدأ عند متطلّبات العصر وسرعة إيقاعه ولغته، ولا تنتهي عند الهاتف المحمول، والمشتتات، والمزاج المعطوب، ونظريّات المؤامرة.
إنّها الفردانيّة التي فرضت نفسها على الأفراد والأسر والمجتمعات، تلك النزعة الفكريّة والاجتماعيّة والسلوكيّة التي تُعلي من شأن الفرد وحقوقه واختياراته، وتضع تحقيق الذات والاستقلال الشخصي في مقدّمة القيم.
فجأة، وبلا مقدّمات تُذكَر، انتقل مركز المعنى من «نحن» إلى «أنا»، وصار الفرد مرجع نفسه الأوّل في قراراته وهويّته ومسؤوليّاته.
لسنا ضدّ تحقيق الذات في زمنٍ شديد التنافسيّة في الدراسة والعمل والارتقاء الوظيفي، والأمر بطبيعة الحال، في زمن التمكين، ينطبق على كلا الجنسين، بل ربّما وجدت المرأة نفسها أحياناً في وضعٍ أشدّ تحدّياً وقسوة.
لكن ماذا خسرنا في ماراثون اللهاث هذا، الذي سبقتنا إليه بعض الدول والمجتمعات، ونستطيع بسهولة ويسر أن نرى مستقبلنا من خلالها؟
عزلة اختياريّة، تأخّر سنّ الزواج، قلّة الخصوبة والمواليد، تفكّك أسري، مشكلات وعُقَد نفسيّة، تآكل الهويّة والانتماء، تعاطٍ وإدمان وضياع، أطفالٌ مهملون، وكبار سنّ منسيّون…
أتراني أبالغ؟
أما من سبيل لتحقيق التوازن، ولو بالحدّ الأدنى، لضمان بيئة صحيّة ونماء وأسر هانئة؟
تولي الدولة، وقيادتها، ومؤسّساتها، أولوية قصوى للأسرة، نواة المجتمع ودعامته الأساسيّة. وقد أعلنت دولة الإمارات هذا العام 2026 «عام الأسرة»، بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وذلك ضمن الأجندة الوطنيّة لنموّ الأسرة 2031، التي تهدف إلى ترسيخ الأسرة كركيزة أساسيّة لبناء مجتمع قويّ ومزدهر.
وقد أُفردت لذلك سياسات ومبادرات وصناديق داعمة، وفعاليات مجتمعيّة وورش توعويّة، كلّها تهدف إلى تعزيز الترابط الأسري، وتقوية العلاقات داخل الأسرة، وغرس القيم الأصيلة مثل التعاون والتواصل والتآلف التي تميّز المجتمع الإماراتي، والتأكيد على دور الأسرة في نقل الثقافة والهوية الوطنيّة إلى الأجيال القادمة، ودعم فكرة أنّ الأسرة أساس الاستقرار الاجتماعي ورفاه الوطن.
كلّنا تفاؤل وأمل، لكننا ندرك جميعاً، وبلا كثير عناء، أنّ هذه الجهود الجبّارة تستلزم لتحقيق أهدافها وعياً ذاتيّاً وقناعة داخليّة.
هذه ليست دعوةً للعودة إلى الوراء، ولا إلى إنكار حقّ الفرد في تحقيق ذاته، فقط شيء من إعادة التوازن بين «أنا» ناضجة واعية، و«نحن» دافئة داعمة تحتضنها.
فالأسرة لا تناقض الحرّيّة، بل تمنحها معناها الإنساني، ولا تعيق الطموح، بل تحميه وتعزّزه.
وفي زمنٍ تتسارع فيه الخيارات وتتباعد المسافات، قد يكون أعظم استثمارٍ نعيد التفكير فيه هو ذلك اللقاء البسيط حول مائدة، أو فنجان قهوة، لمسة حانية، وحديثٍ صادق، وإنصات…
لأنّ الأسرة نعمةٌ عظيمة من ربٍّ كريم، لا حرمناها.
