خاص لـ هات بوست:
حين ارتفع أذانُ صلاةِ الجمعة في المدينة، ورأيت المصلّين يتجهون إلى المساجد كالمعتاد، أدركت أن الطمأنينة ليست غياب الضجيج… بل قدرة الحياة على الاستمرار.
أن يمضي الناس إلى صلواتهم وأعمالهم وبيوتهم، وكأن إيمانهم بإيقاع الحياة أقوى من صخب اللحظة.
ربما لأنني، منذ أن فتحت عيني على نور هذه العاصمة — أبوظبي — وأنا ابنة دولة الإمارات العربية المتحدة، كنت دائمًا أتوقف قليلًا حين أحاول أن أعبّر عن حبي لهذا الوطن
ليس لأن الكلمات قليلة، بل لأن بعض المشاعر — حين تكبر — تصبح أوسع من اللغة.
ولأنني لطالما شعرت أن لا كلمة، ولا معجم، ولا جملة يمكن أن تفي هذا الوطن حقه، فغالبًا ما كانت أفعالي هي اللغة التي أترجم بها مشاعري تجاهه.
لقد مثّلت وطني في محافل كثيرة منذ أيام الجامعة وحتى مسيرتي المهنية، وتعلمت مع الوقت أن تمثيل الوطن في الإمارات لا يكون في الخارج فقط.
في بلد يحتضن أكثر من مئتي جنسية، يصبح الإنسان سفيرًا لوطنه حتى وهو على أرضه.
في أخلاقه، في احترامه للآخر، وفي الصورة التي يعكسها عن المكان الذي ينتمي إليه.
تمرّ منطقتنا والعالم بظروف متقلّبة، وكل إنسان يعيش هذه اللحظات بطريقته.
هناك من يشعر بالقلق، ومن تستيقظ في ذاكرته أحداث سابقة، ومن يفكر بعائلته أو بمن يحب، فالخوف، مثل الطمأنينة، له خرائط متعددة في قلوب البشر.
لكن وسط ذلك كله، شعرت بامتنانٍ من نوعٍ مختلف.
امتنان لقدرة هذا البلد على حماية إيقاع الحياة فيه، ولحكمةٍ تعرف كيف تتعامل مع اللحظة، ولمدينةٍ لم تنزلق إلى الهلع
بقيت المتاجر والمراكز مفتوحة، والطرقات تسير بإيقاعها المعتاد، والناس متزنين، وكأن المجتمع كله يذكّر نفسه — دون أن يقول كلمة — أن الاتزان والوعي هو أول أشكال القوة.
قد تُلغى بعض الفعاليات، وقد تتغيّر بعض الخطط، لكن الدول الحقيقية لا تُقاس بجدول أيامها، بل بقدرتها على حماية الإنسان فيها.
واليوم، وأنا أنظر إلى الإمارات… إلى قيادتي، إلى مؤسسات الدولة، إلى حكومتي…أشعر بامتنانٍ عميق ووفاءٍ راسخ وعشقٍ صادقٍ لهذا الوطن — قيادةً وحكومةً وشعبًا — عشقًا يتنفس الأمان وتستقر في القلب طمأنينته.
كم تتوق الإنسانية — حتى في أصعب الأيام — إلى هذا الشعور البسيط والعظيم في آنٍ واحد:
أن يكون هناك سلام، وسكينة، وطمانينة. أن يكون هناك قادةٌ مثل محمد بن زايد آل نهيان، وقيادةٌ حكيمةٌ كقيادة دولة الإمارات.
ورجالٌ ونساءٌ يسهرون لأجل هذا الوطن كما يفعل الإماراتيون.
وكأن كلمات الشيخ محمد بن راشد تختصر هذا الشعور حين قال:
يا سحابةً قدرها فوق السحاب
لا يصيبك باسْ يا بحر الندى
تحت غيثك كل أنواع الشراب
الحيا لأهلك وموتٌ لمن عدى
عذبه لجارك وللعادي عذاب
كم سقيت المعتدي طعم الرّدى
بايدٍ فيها الشجاعة ما تهاب
كل غالٍ لأجلها يعلّه فدى
تحملين الضرّ عنا والصعاب
وتدفعين الضيم لين آخر مدى
في سطور المجد خطّيتي كتاب
كل حرفٍ فيه بالعز ابتدى
كم مسحتي دمعةً تشكي مصابًا
وكم رحمتي من له الضرّ اهتدى
من كريمٍ يملك قلوبًا ورقابًا
كل صوتٍ يصبح لصوته صدى
كثيرًا ما يتحدث العالم عن إنجازات الإمارات، عن مسبارٍ يعانق المريخ، وعن اقتصادٍ ينافس أكبر الاقتصادات، وعن دبلوماسيةٍ تبني الجسور بين الأمم، وعن مساعدات إنسانية تصل إلى كل أرجاء المعمورة. لكن الحقيقة أعمق من كل ذلك.
فالإمارات ليست مجرد قصة نجاح في الأرقام، ولا مجرد تجربة تنموية في كتب الاقتصاد.
الإمارات — في جوهرها — قصة إنسان.
معجزة أن يُبنى وطن حديث وفي قلبه احترام الإنسان، وأن تتقدم الدولة بسرعة الضوء دون أن تفقد أصالتها. وهذا ليس وصفًا أدبيًا، بل حقيقة… واقع نعيشه كل يوم. ولهذا، حين يتأمل المرء هذه البلاد بصدق، لا يراها فقط دولة ناجحة.
بل يرى واقعًا، ويعيش نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه الإنسانية
حين تقودها الحكمة…
ويحرسها الضمير.
فإنها كانت وستظل — كما كتبها عارف الهاجري قبل ثلاثين عامًا —
الإمارات ورودٌ ووجودٌ وخلودٌ
الإمارات سلامٌ ووئامٌ وغرامٌ
الإمارات سماءٌ وضياءٌ وغناءٌ
الإمارات رحيقٌ وصديقٌ وطريقٌ
الإمارات جمالٌ ورجالٌ وفِعالٌ
الإمارات عروسٌ دروسُ وشموخٌ
الإمارات جنانٌ وحنانٌ وأمانٌ.
