كاتب و ناشر من دولة الإمارات
في نوفمبر 2019، لم تشهد شوارع إيران مجرد احتجاج عابر، بل لحظة انكشاف تاريخية. الرجل الذي بُح صوته لسنوات بهتاف «الموت لأمريكا»، وقف في قلب طهران ليصرخ بمرارة: «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران». لم يغيّر هذا المتظاهر عقيدته بين ليلة وضحاها، بل تغيّر سعر البنزين الذي قفز بنسبة ثلاثمئة في المئة. في تلك اللحظة سقط القناع الأيديولوجي أمام واقع الاقتصاد المنهار، فالنظام الذي يعد بتحرير القدس عجز عن تأمين وصول مواطنيه إلى أعمالهم. الحقيقة التي وُلدت في ذلك الزحام كانت فاضحة: الجائع لا وطن له، ولا أيديولوجيا تُشبعه.
المتأمل في خارطة الغضب الإيراني يرى مساراً لا يرحم، فبينما كانت احتجاجات 2009 نخبوية تطالب بالإصلاح السياسي، جاءت 2019 لتعلن انفجار طبقة الجائعين. ومع عام 2026، اكتملت الدائرة، لم يعد الغضب محصوراً في فئة، بل صار انفجاراً شاملاً يقوده تجار البازار والعمال بعدما دهس التضخم أحلامهم.
الجيل الذي ربّته الثورة على الشعارات بات اليوم يدفع ثمنها من قوت أبنائه. الشعارات لم تعد ترفاً، بل صارت صرخة وجود لمن لم يعد لديه ما يخسره.
يعيش النظام الإيراني مفارقة وجودية، فهو يموّل الوكلاء في أربع عواصم عربية، ويستعرض عضلاته الصاروخية، بينما يغرق الداخل في مستنقع الفقر. إنه نزيف سيادي يُغلَّف بشعارات ثورية، حيث تُنفق ثروات الشعب على مشاريع التوسع الخارجي، تاركةً المواطن يواجه انهيار العملة وحده. نظام يصدّر الأيديولوجيا للخارج، ويستورد الفقر للداخل. هذا النظام يبيع الخيال لشعبه، لكن الأرقام لا تكذب، والجوع لا يملك صبراً طويلاً.
التاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط دائماً بالحروب، بل بالانهيار الداخلي. الاتحاد السوفييتي، بترسانته النووية الهائلة، لم يسقط برصاصة، بل سقط عندما عجز عن ملء رفوف المتاجر بالخبز. الأيديولوجيا قد تحشد الجماهير في الساحات، لكنها لا تستطيع إطعامهم. الاقتصاد هو الضربة القاضية التي تتجاهلها الأنظمة الشمولية حتى فوات الأوان.
في الموروث الفارسي، يرمز طائر السيمرغ، أو العنقاء، كما نسمّيه للقدرة على الانبعاث من الرماد، لكن النظام الذي أحرق أجنحة شعبه بالتجويع، لن يجد رماداً مقدساً يولد منه من جديد. عندما ينطفئ بريق الشعارات أمام وطأة الحاجة، لا يبقى للنظام سوى السقوط، فالعنقاء التي تحترق من الداخل وتفقد أجنحتها بفعل يدها، لا تعود للحياة مرة أخرى.
نحن اليوم لا نشاهد سقوط نظام فحسب، بل نشاهد ولادة واقع جديد يخبرنا أن السيادة الحقيقية تبدأ من رغيف الخبز، لا من إطلاق المسيّرات على دول الجوار والأبرياء.
المصدر: الخليج
