الصّمت استراتيجياً

آراء

قالت العرب: «ليكن حديثك ترويع وكتابتك توقيع» أي لا تطِل في الحديث ولا تسهب، فقد تفسد حجّتك وتفشل أفكارك في البلوغ، وحينها سينقطع حبل التواصل مع جمهورك فيُساء فهمك، فالخطيب البليغ هو من يجزل الحديث دون إسهاب ما دام ما يمكن تبليغه لا يتطلب شروحاً وتبريرات طويلة ومعقدة، فقد تصل الرسالة وتبلغ حتى دون الحاجة للكلمات والألفاظ واللغة.

إذ إن الصّمت بحد ذاته وسيلة بلاغية لا تعني الوقوف أو الانقطاع أو التجاهل، بل هو تقنية تسمح للرسالة بأن تتمدد وتُكرّس على نحو ما، فالصّمت حين يحيط بالقول فإنه يمد من عمر المعنى ويطيل معه زمن احتراقه وتلقيه، فقد قال الجاحظ: «.. ومِن الحكمة أن يَسكُت الرّجل حين لا يصلح القول، فإنّ الصمت أبلغ من الكلام أحياناً» أي إن الصمت يحيط بسياق التواصل وينشط مسافة الانتظار ويبلغ أماكن ومسافات قد لا تبلغها الأقوال، فالصمت شقيق الفعل، فهو أداته حين يكون الإنجاز شاهداً ملموساً وليس مسموعاً أو مقروءاً فحسب، والصمت كما يقال يسبق العاصفة، لذا فهو حالة إرباك للآخر، ووعاء متدفق بعد أن يولّد احتمالات عديدة تفقد الآخر التوقع والاستعداد والتركيز.

وسياسياً يصبح الصمت استراتيجية تواصلية حين لا يقصد الفراغ وانعدام الحيلة، بل يقصد تكوينَ فعلٍ إنجازي، فالصمت في لحظته المناسبة يعمل على تأزيم الطرف الآخر، وذلك من خلال إغراقه بدفق عارم من الاحتمالات والتوقعات والتكهنات المتعلقة بزمن الرد ومكانه وحجمه… إذ أكثر التصريحات والمقابلات لا سيما مقابلات «البودكاست» تفقد بريقها بمجرد تكرارها وانقلابها على المحتوى المقدم، لكنها حين تُجزَل وتُقبض وتُلَف بالصمت تصبح ذات أثر ووقع أكبر، فالأذكياء والمتحدثون السياسيون حين يصمتون فإنهم يحققون سيادة وتمركزاً فاعلاً يضغط على مساحة المستمع أو المتلقي، ويجعل ما قيل قبل الصمت وبعده قولاً لا يُنسى، فالصمت يدفع المتحدث ويمنحه فرصة إعادة ترتيب قوله وحبكه بيسر وسهولة، وفي آن يجعل المستمع متأهباً غير قادر على إنتاج قول لأنه لم يحسم ويتوقع ما سيسمعه، وكثيراً ما ارتبط الصمت بالمهابة والحنكة، فهو قيافة للمتحدث وحكمة تضفي على من يتقن استثمار الصمت مهابة تضخم مشاعر المستمعين وتقلل من مستوى ردودهم.

المصدر: الاتحاد