خاص لـ هت بوست:
شاهدت مقطعًا مرئيًّا قصيرًا لأحد المحامين يقترح فيه منح الزوجة جزءًا من أموال زوجها أو ممتلكاته بعد سنوات من الزواج، تُقدر بنسبةٍ تتناسب مع فترة الزواج، وذلك نظير التضحيات المعتبَرَة التي قد تكون قدمتها، كالتنازل عن الدراسة أو العمل، والسبب – كما يشرح – أنها في حال وقوع الطلاق وانقضاء عدتها وانتهاء حضانتها ستجد نفسها خالية الوفاض، تعاني إما مِن ضعفٍ ماديٍّ أو عَوَز.
وقد ذكّرني هذا بكلمة فضيلة شيخ الأزهر الشريف في البيان الختامي لمؤتمر (تجديد الفكر الإسلامي) الذي عُقد في مصر 2020 بمشاركةٍ فاعلة لبلادنا، حيث أكّد على حق الزوجة في أن يكون لها نصيبٌ مقدَّر من مال زوجها إذا أسهمت في تنميته، وهو ما يُعدُّ إحياءً لمفهوم الكدّ والسعاية الذي أقرّه بعض الفقهاء من باب الاجتهاد الذي يروم إنصاف المرأة ويراعي مستجدات الواقع.
وفي تقديري، فإن الجمع بين الرأيين هو عين الصواب ومقتضى العدل، فإذا كانت المساهمة المادية المباشرة تمنح الزوجة حقًا مشروعًا في هذا السياق، فإن تنازلها عن دراستها أو مسارها الوظيفي – اللذين يمثلان رأس مالها البشري – يُعَدُّ شكلًا من أشكال الدعم غير المباشر الذي يهيئ للزوج بيئةً مستقرةً ومحفزةً على النماء والترقّي، وبناءً عليه، يصبح تنازلها عن طموحها ومنفعتها الشخصية ركيزةً أساسيةً في البناء الأسري، وإن لم تكن مساهمتها ماديةً مباشرة.
قد تبدو الفكرة غيرَ مألوفة، وربما مبعثَ قلقٍ لدى البعض، كونها تتجاوز الإطار التقليدي لحقوق الزوجة المادية، والتي تنحصر عادةً في فترة قيام الزوجية أو مرحلتَي العدة والحضانة بعد الطلاق، وفي حين يُعنى هذا الإطار بتلك الحقوق المحددة الهامة، فإنه يغفل تقديم ضماناتٍ آمنةٍ مقابل تضحياتٍ جوهرية، كتخلي الزوجة عن استقلالها المالي المتمثل في عملها، ناهيك عن واقع الحال الذي لا يكفل لها فرصًا وظيفية ملائمة في حال تعثّر الزواج واضطرارها للانفصال، خاصةً إن كان ذلك بعد سنواتٍ طوال.
لطالما صُنِّفت هذه التنازلات ضمن البديهيات المتوقَّعة من (المرأة العاقلة)، أوعُدَّت واجبًا عاطفيًا تثبت به ولاءها للأسرة، إلا أن واقع الحال يكشف أنها ليست تضحياتٍ عابرةً، بل هي مخاطرةٌ لا تتجلّى آثارها إلا بعد فوات أوان التعويض، والعجز عن استدراك الفرص الفائتة.
وآخر القول..
إن الأمان ليس حاجةً مقترنةً بظرفٍ دون آخر، بل هو ضرورةٌ إنسانيةٌ دائمة، والتضحية قيمةُ أخلاقيةُ نبيلة، فلا ينبغي أن نجعلها سببًا لهوانٍ لاحق.
