كاتب إماراتي
خاص لـ هات بوست:
من يراقب ما يجري في المنطقة اليوم لا يخرج بانطباعٍ واضح بقدر ما يخرج بحيرة ثقيلة، وربما بصداعٍ سياسي حقيقي، فالمعادلة في ظاهرها تبدو بسيطة، الولايات المتحدة وإسرائيل وجّهتا ضربات لإيران، ومن الطبيعي وفق منطق الردع التقليدي أن ترد إيران عليهما، هذا ما تقوله قواعد الاشتباك، وهذا ما يتوقعه أي مراقب.
لكن ما يحدث على الأرض يكسر هذا المنطق، فبينما يُفترض أن يتجه الرد نحو مصدره، نجد أن مدن الدول الخليجية كانت هدفا مكثفا لهجمات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، هنا تبدأ الحيرة، لماذا تتحول الجغرافيا؟ ولماذا يُعاد توزيع النار خارج مسارها المفترض؟ قد يحاول البعض تبسيط الصورة بالقول إن هناك ست دول خليجية، ومن الطبيعي أن يكون مجموع ما استهدفها أكبر مما استهدف دولة واحدة كإسرائيل، غير أن هذه الحجة لا تصمد أمام الأرقام، فالمفارقة الأوضح أن دولة واحدة “الإمارات العربية المتحدة” استهدفت بعدد من الصواريخ والمسيّرات يفوق ما وُجّه إلى إسرائيل نفسها، وهنا تسقط التبريرات السطحية، ويبدأ المعنى الحقيقي في الظهور، وعند هذه النقطة بالذات تزول الحيرة.
هذه الحرب، بالنسبة لإيران، ليست مجرد رد عسكري، إنها فرصة للانتقام، ولكن ليس من خصم مباشر بقدر ما هو انتقام من نموذج، انتقام من مدنٍ قررت أن تنشغل بالمستقبل بدلاً من الغرق في صراعات الماضي، من مجتمعات اختارت الاستثمار في الإنسان، وفي جودة الحياة، وفي الاستقرار طويل الأمد، من دول جعلت البناء مشروعها الأول، ورفضت أن تكون أسيرة خطاب الهدم والعداء.
لقد نجحت هذه المدن في أن تقدم للعالم نموذجا مختلفا يقول إن المنطقة قادرة على أن تنافس، بل أن تسبق، وأن تقود مسارا حضاريا متكاملا في الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية ونمط الحياة، وهذا النجاح، في حد ذاته، يُعد، في نظر البعض، تهديداً.
لذلك فبدلا من المنافسة، يأتي الرد على شكل تحطيم، وبدلا من الاقتداء، يُختار طريق الإفساد، وكأن الفارق بين مشروعين لم يعد قابلاً للجسر، مشروع يبني، وآخر لا يرى في البناء إلا استفزازا يستوجب الهدم.
وفي خضم هذا المشهد، برز عامل لا يقل أهمية، نجاح دول الخليج في بناء منظومات دفاعية متقدمة أثبتت فاعليتها في أصعب الظروف، وتعاملت هذه الدول مع التهديدات بكفاءة عالية، واعترضت جانباً كبيرا من الصواريخ والمسيّرات، مؤكدة أنها لم تعد تعتمد على مظلة خارجية بقدر ما باتت قادرة على حماية نفسها بإمكاناتها واستثماراتها، هذا التحول من الاعتماد إلى الاكتفاء الدفاعي، لم يمر مرور الكرام، بل زاد من حدة الغيظ والحقد لدى إيران ومؤيديها، لأن معادلة الردع تغيّرت، ولم يعد الخليج ذلك الطرف الذي يمكن الضغط عليه دون كلفة.
ومع ذلك، فإن هذه الحرب، مهما طالت، لن تغيّر من النتيجة النهائية، ستنتهي كما انتهت غيرها، وستخرج دول الخليج منها أكثر قوة وتماسكا، وستعيد ترتيب أوراقها بسرعة، وتراجع حساباتها، وتُحصّن منجزاتها، ولكنها ستخرج أيضا بوعي مختلف، وبذاكرة أدق.
وسيكون من بين مشاهد ما بعد الحرب عودة أولئك الذين انخدعوا بالسرديات المضللة، ووقفوا إلى جانب إيران، مبررين ذلك بأنها “حامية الإسلام”، ومعتبرين أن استهداف مدن الخليج أمر يمكن قبوله في سياق هذه الرواية، سيتجاهل هؤلاء كما تجاهلوا سابقا أن دول الخليج كانت من أكثر الأطراف سعيا للتهدئة، وأنها حاولت تجنيب المنطقة هذا المسار التصعيدي.
وسيدرك كثير منهم، متأخرا، أن ما جرى لم يكن حربا بالمعنى التقليدي، بل كان استهدافا مباشرا للبنية التحتية، ومحاولة لإلحاق الضرر بنموذج ناجح، لا مواجهة مع خصم عسكري مباشر، وحينها، سيعودون إلى الخليج، يطرقون أبوابه طلبا للدعم أو الشراكة أو الفرص، كما حدث مرارا في التاريخ، ولن تُغلق الأبواب، لأن الخليج لا يبني مواقفه على الضغائن، لكنه، هذه المرة، سيتعامل بوعي مختلف، فما انكشف في هذه الحرب لم يكن مجرد تباين في المواقف، بل كان اختباراً حقيقياً للصدق.
والاختبارات في السياسة كما في الحياة، لا تُنسى بسهولة، قد تُطوى صفحة الحرب، لكن ما كُتب فيها سيبقى.
