حين يغدو الجمالُ فعلَ مقاومةٍ

آراء

خاص لهات بوست: 

     تحاصرنا موجة قبح عالمي عارمة، أقرب إلى تسونامي يقتلع القيم والمفاهيم والسلام النفسي والثوابت من جذورها.. قبحٌ وقحٌ وسافر، لا يمكن أن يكون توقيته وفجاجته وغزارته من قبيل الصدفة.

     ثمة غايات كبيرة، بالغة البشاعة، تقف خلف هذا الانفجار المتعمد، وما يهمنا منها هنا ليس تحليل المكيدة بقدر ما يعنينا أثرها المباشر علينا؛ نحن الأفراد والمجتمعات التي تبدو، في كثير من الأحيان، بلا حول ولا قوة.

    يغزو هذا التسونامي أرواح الناس، ويترك وراءه شعوراً دائماً بالقرف والتوتر والقلق، وربما الاكتئاب.. ويقود تدريجياً ومع الأسف، إلى ما اصطلح على تسميته نزع الحساسية Desensitization؛ حيث يتبلّد الشعور، ويتحوّل القبح إلى مشهد يومي معتاد، وتدخل النفس في حالة تطبيع مع كل ما كان ينبغي أن يُرفض ويُشمئز منه.

     ومع الوقت تهتز القناعات، ويشعر الإنسان بالضعف وقلة الحيلة والعجز.. أو يقع في فخٍّ آخر أكثر إنهاكاً: فرط المتابعة والبحث والتنقيب داخل مكب النفايات هذا، في محاولة للفهم، ومحاولة الوصول إلى إجابة أو تفسير.. بينما الحقيقة أن الغرق في القبح لا يورث فهماً، بل يورث تآكلاً بطيئاً للروح.

شخصياً، لا أقبل أن يدوس هؤلاء في دماغي بأحذيتهم القذرة.

     ولهذا اتخذت قراراً قديماً وواضحاً: أن أتجنب هذه الموجة قدر الإمكان، وأن أساهم في مقاومتها بموجة جمال مضادة سيشتد عودها وإن بدأت خجولة ومتعثرة.

     أؤمن أن الأصوب لنا جميعاً في هذه المرحلة العودة إلى المبادئ والقيم والأصالة والفطرة السليمة، والتشبّث بهذه المعاني السامية بإصرار أكبر.. نحن بحاجة إلى هواء نقي، قراءة، تأمل، وحوار هادف وجاد بين الأجيال يعمل على ترسيخ القيم والمفاهيم.. بحاجة إلى نظرة أعمق للداخل، وإلى تواصل أسري وإنساني صادق، وإلى نبذ كل ما هو دخيل وشاذ وتم تزيينه وتزييفه بلا أدنى وجه حق، نحن بحاجة إلى إعادة تعريف ما نستحقه من حياة حقيقية لائقة.

     كل لوحة جميلة، كل عمل فني مبدع، كل مطلع قصيدة، كل كتاب جديد، كل موسيقى نظيفة، كل حديث عاقل… هو فعل مقاوم.. وإعلان صغير بأن أرواحنا لم تُهزم بعد.

     ثم إننا مقبلون الآن على شهر الله المبارك، وهي فرصة حقيقية للدخول إلى لبّ هذا الشهر الفضيل وجوهره؛ من صوم، وعبادة، وقراءة قرآن، وصلة رحم، ودعاء، وعطاء، وإغاثة محتاج، وتفكر، وتأمل، وإنابة للخالق الوهاب.

     نستحضر أجواء هذه الأيام وبركتها: تلك العادات والتقاليد والموروث الراسخ البهيج الذي يشبهنا أكثر.. التواصل، التعاون، الزيارات العائلية، الأطعمة الشعبية، وحتى بعض التسلية والترفيه الخفيف بفوازير رمضانية، وبرامج تلفزيونية ملائمة…

     نصنع لأجيال جديدة تخطو أولى خطواتها عالماً يليق بهم؛ مليئاً بالطمأنينة والروحانية والقيم الأصيلة، والذكريات الدافئة.

في زمنٍ يتفنن في نشر القبح، يصبح الجمال موقفاً، والنقاء بطولة صامتة.