خاص لـ هات بوست:
حل رمضان، جعله الله شهر خير وبركة، وسط فروقات في التوقيت بين البلدان وفق رؤية الهلال، فروقات قد تتجاوز اليوم الواحد، رغم الأماني بأن يتم توحيد المواقيت.
أما أن يكون الفرق أشهراً، فذلك لعمري أمر غريب، إذ ثمة تساؤلات عن صحة التقويم المتبع تطل برأسها، سيما عند حلول الشهر الكريم، فالتدقيق في الموضوع يثير الشكوك عن توافق السنة القمرية مع السنة الشمسية.
في التنزيل الحكيم الشهر قمري، يبدأ بولادة القمر وينتهي باختفائه، أما السنة فهي “حول” تعتمد على دوران الأرض حول الشمس وعودتها للنقطة ذاتها. وفي السنة إثنا عشر شهراً قمرياً. وهذا ما تعتمده عدة تقاويم، الصينية واليابانية والهندوسية والعبرية وغيرها، حيث السنة شمسية عدد أيامها 365 يوم، بينما الشهر تسع وعشرون يوماً، ثم يضاف شهر حين يبلغ الفرق ثلاثون يوماً بين مجموع أيام الأشهر القمرية وعدد أيام السنة الشمسية.
والعرب كانوا يعتمدون السنة الشمسية والأشهر القمرية، أي ثبات الأشهر في مكانها التقريبي من كل عام، بدلالة أسمائها، فالربيع يأتي في الربيع (ثالث الأشهر ورابعها)، وجمادى موعد جمود الحبوب والسنابل واقتراب موسم الحصاد، أما رمضان ف “الرمضية” لدى العرب هي الفترة الواقعة بين الصيف والخريف وتواكب أوائل المطر، ثم يأتي شوال حيث يخف لبن النوق في الخريف فتشول الناقة، أما ذو الحجة فموسم الحج، والأشهر الحرم حيث فيها يتوقف الصيد، ويحافظ على الحياة البرية، ثم يأتي صفر حيث تصفر مكة من الحجيج الذين عادوا إلى ديارهم.
لكن سؤالاً يطرح نفسه هنا: ما هو النسيء؟ النسيء هو التأخير، والله تعالى ذكره بوضوح {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} (التوبة 37) حيث كان العرب يتلاعبون بالأشهر الحرم وفق أهوائهم فيبدلوا بين الأشهر، سواء للقتال أو للتجارة أو للصيد.
ثمة أبحاث عدة تصب في خطأ التقويم القمري المعتمد، وللباحث الأستاذ غطفان رمو كتاب مهم في هذا الشأن بعنوان “يوم خلق الله السموات والأرض”، تتلخص الفكرة الأساسية فيه بأن السنة القمرية تصحح نفسها بنفسها كل عدة سنوات، فالشهر القمري يمتد من بداية ظهور الهلال حتى ولادته الثانية، بحيث يمر في السنة الشمسية إثنا عشر شهراً قمرياً مع فارق في عدد الأيام بين السنتين القمرية والشمسية (الأولى 354 يوم، الثانية 364 يوم وربع اليوم) وكما تُصحح السنة الشمسية بإضافة يوم كل أربع سنوات (سنة كبيسة)، فإن السنة القمرية تصحح ذاتها كل كم سنة (سبع مرات خلال تسعة عشر سنة) حيث يمر ثلاثة عشر شهراً قمرياً في السنة الشمسية الواحدة، هكذا خلقها الله، دونما تدخل إنساني.
فلا نسيء ولا كبس، إنما الشهور القمرية تراوح مكانها، وتكبس نفسها بنفسها، ضمن سنة شمسية (حول) تكتمل بدوران الشمس حول الأرض، إنما يمكن اعتماد تسمية محرم الأول أو ذي الحجة الثاني في العام الكبيس،الذي كبس نفسه فولد فيه القمر ثلاثة عشر مرة.
وبتدقيق الأحداث التاريخية وفق ما قام به الكاتب، والعديد من الدراسات أيضاً، نجد أنه في عصر النبوة والخلافة الراشدة كانت الأشهر القمرية ثابتة في أماكنها.
تخيل عزيزي القارىء لو أن شهر رمضان كان كل سنة في الشهر التاسع أو العاشر، إذ يمكن أن يبدأ في نصف الشهر الميلادي أو آخره تبعاً لولادة القمر، لناسب ذلك كل أهل الأرض، حيث الليل يساوي النهار في كل الأماكن، ولكان الطقس معتدلاً مقبولاً أيضاً أينما حللنا، عدا عن أن، كاجتهاد شخصي لا سند له، الخريف مناسب للزهد والخشوع، ولأتى الحج الأكبر في الشتاء حيث الطقس مناسباً.
قد يكون البحث صعباً، لكنه جدير بالاهتمام ومنطقي، وحري بالمؤسسات الرسمية أن تنظر به.
رب قائل: هل يمكن أن نعدل ما هو متبع منذ سنين؟ نعم ممكن جداً أن نترك ما وجدنا عليه آباءنا لما هو منطقي أكثر، وكما نقرأ كل يوم على وسائل التواصل، إذا اكتشفت أنك ركبت القطار الخطأ فاتركه في أول محطة ولا تكمل الطريق، حتى لو كنا جميعاً مخطئين فلنحاول تصحيح المسار.
من سيمتلك الجرأة على اتخاذ القرار واعتماد تقويم قمري جديد؟ هل نحن بحاجة لاختلافات جديدة ننقسم عليها؟ بالتأكيد لا، ولنبقى على ما نحن عليه إن كنا سنزداد شرذمة، حتى لو كنا على خطأ، فالله أعلم بأحوالنا.
عن نفسي، أعاهدها كل عام أن أصوم مع الجماعة في رمضان المعتمد، وأعيد الكرّة في الشهر التاسع، لكني لم أفعل لأن الخروج عن المألوف ما زال صعباً.
هنا يخطر في بالي سؤال آخر، ماذا لو غيرنا التقويم وصمنا في الشهر التاسع، هل يمكننا إعادة رمضان ليكون شهر تقرب إلى الله، وتدريب النفس على مكافحة أهوائها؟ أم أنه سيبقى شهر طعام واستهلاك أضعاف مضاعفة بدل الإنتاج؟ هل سيبقى “عباية بارتي” وشهر مسلسلات؟
لا بأس بموسم اجتماعي له مظاهره ابتداءً من الحلوى إلى الملابس الخاصة إلى الولائم والدعوات، لكن قليلاً من التقشف قد يعيد للشهر ألقه الروحي، فإن صمنا لن نحتاج إلى مكافأة ممن حولنا ولا نحتاج لآخر يراعي شعورنا، فنحن بملء إرادتنا اخترنا مكابدة النفس وما يحلو لها لمدة شهر، ومن لم يختر فهذا شأنه.
أخيراً رمضان مبارك أنى كان وكنتم.
