خاص لـ هات بوست:
لا أعلم من يشاطرني هذا الحنين الدائم إلى ماضٍ لم نعشه، لكنه يسكن الوجدان.
ماضٍ له رائحة الطهر المعتّق المبلل بماء المطر، يفترش طرقاً وممراتٍ رمليةً محفورةً في عمق الذاكرة.
يحدثني والدي عن تفاصيل حياتهم الماضية؛ العمل الشاق المعجون براحة البال، والرزق المحدود الموشّى بالرضا والقناعة، والمسير الطويل على الأقدام أو على دابة. الماء الشحيح في الطوي أو الشريعة، أو المترسّب في خرس. كان والدي يخجل من سخرية صحبه من حذره الصحي، إذ كان يغطي فمه بغترته قبل أن يشرب الماء، فتعمل مثل فلتر يصد الأوساخ والأتربة، وكان هذا السلوك يُعد ترفاً مبالغاً فيه.
كل هذا، وأظل مبهورة بكل حديث عن حياتهم وأسفارهم وحلّهم وترحالهم؛ تفاصيل بيوت الطين وسعف النخيل، هدوء الليل، والسماء المرصّعة بالنجوم، وحكايا الجدات وتهويداتهن.
لذلك أشعر أنني خالفت هواي المولع بهذا الإرث وجافيته عندما كتبت القصة القصيرة التي تحمل مجموعتي القصصية الجديدة عنوانها: “فعلٌ ماضٍ ناقص”. مزجت الخيال بصورة أقرب إلى واقعية سحرية، ليست مثالية ولا حالمة بل تكاد تكون صادمة عن تلك الحقبة، وأترك للقارئ تفاصيلها وحرية انطباعه عنها.
أظن أن جيلي يمثل همزة الوصل بين عالمين: عالم الأباء والأجداد في مرحلة ما قبل النفط، ذاك العالم المتمهّل الذي يبدو أنه لا يكترث بالوقت، ويعتز بالقيم والأصالة والعادات والتقاليد، وعالمٍ حداثيٍّ يحكمه إيقاعٌ متسارع، تُقاس فيه الخطى بالإنجاز، وتُختصر فيه المسافات بضغطة زر.. عالمٌ تتكئ أدواته على التقنية؛ هواتف ذكية لا تغادر الأيدي، وشبكات تواصل تعيد تشكيل العلاقات، ومنصات رقمية تُسرّع الوصول وتُضاعف التطلعات.. عالمٌ يَعِد بالكثير، لكنه يفرض إيقاعه الصارم، ويختبر قدرتنا على التوازن بين الوفرة والطمأنينة، وبين الحضور الدائم والغياب عن الذات.. نحسب الوقت بالدقائق، ونطارد فرصاً لا تنتهي، فيما نحاول، على استحياء، أن نحتفظ بشيءٍ من بطء الأمس في داخلنا؛ كأننا نكتب جملةً بحبرين، ماضٍ لا يكتمل في وعينا، وحاضرٌ لا يستقر على حال.
وربما لهذا سميته فعلاً ماضياً ناقصاً؛ لا لأنه لم يكن كاملاً في زمانه، بل لأنه لا يكتمل فينا إلا بشيءٍ نضيفه نحن. نرسم بالكلمات أفعالاً ناقصةً تحتاج إلى اسمٍ وخبرٍ لتستقيم، يظل ذلك الماضي معلقاً، ينتظر منا ما يُتمّ معناه.. نمنحه من حنيننا اسماً، ومن وعينا خبراً، فنرفعه حيناً وننصبه حيناً آخر، ونتركه في كل الأحوال مفتوحاً على كل التكهنات، يستمد ظلاله من تأويلٍ لا ينتهي.. هكذا لا يكون الماضي زمناً منقضياً فحسب، بل جملةً نحاول أن نتمّها… وتأبى أن تكتمل إلا كلوحةٍ بالأبيض والأسود على جدار الحكي.
