كيف أظهرت مصر عصا موسى؟

آراء

     حين طُرحت سيناء كمساحة بديلة لغزة، لم تكن الفكرة وليدة طارئ إنساني، بل جزءا من تصور سياسي يريد نقل الأزمة بدل حلها. مصر، التي تقف عند التقاء الجغرافيا بالتاريخ، أدركت مبكراً أن فتح أو إغلاق معبر رفح ليس مسألة حدود، بل مسألة سيادة ورسم أدوار.

     منذ تلك اللحظة، تعاملت القاهرة مع الملف بوصفه أزمة متعددة الطبقات: إنسانية في ظاهرها، أمنية في عمقها، وسياسية في مآلاتها. لم تنجر إلى لغة العواطف، ولم تُسقط الحسابات الاستراتيجية تحت ضغط الصور. كانت تعرف أن التهجير لا يُعلن عادة كجريمة ـ خاصة إذا جاء بمباركة العم سام ـ بل يُسوق كحل، وأن أخطر ما في الأزمات ليس انفجارها، بل “تدويرها” جغرافيا.

     الدافع المصري الأول لفتح معبر رفح لم يكن الاستجابة لابتزاز أخلاقي أو ضغط إعلامي، بل منع كسر القاعدة. فحين يُفتح باب التهجير مرة، يتحول الاستثناء إلى عادة، وتغدو الحدود مرنة أمام مشاريع لا تعترف بثبات الخرائط. مصر فهمت أن إبقاء غزة مختنقة بلا منفذ منظم، يدفع الأزمة تلقائيا نحو أراضيها، لا لأن الفلسطينيين يريدون الرحيل، بل لأن العالم الضال يريد التخلص من عبئهم.

     في هذا السياق، يصبح فتح المعبر فعل ضبط لا فعل تفريط. هو محاولة لإدارة الكارثة بدل تصديرها، ولإبقاء الفلسطيني في أرضه لا في مخيم عابر. القاهرة تدرك أن الأمن لا يبنى بالجدران فقط، بل بتوازن إنساني يمنع الانفجار، وأن الفوضى أخطر على الحدود من الحركة المنضبطة.

     أما على المستوى السياسي، فالمعبر بالنسبة لمصر ورقة سيادة خالصة. فتحه بقرار مصري، وبآلية مصرية، يعني أن القاهرة لم تقبل أن تكون تابعا في ملف يمس حدودها المباشرة. هو إعلان غير صاخب بأن مصر لا تزال تمسك بمفاتيح الجغرافيا، وأن دورها لم يختزل في ممر إسعافي أو وسيط مؤقت، ورسالة تقول إن القاهرة لا تزال تمسك بخيوط المشهد، حتى حين يبدو المشهد فوضويا.

     في المقابل، تتبدى الدوافع الإسرائيلية لرفض فتح المعبر بوضوح لا يحتاج لكثير من الشرح. إسرائيل ترى في المعابر جزءا من منظومة السيطرة لا مجرد نقاط عبور. إغلاقها يمنحها القدرة على التحكم بإيقاع الحياة داخل غزة: ضغط متى شاءت، وتخفيف متى احتاجت. فتح رفح خارج إرادتها يسحب منها إحدى أدوات الخنق الأكثر فاعلية، ويكسر احتكارها لقرار الدخول والخروج.

     ثم إن إسرائيل تخشى ما هو أبعد من الاعتبارات الأمنية المباشرة، وما هو أكثر من الشاحنات والجموع تخشى الرمزية. تخشى أن تعود غزة إلى عمقها العربي، ولو عبر نافذة واحدة. لأن الجغرافيا حين تتحرك، تُسقط السرديات. والمعبر المفتوح يقول ضمنا إن غزة ليست جزيرة معزولة، ولا سجنا أبديا، فالعزلة كانت دائما شرطا لإدارة القطاع كعبء لا كقضية، وكجسم منفصل لا كجزء من صراع أكبر.

     وسط هذا الاشتباك، برز الفارق الجلي بين الحنكة الدبلوماسية المصرية وبين التسرع السياسي الأميركي–الإسرائيلي. تصريحات الرئيس الأميركي، ونزعة نتنياهو إلى الحلول السهلة قصيرة النفس، عكست عقلية ترى في الخرائط مساحات فارغة، وفي الشعوب أرقاما قابلة للنقل. في المقابل، واجهتهم القاهرة بلغة هادئة لكنها قاطعة: لا تهجير، لا حلول على حساب السيادة، ولا إدارة للأزمة خارج سياقها الحقيقي، مصر أغلقت الباب دون كسره، وفتحت نافذة حين أصبح فتحها مكسبا لا تنازلا.

     لم تدخل في سجال علني، ولم ترد على الطيش بالطيش. تركت الوقت يعمل لصالحها، واستثمرت في شبكة علاقاتها، وراكمت موقفا صلبا حتى أصبح فتح المعابر نتيجة طبيعية لمسار دبلوماسي طويل، لا تنازلا تحت الضغط.

     هكذا، لم تصل مصر إلى هذه اللحظة بالصدفة، بل بإدارة باردة لأكثر الملفات سخونة. رفضت أن تكون سيناء مخرجا لفشل الآخرين، وفرضت أن يكون معبر رفح جزءا من الحل لا بوابة للهروب من جذور المشكلة، وكما كانت عصا موسى تفتح البحر يوما لإنقاذ شعب، أظهرت مصر عصا السياسة لتشق طريق معبر رفح، فجمعت الحنكة بالسيادة والخلاص الإنساني في آن واحد.

     ومن لا يفهم ما فعلته مصر بسلوكها السياسي، عليه أن يعود فعلا إلى كتب التاريخ، لا ليبحث عن أمجاد، بل ليفهم كيف تدار الدول التي تعرف وزنها. وأن يتأمل أطالس الجغرافيا جيدا، فالدول التي تعيش على مفترق القارات لا تدار بعقلية اللحظة، والسياسة التي تُصاغ عند بوابات الإمبراطوريات لا تُمارَس بالصوت العالي، بل بالصبر الذي يعرف متى يصمت… ومتى يفتح معبر رفح.

المصدر: صحيفة الجمهورية