هناك فكرة شائعة غير دقيقة بخصوص قيمة العملات، وهي أن انخفاض قيمة الدولار، على سبيل المثال، يتم تناوله وكأنه مؤشر سلبي للاقتصاد الأمريكي، وأن هناك أزمة ثقة مالية بالعملة الأمريكية. هذه الاعتقاد خاطئ ولا يستند إلى تحليل اقتصادي.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضح أمس الفكرة مرة أخرى، لأن تداول انخفاض الدولار كعلامة ضعف اقتصادية أصبحت “ترينداً”، فقال إن قيمة الدولار رائعة. وتحدث عن خوضه معارك شرسة مع الصين واليابان، لأنهما كانتا تسعيان دوما إلى خفض قيمة عملتيهما، على حد قوله. لكنه استدرك بأنه لا يرغب في رؤية مزيد من التراجع في قيمة الدولار.
كلام ترامب ينطلق من زاوية مختلفة تماماً عن تلك التي ينظر منها المواطن العادي أو المستثمر الصغير. لفهم ذلك، لا بد من التمييز بين دور الدولار كعملة وطنية ودوره كعملة عالمية، وبين مصالح قطاعات مختلفة داخل الاقتصاد الأميركي نفسه.
أولاً، متى يكون انخفاض الدولار إيجابياً؟
يصبح انخفاض الدولار مفيداً عندما يكون الاقتصاد الأميركي يعاني من اختلال تجاري مزمن، أي حين تستورد الولايات المتحدة أكثر مما تصدّر. ضعف الدولار يجعل السلع الأميركية أرخص ثمناً في الأسواق العالمية، ما يعزّز القدرة التنافسية للصادرات الصناعية والزراعية، ويمنح الشركات الأميركية هامشاً أفضل لمواجهة المنتجات القادمة من الصين وأوروبا والمكسيك. من هذه الزاوية، انخفاض الدولار أداة حمائية غير مباشرة.
ثانياً:
ترامب ينظر إلى الدولار كسعر صرف يؤثر مباشرة على المصانع والوظائف. ودأب في خطاباته على الربط بين قوة الدولار وخراب الصناعة الأميركية، معتبراً أن الدولار «القوي أكثر من اللازم» يخدم وول ستريت والمضاربين، لكنه يضر ديترويت وأوهايو وبنسلفانيا. لذلك، حين يقول إن انخفاض الدولار «شيء رائع»، فهو يقصد:
دعم الصادرات
تحفيز إعادة التصنيع
تقليص العجز التجاري
جذب الاستثمارات التي تبحث عن كلفة إنتاج أقل داخل الولايات المتحدة
ثالثاً، من المستفيد ومن المتضرر؟
انخفاض الدولار ليس خبراً سعيداً للجميع.
المستفيدون: الصناعات التصديرية، الشركات متعددة الجنسيات الأميركية (لأن أرباحها الخارجية ترتفع عند تحويلها إلى الدولار)، والعمال في القطاعات الصناعية.
المتضررون: المستوردون، المستهلك الأميركي (لأن الواردات تصبح أغلى)، وحملة السندات الدولارية الذين تتآكل قوتهم الشرائية.
رابعاً، متى يصبح انخفاض الدولار خطراً؟
انخفاض الدولار يصبح سلبياً عندما يتحول من أداة تنافسية إلى فقدان ثقة. أي حين يكون مصحوباً بـ:
تضخم خارج السيطرة
عجز مالي بلا أفق
اهتزاز الثقة العالمية في السياسة النقدية الأميركية
في الوضع الحالي، لا يتفق الخبراء جميعاً على أن ضعف الدولار الحالي هو تصحيح لقوة فائضة، كما يرى ترامب. لذلك هناك توقعات ان يكون هذا الضعف بنيوياً وطويل الأمد، ويتسبب في تآكل مدخرات الأمريكيين.
وقال كايل رودا كبير محللي السوق لدى كابيتال دوت كوم “يظهر ذلك وجود أزمة ثقة في الدولار الأمريكي ويبدو أنه في الوقت الذي تتمسك فيه إدارة ترامب بسياستها التجارية والخارجية والاقتصادية غير المنتظمة، قد يستمر هذا الضعف”.
في المقابل، قال يوجين إبستين، رئيس التداول والمنتجات الهيكلية في شركة موني كورب بنيوجيرسي: “إدارة ترامب تريد دولارًا أضعف”، مضيفاً أن ذلك ساعد أيضًا في تحسين العجز التجاري. وأوضح: “المغزى هو أنه يوضح بوضوح أنه رئيس يهتم بالعجز التجاري”.
وقال الخبير الاقتصادي والمالي ستيف سوسنيك، إن الدولار الأضعف “عملة ذات وجهين”. وأضاف: “من ناحية، هو جيد للشركات متعددة الجنسيات.. إذا كانت لديك عمليات حول العالم وعائدات بالعملات الأجنبية، سيكون لديك ميزة عند تحويلها إلى الدولار الأمريكي، وهذا سيكون جيداً. ومن ناحية أخرى، يجعل السلع المستوردة أكثر تكلفة وقد يكون لذلك بعض التأثير التضخمي”.
و هبط الدولار أكثر من تسعة بالمئة في عام 2025 وبدأ العام الجديد على تراجع، إذ انخفض بالفعل بنحو 2.3 بالمئة في يناير في ظل النهج المتقلب الذي يتبعه ترامب حيال التجارة والدبلوماسية الدولية، والمخاوف بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) والزيادات الضخمة في الإنفاق العام التي أقلقت المستثمرين.
المصدر: البيان




