لِمَ العَجَلَة؟

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     أميل من حينٍ لآخر إلى التمهّل؛ تبدو لي تلك السويعات كوعيٍ مفاجئ وإدراكٍ لحظي لعالمٍ مجنون، صار طابعه الجري في حلقة شبه مفرغة، وكأنّه في سباقٍ محموم مع كائناتٍ لا مرئيّة.

أقول في خاطري: دعهم يفوزون..

     أصنع لنفسي فنجان قهوة على مهل، أسكبه برويّة، أراقب تكثّف أبخرته، رائحته ذات الإيحاءات، ومذاقه المرّ.

     الكعكة في الفرن تنضج وتنتفخ وتكتسب لونها الذهبي الشهي.

     أتصفّح كتاباً أمام النافذة؛ أقرأ تارة، وأتأمّل الخارج تارة أخرى.. شجرة وارفة الظلال تتمايل هنا، طائر بديع اللون يزقزق هناك، قطة تجيد تزجية الوقت، تتثاءب وتتمرّغ على العشب الأخضر النديّ بدلال.. فراشة ملوّنة لا تعبأ بعمرها القصير، ترفرف بين الزهور بخفّة وبهجة مدهشة.

     أو أُخرج أدوات الرسم من مخبئها، وأشرع في رسم لوحة بلا تخطيطٍ مسبق.. تكفيني رائحة الزيت والتربنتين، وصوت ضربات الفرشاة الخشنة على قماش الكانفاس.. تتّضح معالم اللوحة بلا استعجال، في غفلةٍ منّي ومن الزمن.

     متى صار التمهّل فعلاً فاضحاً على الطريق العام، يخجل منه مقترفه، ويُتّهم بالكسل والفشل وسائر الذمائم؟ ولمَ كلّ هذه العجلة؟

     يشتهر الإيطاليون تحديداً بما يُعرف بـ La Dolce Vita وLa Lentezza.

     وهما فلسفتان تختصّان بعيش الحياة الحلوة البسيطة، والتلذّذ بالبطء، والانغماس في اللحظة، حتى في تناول الطعام؛ جاءت كحركةً مناوئة لحمى الوجبات السريعة، والإيقاع الفج السريع للحياة، وتحويل الإنسان إلى مجرّد آلة في صراعٍ دائم مع الزمن.

     يفرض علينا الواقع المتسارع، وأجنداتنا المكتظّة بالواجبات والمسؤوليّات والمهام، قدراً من السعي والاجتهاد لتحقيق الإنجاز المطلوب، بل وتجاوزه أحياناً.

     لكن ثمّة حدّاً أدنى من إدارة الوقت والتوازن، يتيح لنا بلوغ الغايات دون أن نحترق وظيفيّاً، أو نُنهك ونُستهلَك، ونغفل عن أدوارٍ أخرى واجبة لا تقلّ أهميّة: مع الأسرة، والأهل، والمحيط، والذات التي لها علينا حقّ.

     البعض في لهاثٍ وسباقٍ محموم، حتى في الإجازة؛ تلزمه إجازة من الإجازة التي يقضيها في ملاحقة الترندات، والجري في الأسواق، وتحقيق أرقام قياسية.

     من المؤكّد أيضاً أنّ لكلٍّ منّا نمطه وأولويّاته وإيقاعه الذي يلائمه دون غيره.

     فقط، لو أنّنا نتمهّل ولو قليلاً، نأخذ نفساً عميقاً ملأ رئتينا، نتأمّل جماليّات العالم والتفاصيل من حولنا: ذاك الطفل الذي يكبر، والبرعم الذي ينمو، والضوء الذي يخبو، والحياة التي تتسرّب من بين الأصابع وفي غفلةٍ من أصحابها.

     هناك سلامٌ ينبع من استشعار البرهة، ونبذ الفائض من الأشياء، كلِّ الأشياء؛ مناسبةٌ عابرة، وإن تهافت عليها الناس، معرفةٌ هامشيّة، حديثٌ مكرور… لا شيء يعدل ذاك السلام الحقيقي.

دعونا يا رفاق الحياة نعيش اللحظة، ونتصالح مع الوقت؛ فالخاسر الأكبر هو من اتّخذه خصماً له.