هناك لحظات في قصتنا الإنسانية المشتركة، يمرّ فيها العالم بحالات من الاضطراب، نتيجة تحوّلات متسارعة تتجاوز قدرتنا على مواكبتها، حيث ترتفع أصوات الشباب متسائلة، ليس عمّا يخبئه الغد فحسب، بل عمّن سيتولّى رسم ملامحه أيضاً.
كنت وما أزال أؤمن بأن القيادة ليست غاية في حد ذاتها بل مسؤولية نتحملها، تبدأ من اللحظة التي نختار فيها أن نخدم الآخرين، ونكرِّس جهدنا بصمت وإصرار من أجل حياةٍ أفضل لهم.
هكذا كانت رؤية الوالد المؤسِّس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، فقد شيَّد دولةً قائمةً على الإيمان بالإنسان، وبقدراته الكامنة، وبوحدة الصف، حيث كان يؤمن بأن المعيار الأصدق للقيادة ليس ما ينجزه الفرد بمفرده بل في ما يزرعه من تمكين وإلهام في نفوس الآخرين.
بهذه الروح تأسست «مؤسسة زايد للتعليم»، امتداداً لإرث الشيخ زايد، واستثماراً في قادة الغد من أبناء الإمارات والمنطقة العربية والعالم… في جيل الشباب الذين يجمعون بين الموهبة والرغبة الصادقة في خدمة الآخرين والعزيمة لبناء مستقبل أفضل.
جوهر عمل المؤسسة إتاحة الفرص وتوفيرها بطريقة تُعبِّر عن الوعي والمسؤولية من خلال دعم الطلبة المتميّزين الذين يسعون للدراسة في مجالات ترتبط ارتباطاً وثيقاً باحتياجات مجتمعاتهم، مثل الصحة العامة، والتعليم، والمناخ، والابتكار. ولا يقتصر دورنا على توفير فرصة التعليم بل يمتد إلى إعداد وتأهيل الشباب لمستقبل يتطلب ما هو أكثر من العلم.. شخصية تتسم بالنزاهة والعزيمة والرؤية التي تستشرف الغد.
تسعى المؤسسة إلى إعداد جيل من الشباب يمتلك الكفاءة والوعي لقيادة تتجاوز حدود الثقافات والتخصصات والفوارق… نُنمي لديهم مهارات التفكير الاستراتيجي، مقروناً بروح التواضع ومهارات التعبير بثقة، ومصحوباً بالقدرة على الاستماع الفعّال، ولا نُعدّهم للقيادة فقط بل للخدمة أيضاً بروحٍ من التعاطف والإخلاص والاهتمام بالآخرين.
ما نبنيه ليس مجرد مؤسسة، إنه نواة مجتمعٍ نابضٍ يضمّ قادة يؤمنون بمبادئ وأهداف وقِيَم مشتركة، ويجمعهم التزام عميق بالصالح العام. وخلال العقد القادم، أي بحلول عام 2035، نطمح إلى تمكين أكثر من مائة ألف قائد شاب، يحمل كلٌّ منهم في وجدانه ما آمنت به دولة الإمارات على الدوام: الوحدة والتقدّم والتعاطف.
هذا الجهد لا يعبّر عن اعتزازنا الوطني فحسب، بل يجسد كذلك هويتنا كدولة انفتحت على العالم بثقة، وآمنت بأن الشراكة مصدر قوة، وبأن التعليم حقٌ مكفول للجميع وليس امتيازاً يناله البعض دون غيره.
نحن نعيش في زمن لا يمكن التنبؤ بمساره، لكنه يحمل في طياته فرصاً هائلة… العالم يمرُّ بمنعطف حاسم، ولم يَعُد من الممكن أن نعوّل على المؤسسات وحدها للحصول على الإجابات، بل على الأفراد، وخاصةً الشباب الذين يحملون في داخلهم ملامح مستقبلٍ أفضل. وهنا يأتي دورنا سواء كنّا قادة أو موجهين أو مواطنين في اكتشاف هذه الإمكانات مبكراً ورعايتها بوعي والتزام.
إن الاستثمار الصحيح في اللحظة المناسبة، سواء كان ذلك الاستثمار في طالب أو باحث أو فكرة جريئة، يمكن أن يحدث أثراً أبعد مما نتصور… فقد يكون مصدر إلهام، وقد يحمل العلاج، وقد يمهِّد الطريق نحو المستقبل.
تُمثِّل مؤسسة زايد للتعليم هذا الالتزام في أبهى صوره، فهي قوة إيجابية تمتد عبر الحدود، وتطلق العنان للطاقات البشرية، وتحمل رسالةً راسخةً بأن الخدمة هي جوهر القيادة.
هكذا نجسِّد رؤية المغفور له الشيخ زايد، بالعمل بقيمه في حياتنا اليومية، وفي كل حياة نؤثر فيها، وفي كل شاب نضع فيه ثقتنا، وفي كل فرصة نوفرها لمن يستحقها.
هذا جوهر عملنا، وهذه مسؤوليتنا وغايتنا … وأنا على يقين بأن هذه ليست إلا الخطوة الأولى في مشوارٍ طويلٍ محفوفٍ بالأمل والعمل.
المصدر: الاتحاد
