خاص لـ هات بوست:
في الامتحان يُكرَم المرء أو يُهان.. هذا بالضبط ما حدث حين دوّت صفارات الإنذار في هواتفنا في الإمارات، تنذرنا بأن شرًّا انطلق نحونا. توجّسنا أمام أول اختبار من نوعه، وكانت التعليمات واضحة بأن نتقيّد بإرشادات السلامة. نفّذنا التوجيه، وبعد فترة قصيرة وصلت إلينا رسالة أخرى تفيد بأن الخطر قد زال، وأن بإمكاننا العودة إلى حياتنا.
قبل فترة هذا الامتحان، كنت أعمل وأمارس حياتي بين ثلاث إمارات طوال الأسبوع؛ أعمل في إحداها، وأسكن في الثانية، ومعظم علاقاتي وصداقاتي في الثالثة.
بدأت الإنذارات تزداد يومًا بعد يوم، وحاول الشياطين والأعداء والمتربصون في وسائل التواصل الاجتماعي سرقة المشهد، وحاولوا زرع الذعر في قلوبنا عبر صور ومشاهد مفبركة، لكن بسبب انطلاق إعلام الدولة كله وقيامه بواجباته، وُئدت كل تلك المحاولات التي سعت إلى إرباكنا في مهدها. فلم يقع حادث إلا وعلمنا به على وجه السرعة، ولم ينطلق شر إلا وتلقينا الإنذار به قبل بلوغه أي هدف، ولم نكد نسمع من الانفجارات إلا بقايا صدى في السماء بعد التصدي لها.
خلال يومين استوعب الجميع المشهد، وعرفنا أننا في دولة يقظة، وأن الشر المبيّت لها كانت قد أُعدّت له دروع تصدّه، وإعلام يقطع دابر المرجفين. ساعتها اطمأنّ بنا المقام، وعدنا إلى كامل سكينتنا وحياتنا؛ فما خوفي في بيت محروس وسماء آمنة.
وفي هذه الفترة مارست عملي ذهابًا وإيابًا، والتقيت بأصدقائي في كل الأماكن التي اعتدنا الذهاب إليها، وأخذت أسرتي في النزهات التي اعتدناها في الأسواق والمولات المزدحمة، وفنادق في قلب مدينة دبي. بل سافرت أيضًا في أشد الأوقات تشاؤمًا بالنسبة للبعض، مثل غيري ممن وثقوا بهذه الدولة. وكنت أقول لمن يسألني من الأصدقاء في الداخل والخارج إن الحياة ماضية كما كانت، ولم يتوقف فيها شيء قط. فالدولة، كما اتضح لنا من إجراءاتها، شديدة الحرص على سلامة السكان، وكنا نقرأ يوميًا عشرات التغريدات من مختلف مؤسسات الدولة، بدءًا من وزارة الدفاع وانتهاءً بوزارة الاقتصاد، تخبرنا بكل صغيرة وكبيرة.
وقد اعتقدنا في البداية أننا أمام اختبار قصير لن يجاوز أسبوعًا واحدًا، فإذا بالاختبار طويل وشاق. لكن أسبوعًا منه لم يمر، خلال الأربعين يومًا التي عشناها، إلا والدولة في صمود أكبر. فلم يسفر طول الإرهاب الذي شهدناه إلا عن دولة كاملة الأركان، لا فجوة في مؤسساتها ولا في آليات عملها. فلم تنقص سلعة في الأسواق، ولا ارتفع سعرها، ولا شهدنا شيئًا من الانهيارات التي توعدنا بها الأعداء، ولا سمعنا زغاريد الشامتين الذين ابتلعوا ألسنتهم بعد أن عرفوا أن الدولة التي اعتقدوا أنها من زجاج هش، تقف على أرضية من فولاذ لا يصدأ.
كان الامتحان عسيرًا علينا، لكننا عرفنا من خلاله الأصدقاء الذين لم نكن نعرف بعضهم حق المعرفة إلا حين أتت الشدة، وعرفنا من خلاله الأعداء الذين كان بعضهم في ثوب صديق. لقد محّصت هذه المحنة المعادن كلها، وأظهرتها أمامنا بجلاء.
ويبقى أمامنا الآن أن نشكر هؤلاء الرجال والنساء الذين لم نعرفهم قط، وكانوا ساهرين على حماية أطفالنا الغارقين في النوم، يصدّون عنا الأعداء، ويُسيّرون حياتنا كل يوم بيسر وسهولة، من دون أن نشعر أن شيئًا حدث أو قد يحدث حولنا.
فشكرًا لهذه البلاد التي أبلت بلاءً حسنًا، ولقيادتها البصيرة التي أثبتت أنها لا تفرّق بين مواطن ومقيم في أوقات السلم، فضلًا عن أوقات الأزمات. حرسهم الله بما حرسوا به أرواحنا وحياتنا في كل ما مررنا به من أوبئة وحروب في هذه الديار المليئة بالسكينة وجميل المعشر.
