محمد فاضل العبيدلي
محمد فاضل العبيدلي
عمل محرراً في قسم الشؤون المحلية بصحيفة "أخبار الخليج" البحرينية، ثم محرراً في قسم الديسك ومحرراً للشؤون الخارجية مسؤولاً عن التغطيات الخارجية. وأصبح رئيساً لقسم الشؤون المحلية، ثم رئيساً لقسم الشؤون العربية والدولية ثم نائباً لمدير التحرير في صحيفة "الايام" البحرينية، ثم إنتقل للعمل مراسلاً لوكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) كما عمل محرراً في لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية.

الخبث رديفاً للغباء

آراء

كنت اتصفح موقع فيسبوك يوم الاربعاء 25 يونيو، عندما استوقفتني تدوينة في صفحة تسمى “ثورة المرأة السورية الحرة” هي عبارة عن صورة لبرقية تهنئة مزعومة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابومازن) الى الرئيس السوري بشار الاسد بمناسبة انتخابه للمرة الثالثة مع صورة لأبومازن وبقربها كتب ناشر التدوينة شتيمة مقذعة بحق أبومازن.

أثارت التدوينة تساؤلا لدي: هل يكتب رؤساء الدول رسائلهم الرسمية بخط يدهم مثلما هو في تلك البرقية؟ أبعد من هذا فان الشعار الظاهر في البرقية هو “دولة فلسطين – منظمة التحرير الفلسطينية – الدائرة السياسية”، فإذا كانت البرقية صادرة حقاً من الرئيس الفلسطيني كان يتعين ان تحمل شعار “السلطة الوطنية الفلسطينية”. أما التوقيع اسفل البرقية فهو ليس توقيع ابومازن بالتأكيد، لأنني اعرفه من سطور إهداءات شخصية لثلاث من كتبه احتفظ بها في مكتبتي.  إن الشعار الظاهر في تلك البرقية هو الشعار الذي تم اعتماد بعد اعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988 في دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، كما أن البرقية لا تحمل رقما متسلسلاً وغير مؤرخة.

تتبعت مصدر البرقية، فوجدت أنه وكالة الانباء السورية الرسمية (سانا)، وفي الجزء المخصص لتغطية نشاطات الرئيس في موقع الوكالة على الانترنت، وجدت 11 برقية مرسلة من رؤساء دول من بينهم الرئيس الجزائري، لكن اللافت هو ان البرقية المنسوبة لابومازن هي الوحيدة من نوعها التي نشرت على شكل صورة، فما الذي يمكن أن يعنيه هذا؟ رغبة في التأكيد بدليل لا يدحض؟ من الواضح انها كذلك، لكن السؤال لماذا؟

سواء أكان تأليف تلك البرقية المهينة للذكاء ونشرها عملاً قام به هواة في التزوير او محاولة من رئيس نظام معزول لم يتلق ما فيه الكفاية من برقيات التهنئة من نظرائه العرب حتى من باب المجاملات الدبلوماسية، فإن ما يستحق التوقف والإنتباه هنا هو السؤال عمن كان أول من سارع الى التقاط هذه البرقية من موقع الوكالة السورية ونشرها على موقع “تويتر”.

إنه معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومن بعد، قام شاب سوري بالتقاط هذه التغريدة ونشرها في موقع “ثورة المرأة السورية الحرة” على فيسبوك مرفقة بتلك الشتيمة المقذعة بحق الرئيس الفلسطيني. وفي اليوم التالي الخميس 26 يونيو، قامت قناة “روسيا اليوم” بنشر تلك البرقية في صفحتها العربية ايضا على شكل خبر صحافي وزادت عليه بخلفية تذكر بالاتفاق الاخير حول تحييد مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين (شمال دمشق) من تبعات الصراع المسلح بين الجيش السوري وفصائل المعارضة. لن يتوقف نشر وإعادة نشر هذه البرقية المفبركة على الأرجح وسيتم تداولها خلال الايام المقبلة في مواقع التواصل الاجتماعي بل ومن غير المستبعد ان تجد طريقها الى بعض البرامج الحوارية المتلفزة وغيرها.

السؤال المهم هنا: كيف فات على معهد واشنطن ان الرسائل الرسمية لرؤساء الدول لا تكتب بخط اليد؟ وكيف فاتهم ان الشعار الظاهر في البرقية هو شعار منظمة التحرير الفلسطينية وليس شعار السلطة الوطنية الفلسطينية؟ وكيف فاتهم ان الرسالة لا تحمل رقما متسلسلا وغير مؤرخة؟ أسئلة بسيطة لن تفوت صحافيا هاوياً فكيف بمعهد يدعى ان مجال خبراته هو الشرق الاوسط والصراع العربي الاسرائيلي منذ العام 1965؟ هل غفلوا عن ذلك حقاً؟

لقد ذكرني “هذا النوع من الجهل” بمقال كتب شخص يدعى مارك بيري في 8 نوفمبر 2013 في موقع مجلة “فورين بوليسي” بعد يومين من اعلان فريق طبي سويسري ان عينات من جثمان الرئيس الراحل ياسر عرفات اظهرت وجود مستويات عالية من مادة “بولونيوم 210” المشعة. ذلك المقال كان عبارة عن محادثة زعم بيري انها تمت في العاصمة الاردنية عمان عام 2007 مع القيادي الفلسطيني هاني الحسن الذي توفي في العام 2012. في ذلك المقال، استعرض بيري احتمالات حول من يقف وراء اغتيال عرفات تحوم كلها حول اتهام عرب وفلسطينيين واستبعد تورط اسرائيل بحجة انه لو صح مثل هذا التورط لكان عنوانا رئيسياً في صحيفة واشنطن بوست في اليوم التالي. لقد نسب بيري كل تلك الاجوبة الى هاني الحسن المتوفي واكتفى هو (كما في المقال) بدور المحاور وتجاهل تماماً الدليل المستجد حول مادة “بولونيوم 210” المشعة لأنه يدرك تماماً ان الدولة الوحيدة التي يمكن ان تملك مثل هذه المادة المشعة هي اسرائيل دون سواها. مع مقال كهذا، فإن المرء يتساءل: كيف تنشر مجلة تقدم على انها رصينة مقالا مليئاً بالأكاذيب المنسوبة الى رجل ميت لا يستطيع ان يدافع عن نفسه؟ اي نوع من المعايير الأخلاقية يمكن ان يجيز مقالا من هذا النوع؟

وعودة الى السؤال عما اذا كان أولئك المعنيين في معهد واشنطن قد نسوا ان يفحصوا تلك البرقية بعناية، فإن المرء لا يجد مناصاً من الاستنتاج بأنهم تعمدوا نشرها وشكرا للمدير التنفيذي لمعهد واشنطن روبرت ساتلوف الذي قدم لنا الجواب من خلال قراءة مقاله المعنون “محمود عباس والدولة اليهودية” المنشور في موقع المعهد على الانترنت بتاريخ 14 مارس 2014 وفي صدفة لطيفة في موقع “فورين بوليسي” أيضاً.

فحوى ذلك المقال ان الرئيس عباس يتخذ موقفاً اكثر تشددا من سلفه (عرفات) حيال “الدولة اليهودية”. في المقال، ينصح ساتلوف الرئيس الامريكي باراك اوباما قبل لقائه مع الرئيس محمود عباس بأن “يهدد عباس بمستقبل وخيم من العزلة والتهميش إذا لم ينتهز هذه الفرصة لإرساء السلام [عبر الاعتراف بيهودية اسرائيل] أو بدلاً من ذلك، يمكنه التخلي عن المواجهة وترك عباس يحتفظ بوسام الاعتدال ومواقف الرفض في الوقت نفسه”.

يا لها من مفارقة: بالنسبة لمعهد واشنطن، فان وكالة الانباء السورية الرسمية ذات مصداقية عالية الى الدرجة التي تدفعه وبلهفة الى نشر خبر مفبرك مهين للذكاء لمجرد انه إساءة الى الرئيس الفلسطيني ويثير سخط الجمهور من العرب ضده مثلما فعل ذلك الشاب بشتيمته المقذعة.

مترجماً عن غلف نيوز