الفرد الشامل!

آراء

الصيني حينما يتحدث معك في الاقتصاد فهو غالباً لا يحيد عن موضوعه. حاولت أمس وأمس الأول أن أجر الصينيين الذين التقيت بهم، من مسؤوليين حكوميين ورجال أعمال، للحديث حول قصة الخلاف الناشب حالياً بين الصين واليابان بعد أن قررت الأخيرة تأميم جزر مختلف عليها، لكن الجميع يركز في الحديث على الاقتصاد.

ومن قبل زيارتي الصين كنت أسأل نفسي كثيراً لماذا نحب في العالم العربي أحاديث السياسة وكأنها قوت البقاء؟ ثمة فوارق كبيرة في نوعية الإنتاج بين «الفرد الشامل» و«الفرد المتخصص». نميل في العالم العربي لأن نكون من فئة «الفرد الشامل» الذي يتحدث في كل شيء ويُفتي في كل شيء ويزعم معرفة كل شيء.

ألاحظ في زيارتي الراهنة للصين أن الصيني لا يتحدث في غير موضوعه إلا نادراً. وهنا أؤكد أن تجربتي في الصين جديدة ومحدودة، لكنني أحاول رصد «انطباعات» حول الزيارة وهي انطباعات عامة قابلة للخطأ. لاحظت أن العرب يتحدثون مع نظرائهم الصينيين في السياسة أكثر من الاقتصاد.

وزير الزراعة يتحدث في السياسة أكثر مما يتحدث عن التنمية الزراعية. ولعل وزير الصناعة العربي يسأل في السياسة أكثر مما يسأل في الاقتصاد. حديثنا في العالم العربي في غالبه سياسي حتى إن كنا نناقش مسائل تنموية. هل لأن «السياسة» تتحكم في كل مفاصل حراكنا؟ أم أننا ضحايا الهوس بالسلطة؟ أو كما قال شاعر عراقي: قومي رؤوس كلهم… أرأيت مزرعة البصل! وهكذا تخلفت التنمية في غالبية البلاد العربية لأن نخبها –سياسية وثقافية واقتصادية– متورطة إلى أذنيها في السياسة التي تحقق مصالح الأفراد على حساب مصالح الوطن. وفرق مثلما ما بين الأرض والسماء بين «مسؤول» يمنحه منصبه فرصاً ذهبية لخدمة مصالحه الخاصة وآخر يجد في موقعه فرصة تاريخية أن يُسهم في نماء مجتمعه وتفوقه.

الفرد الصيني الذي قابلت قليلاً ما يخرج عن موضوعه، وهمه الأكبر أن يقنعني أن بلاده تعمل جدياً لأن تصبح جاذبة للاستثمارات العربية؛ يتحدث عن امتيازات بلده أكثر من حديثه عن نفسه أو شركته!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٨٦) صفحة (٣١) بتاريخ (١٥-٠٩-٢٠١٢)