بدرية البشر
بدرية البشر
كاتبة سعودية مقيمة في دبي

المسلم الدلوع

آراء

ما إن دخل شهر رمضان الكريم حتى تسابقت بعض الدول التي تستضيف المسلمين كأقلية في التعبير عن مظاهر احترامها لهذه المناسبة الإسلامية وتهنئتهم، وفي بريطانيا أطلقت إحدى قنوات التلفزيون الحكومي الأذان، وأعلنت أنها ستلتزم بهذا الطقس طوال شهر رمضان. أما في كندا، فقد خفضت بعض المتاجر أسعارها إلى النصف، وكتبت فوق صناديق الفاكهة والخضروات عبارة «رمضان كريم»، لا شك أن كل مسلم يسعد، لكنه بالتأكيد يفكر كيف استطاعت هذه الثقافات أن تفسح لأقلية تعيش بينهم هامشاً يعبر عنهم من دون قلق؟

شهدت دخول شهر رمضان أكثر من مرة في دول عربية وإسلامية، ولم أسمع مرة أن الدوائر الإسلامية فيها تطلق تحذيراً أو تنبيهاً أو رجاءً يتعلق بأن على الأقلية غير المسلمة أن تراعي الأكثرية، بل على العكس، فالأقلية هي التي تحتاج إلى حماية حقوقها ومظاهر عيشها، لأنها أقلية، بينما حرصت بعض الجهات لدينا على التحذير من المجاهرة بالأكل من غير المسلمين، في السعودية يبلغ عدد غير السعوديين سبعة ملايين وافد، أغلبهم مسلمون، بل إن الأقلية غير المسلمة تتركز في المهن الضعيفة والبسيطة التي لا يُقبل عليها السكان المحليون، كأعمال البناء والنظافة وبعض المهن الشاقة. وعلى رغم هذا، فإننا بدلاً من التعاطف معهم في شهر الرحمة والغفران، نطلب منهم بأن يتعاطفوا معنا، وألا يتمتعوا بحق أكل ساندويتش في وقت الغداء أو المجاهرة بشرب كأس ماء في هذا الحر القائظ، حتى لا يخدش شعور الصائمين المسلمين الذين لا يفارقون المكيفات الباردة في البيت والمكتب والسيارة، والمطاعم ستختار أن توقف خدماتها في النهار، ليس بسبب عدم الإقبال عليها، بل لأن الأكثرية تصوم، ولو وُجدت هذه المطاعم في محل تكثر فيه العمالة، فإنها يجب أن تراعي أيضاً مشاعر المسلم، وتتوقف عن تقديم خدماتها.

هل فكرت وأنت تجلس في منزلك أمام التلفزيون وتحت مكيف الهواء البارد، أو وأنت في سيارتك تشاهد عاملاً يكنس الأرض، أو يخلط الأسمنت، أو يحمله على ظهره، بأنه من الأقلية غير المسلمة الذي عليه أن يراعي مشاعرك؟

حين زرت جامعة كبيرة في أورلاندو في رمضان، أخبرني مدرس فصول تعليم اللغة الإنكليزية، أنهم أوقفوا التدريس في رمضان، بسبب أن معظم الطلاب مسلمون، وسيكون من الصعب حضورهم الدروس وهم صيام، وهذا العام وطالما انتشرت أخبار احتفاء العالم بمناسبة دخول رمضان، سارع مراسلونا من الطلاب الذين يدرسون في الخارج بإرسال صور أماكن خُصّصت للصلاة في بعض المرافق العامة، هل تعرفون أن الحضارة لا يصنعها إلا الأقوياء وأول قيم الحضارة هو حماية الأقليات والضعفاء والمختلفين، وهي لا تخشى قبول الآخر بعبادته وطقوسه، وقد كان هذا واضحاً تمام الوضوح في وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لجيوشه باحترام أماكن العبادة وترك الرهبان الذين يعبدون ربهم في صوامعهم، وفي قول عمرو بن العاص حين دخل مصر، وقال لأقباطها ما جئنا لنقاتلكم في دينكم، بل لنحرركم من حكم يظلمكم، كذلك في الحضارة العربية في إسبانيا، حين تجاور المسجد والكنيسة فلم يهدمها، وأبقى عليها، وحُوّل جزء منها إلى مسجد، ولا تزال هذه الآثار شاهدةً على حضارة العرب فيها حتى الآن.

إذن، ما الذي حدث؟ هل نحن ندلّع المسلمين في السعودية على حساب الضعفاء؟ فنقول للعامل المسيحي: لدينا مسلم يصوم، أغلق فمك حتى لا يراك، فتنهار مقاومته، وهل هذا هو الإيمان والاحتساب والصبر؟ وماذا يفعل أبناؤنا السعوديون الذين يصومون في الخارج، وجميع من حولهم يأكلون؟

المصدر: صحيفة الحياة