فضيلة الجفال
فضيلة الجفال
كاتبة سعودية

النساء والسيارة والإشارة الخضراء

آراء

بعيدا وفي رحلة إلى أفريقيا، كنت أعتقد أنني ورفيقاتي ابتعدنا عن الواقع الممل، الأخبار السياسية المرهقة والأحداث المثيرة والجهد النفسي والصخب الاجتماعي. وفي سيارة السفاري الخضراء المكشوفة، وفيما نحن نطارد الزرافات والنمور فجرا، سألنا بعض السياح الفرنسيين: من أين السيدات؟ قلنا: من السعودية. قال أحدهم بانفعال: هل قدتن السيارة أم ليس بعد؟ لا ليس بعد.. واستمرت الأسئلة تتهاوى علينا من السياح بمختلف الجنسيات، كمطارق على رؤوسنا حتى المساء.

معنى أن تحمل هذا الثقل غير المبرر. أن تواجهه. أن لا تواجهه. أن تتهرب. أن تطالب. ماذا بعد؟ لا شيء سوى أن تقرر الحكومة وأن تعطي إشارتها الخضراء. وهذا ما نعول عليه فعلا. فالمجتمع جاهز تماما. والبنية التحتية ليست معيقة. لا موانع شرعية ولا قانونية ولا اجتماعية. أليس هذا ما ننتظره؟ أثق أن الحكومة تتبين ذلك تماما. نعم، نحن معا ندفع ضرائب مكلفة في هذا الصخب والجدل الدائر، وعلى مستويات عدة.

إن أبعاد قيادة المرأة للسيارة وإن كانت حقا مكتسبا لها، فهي تمتد إلى أبعد من ذلك. أبعد برمزية عميقة في مدلولها، وهي الانفتاح الذي سيرافقه، والمرونة الاجتماعية، وإظهار سماحة الدين مقابل عبء التشدد. التطورات الكبرى قد تحدث من أشياء تبدو بسيطة أحيانا. ولقد تجاوزت مسألة قيادة المرأة في حد ذاتها الدراسات واستعراض المسوغات. قضية كانت شغل الرأي العام الشاغل منذ سنوات، وأخذت من الجدل ما يكفي ويزيد. وهي بطبيعة الحال حق إنساني للمرأة كمواطن، نالت شهادات عليا، ومكانة مهمة، ومناصب قيادية داخل المملكة وخارجها. ومنع قيادة المرأة للسيارة، على أي حال، يتعارض تماما مع كل هذه الإنجازات المهمة التي تقوم بها المملكة في مختلف الأصعدة.

تباينت الأخبار بين تصريحات سيدات أعضاء الشورى ورئيس المجلس، في أن ثمة توصية قبلت مبدئيا، لم يبق إلا أن ينتظر السعوديون تصريحا يبت في الأمر. تماما كما حدث في موضوع عضوية الشورى للنساء، وغيرها من القرارات التاريخية. تلك التي أنهت مشوارا من الجدل، حين أعطت إشاراتها الخضراء وتقبلها المجتمع بكل أطيافه.

المسألة هي البطء النسبي في معالجة التغيير نفسه فيما يخص المرأة، حين تأخذ التغييرات صبغة اجتماعية تقليدية. في حين لا يمكن، على أي حال، أن نتجاهل ما جرى خلال سنوات من تطوير في حق المرأة. وإن كان بعض التطوير جاء متأخرا وبطيئا في نظر الكثيرين، إلا أنها تغييرات جيدة إجمالا وتبعث على التفاؤل. طالما أنها تفضي إلى تطويرات أخرى غير مباشرة في ظاهرها.

الأمر الأهم في قضيتنا هو سرعة التغيير نفسها. فما يفصلنا عن تواريخ التغيير العالمية، هو عشرات السنين. الزمن يتغير ونحتاج أن نواكب المتغيرات بوتيرة تسارع ملائمة.

أثق أن القادم في وطني يبعث على التفاؤل ومن مؤشرات كثيرة. لدينا عقليات نسائية مهمة نعتد بها، ولدينا كفاءات شبابية من الجنسين مميزة جدا. لدينا طاقات بشرية وطاقات اقتصادية. نعم، لدينا كثير مما يستحق أن نفخر به، لا سيما لو تسارعت عجلات التغيير والإصلاح. وحق التنقل، على أي حال، هو واحد من الحقوق المدنية الأصيلة الذي جاهدت المرأة السعودية في الحصول عليه. ولنقل لا بد أن يحدث ذلك قريبا، حتى تتوازن أمور شتى. وحتى تنجح مبادرات شتى أيضا على مستويات اقتصادية واجتماعية وسياسية تدفع بالتنمية، وربما تصحح مساراتها. تلك المسارات التي تسهم فيها المرأة كنصف مجتمع منتج، ونصف آخر داعم ومربٍّ ومساند. الأمر ليس قضية نسائية، إنها قضية مجتمع كامل.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط