بدرية البشر
بدرية البشر
كاتبة سعودية مقيمة في دبي

النصرة الإسلامية

آراء

توفي حفيد فنان كويتي من المذهب الشيعي أثناء تصويره مسـلسـلاً تلفزيونـياً فانقطع عن التصوير، فذهب زميله السعودي يقدم له العزاء في الكويت في مبنى «حسينية» بُنيتْ عام 1905 (أي ما يزيد على 100 عام). نُشرت صـورة الفـنان الـسـعودي في «تـويتر» مربـوطة بـهـاشتـاق طـويل يـشهِّر به ويـصـفه بالـخـيانة، لا بل وما هو أعظم، فبحسب قول أحد المهاجمين: «كيف يقتل نظام طائفي أطفال القصير، بينما أنت تقدم العزاء في أبناء هذه الطائفة الذين منهم القتلة؟!». يمكن القول بأن أصحاب هذا النهج الغوغائي قد لا يمثلون نسبة كبيرة، لكن نسبة غير هينة، كشفت عن روح عنصرية بغيضة تضع آلامها فوق آلام الجميع، وتحركها شهوة الانتقام العمياء من دون رحمة أو تسامح ومن دون عدل أيضاً، فهي ترى أن المسؤول عن هذه الآلام كل من ينتسب إلى مذهب الطاغية، وهكذا نُسبت جرائم وأفعال إلى أناس لا علاقة لهم بما يجري على أرض القتال في سورية، لمجرد أنهم يشتركون معهم في المذهب، ولتذهب وحدتنا وأمننا الوطني والخليجي، وينقسم المجتمع إلى جماعات، من هم جماعتنا ومنا وفينا حتى لو كانوا وراء البحار، وجماعة ليست منا حتى ولو قاسمونا الأرض والمعاش والمصالح.

ظننت في البدء أنهم خفافيش ظلام في «تويتر»، مقنّعون يحلو لهم اللهو بالهجوم والسباب والتكفير والتنفير، لأنهم يعرفون أنهم بـعيـدون عن المـلاحـقة والمـسـاءلة، لكني عرفت أن المسألة أوسع وأخطر من ذلك، حين نـشـر أسـتاذ جامعـي يـدرِّس فـي كبرى جامعات بلادنا باسمه الصريح «أن علينا أن نذكر أطفالنا بأن الشيعة والنصيريين الكفار هم من فعل هذا بأهلنا في القصير، وسأبصق في وجه كل من يعظني بالتسامح»، فما كان من أحد أبناء أحد المذاهب السعوديين إلا أن ذكره بمرجعيات إنسانية وحضارية وقومية وديـنـية تجـمع الناس، ووصف موقفه بالرجعية والبدائية فرد عليه الأستاذ الجامعي «مرحـباً بالرجـعية والبـدائيـة التي سـتطـهِّر بـلادنا من ‍دنسكم».

آمل ألا يحاول أحد خلط هذا التعصب بمسألة إيران والجماعات السياسية التي تخرب، سواء في بلادنا أو في الخليج العربي بدعاوى مذهبية. أنا أتحدث هنا عن الانتماء الوطني الذي لا يفرق على أساس مذهبي، بل يجمع على أساس الإسلام ديناً وغير المسلم معاهداً، الذي دفع في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز ليعترف المؤتمر الإسلامي بثمانية مذاهب إسلامية، كما حرص برنامج الإصلاح السياسي في عهده على أن يدمج هذا التعدد المذهبي في هيئة كبار العلماء وفي التمثيل الديبلوماسي الخارجي وفي عضوية مجلس الشورى، فمن أين تتسرب هذه النعرة المذهبية التي ميزت نفسها، وانحازت وتعصبت، وقسمت الناس إلى جماعات لا مجتمع؟! فمن هو منا وفينا ننصره ولو كان ظالماً، ونستبد بالآخر ولا نتعاطف معه ولا مع شكواه إذا وقع عليه الظلم ونشكك فيه حتى وهو بريء، أما من خالفنا – وهو من جماعتنا ولم يتشدد ويتعصب – فإنه خائن وكافر مثلهم أو علماني تغريبي.

هويتنا الوطنية هي هوية متعددة، لكن متحدة، واسعة لا ضيقة، يتقدم فيها الانتماء إلى الأرض والدولة التي وجدت فيها معاشك ورزقك ومستقبل أبنائك، وإن كان هذا لا يمنعنا من تقديم المساعدة لإخوتنا الذين تجمعنا معهم الإنسانية أو الدين أو القومية، لكن ليس إلى درجة أن تضحي بانتمائك الوطني، فهذا نـوع من المسـاعدات لم نسـمع بها قط إلا في وصف الـخيانة الوطـنـيـة، لكـنها الـيوم تـحدث للأسـف باسـم «النـصـرة الإسلامية».

المصدر: صحيفة الحياة