بدرية البشر
بدرية البشر
كاتبة سعودية مقيمة في دبي

ركاب الدرجة الاقتصادية

آراء

عادة ما يلفت نظري الفارق الرهيب بين خدمات المضيفات حين أركب الطائرة في الدرجة الأولى أو درجة رجال الأعمال، وبينهن في الدرجة الاقتصادية. أقول في نفسي كيف يتغيّرن حالما يفتحن الستارة الفاصلة بين الدرجتين؟ لكن المرء الذي يخدم سبعة أشخاص لا يكون نفسه حين تكلِّفه بخدمة 200 شخص. الأخلاق تتغير، وأحياناً يصبح وحشاً صغيراً. الأسبوع الماضي قرر دعاة الحفلة الذين كرموني في الرياض أن يحجزوا لي على درجة رجال الأعمال في الذهاب، وما إن انتهوا مني حتى أعادوني على الدرجة الاقتصادية، لهذا وجدت نفسي أبدأ بجمع الفروقات السبعة بين الدرجتين، وأولها أ‍ن نسبة احتمال أن تجاورك عائلة معها طفل رضيع يبكي في أذنك طوال الرحلة في درجة رجال الأعمال لا تزيد على 1 في المئة، أما احتمال وجود عشرات الرضع بجانبك في الدرجة الاقتصادية فهو 170 في المئة، وهؤلاء الأطفال يبكون طوال الرحلة لأن الضغط يزعج آذانهم، بينما أمهم بعد خمس دقائق من الصياح تتعود، فيظل المسافرون يفكرون ألف مرة في طريقة لإخراس هذا الطفل. المضيفة التي كانت في الدرجة الأولى ما عادت هي نفسها في الدرجة الاقتصادية، فهي في الأولى تدلعك وتعزمك على وجبة الطعام، وحين تجدك ترفض كل عرض لدعوتها فلا تشرب شاياً ولا قهوة ولا تأكل طعاماً، فإنها تشهق بخيبة: «معقولة مش حتاكل حاجة»؟

وفي وجبة رجال الأعمال يخيرونك بين ثلاثة أطباق من سمك أو لحم أو دجاج، والتحلية تكون إما طبق تراميسو أو كيكة بالكراميل، بينما يقدمون لك في الدرجة الاقتصادية صينية طعام من دون أن يسألك أحد ماذا تريد أن تأكل، أما التحلية فهي إصبع حلوى «مارس»، ولو فكرت في طلب كأس ماء قبل أن يأتي الطعام لأخذ حبة «بنادول» بسبب هدير الطائرة، فستنظر إليك المضيفة نظرة وكأنها تقول: «أنت ووجهك»!

وفيما كانت الابتسامة رفيقة المضيفة في الدرجة الأولى حتى تكاد تظن أنها تتدرب على دعاية لمعجون الأسنان، فإنها في الاقتصادية عرض دائم لثبات صبغ الشفاه الأحمر الذي لن ينفرج أبداً عن ابتسامة. وإذا كان حجم السماعات في الدرجة الأولى يكاد أن يكون من جودته «طاقية» تصمّ أذنيك عن كل صوت، فإنها في الدرجة الاقتصادية بحجم إصبعين، بهما حبتا قطن تدسهما في أذنيك، تسمع من خلالها الفيلم، ومعه حديث كل الركاب. لكن من حسن الحظ أنه يمكن أن تأخذها معك إلى البيت إذا كان لديك مقعد طائرة فيه، لأنهم لا يعودون لأخذها منك، وفي الدرجة الأولى لا تسمع إلا إعلان المضيف عن المبيعات من عطور وهدايا وماكياج، أما في الاقتصادية فلا تسمع إلا «اربطوا الحزام» فيما الطائرة تهتز، وعند عرض المبيعات يمرون سريعاً، فهم – بحسب الخبرة – يعرفون أنك لا تشتري.

وفي مقعد الدرجة الاقتصادية تضيق المسافة طبعاً فتدخل ركبتيك في بطنك، وستسمع صوت الراكب خلفك يطلب منك أن تعدل مقعدك حتى يتمكن من الذهاب إلى دورة المياه، ومهما تقدمت بمقعدك فإن هذا لن ينقذك من صوته، فتستمع لمكالمته قبل الإقلاع وهو يحجز لنفسه فندقاً في آخر لحظة، ويودع أطفاله بأسمائهم واحداً واحداً «عطني خالد.. عطني فيصل.. عطني داليا.. عطني ريما..». استغربت أن أسماء أبنائه جديدة، فيما هو ظلّ قديماً، يحجز ويودع في اللحظة الأخيرة!

من حسنات الدرجة الاقتصادية أن تلفزيونها مثبت في ظهر المقعد الذي أمامك، فلا تضطر أن تفتش عنه كما هو في الدرجة الأولى مخبأ في جيب، لكن عليك أن تنتبه كلما تحرَّك الراكب الذي أمامك أو ضحك، فشاشتك ستهتز، وعليك أن تبعد وجهك حتى لا يرتطم به، ويجب ألا تحزن لو وقعت الطائرة، فإن الجميع سيقع بمن فيهم مضيفات الدرجة الأولى.

حين أعلنت الخطوط السعودية أنها رفعت أسعارها فكّرت لماذا لا يرفعونها فقط على ركاب الدرجة الأولى، ويتركون الدرجة الاقتصادية طالما هذه حالهم، ويقلّلون من المضيفات، أو يحولونها إلى خدمة ذاتية، فيحضر كل قهوته معه من المنزل، فلن تفرق معهم كثيراً!

المصدر: الحياة