سباق النفوذ والسياسة يشتعل على طريق تحرير الموصل

أخبار

تعتبر مدينة الموصل أحد مركزي الثقل بالنسبة لتنظيم «داعش» في كل من سوريا والعراق، ومنها أعلن البغدادي ولادة ما يسمى بـ«دولة الخلافة»، كما أنها تحتل موقعاً استراتيجياً فريداً.. فهي حلقة الوصل بين تركيا وسوريا والعراق، كما أنها تقع على طريق «الحرير الجديد» الذي تسعى إيران لإنشائه منذ عقود ليصل إيران بالبحر المتوسط.

لذا تسعى جميع الأطراف المتأثرة بنتائج معركة الموصل للاشتراك بها لتأمين مصالحها، حيث نجد تركيا تسعى لاستعادة نفوذها «العثماني» الذي كانت الموصل إحدى حواضره المزدهرة، وفي الوقت نفسه، تقطع الطريق على توسعة «أكراد العراق» لمناطق سيطرتهم، الذين يسعون بدورهم لتوسعة حدود الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي واسع النطاق، إلى جانب ترجيح ميزان القوى الطائفي المختل في العراق، نسبة لوجود ميليشيا «الحشد الشعبي» ومن خلفها إيران المدفوعين بثارات قادمة من أعماق التاريخ السحيقة ضد أهل المدينة.

ومن فوق هؤلاء جميعاً تحلق طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أو بالأحرى الرئيس باراك أوباما، الساعي لاختتام فترته الرئاسية، بنصر كبير يذكره له التاريخ، في الوقت الذي يعتبر فيه القنابل التي تسقط على رؤوس الدواعش في الموصل، ما هي إلا «أصوات انتخابية» تصب في صناديق مرشحة حزبه هيلاري كلينتون، التي ترنو إلى تنظيف ثوبها الانتخابي الملطخ بصور صعود رايات التنظيم السوداء، التي تعيق حلمها بالعودة إلى البيت الأبيض.

معركة كرامة

تعتبر القوات النظامية العراقية المتمثلة في الجيش العراقي «الفرقة 15 والفرقة 16 واللواء الرابع من الفرقة الثامنة» إلى جانب النخبة العراقية التي تمثل قوات جهاز مكافحة الإرهاب، هي القوة الرئيسية – على الأقل رسمياً – التي يعتمد عليها في دخول قلب مدينة الموصل دون القوات الأخرى المشاركة في المعركة بعد أن جرى اتفاق على «لا البشمركة ولا قوات الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران ستدخل الموصل، وترك هذا الهجوم في المقام الأول إلى الجيش العراقي». وذلك نسبة للفظائع التي حدثت في السابق من قبل ميليشيا الحشد الشعبي عند دخولها إلى مدينتي الرمادي وتكريت، وتعتبر قوات النخبة الأكثر قدرة في العراق حالياً، ولعبت دوراً رئيسياً في حسم أغلب المعارك ضد الإرهابيين وهي التي كانت القوى الوحيدة تقريباً التي تحظى بتدريب وتأهيل متواصل من الخبراء العسكريين الأمريكيين في إطار الاستعداد لمعركة الموصل الفاصلة، لكن الاعتماد المتواصل على هذه القوات خلال العامين الماضيين يتطلب منها مجهوداً كبيراً. وهي تشكل الركيزة الأساسية للقوات المشاركة في العملية من القوات العراقية بالإضافة إلى فرقة «الرد السريع»، التي أعلن قائدها اللواء ثامر الحسيني أن قواته ستشارك بثلاثة ألوية قتالية. بالإضافة لقوات عمليات نينوى التي تتكون من الفرقة السابعة ، وهناك أعداد وقوات من الشرطة الاتحادية والمحلية، والتي لعبت جميعها دوراً مسانداً لقوات الجيش خلال المعارك ضد الإرهابيين في السابق وبإسناد من سلاح الجو العراقي.

المهمة الرئيسية للجيش العراقي والشرطة هي دخول المدينة دون القوات الأخرى ولكن هناك مهام خاصة تندرج في هذا الإطار بأن تتولى قوات الجيش وقوات جهاز مكافحة الإرهاب تطويق المدينة والتقدم نحو قلبها من محور جنوبي عبر بلدة «القيارة» عبر تحرير عشرات الكيلومترات من الأراضي الخاضعة لتنظيم «داعش»، وقد تم تجهيز القوات العراقية هذه ب«بنادق القناصة والرشاشات الثقيلة، وأدوات نزع الألغام، كما ترافقها ناقلات الجند المدرعة والدبابات وأنواع مختلفة من المدفعية، ترافقها من الجو مروحيات هجومية»..

وتعتبر معركة تحرير الموصل بالنسبة للقوات النظامية العراقية معركة كرامة في المقام الأول، حيث ما زالت ذاكرة المواطن العراقي تحتشد بصور انهيار الجيش في ساعات قلائل بعد دخول تنظيم «داعش» المدينة عام 2014، بسهولة ويسر غير معهودين مما شكك في قدرات هذا الجيش الذي انفق في تدريبه ملايين الدولارات، لذا نجده الآن يبحث بشكل قوي عن استعادة موقعه لدى العراقيين كرمز لسيادة البلاد في ظل تعاظم دور الميليشيات الطائفية.

رمانة الميزان

تعد قوات «البشمركة» الكردية هي القوى النظامية الثانية التي تشارك في المعركة وهي قوة تابعة لإقليم كردستان الشمالي الذي يتمتع باستقلال ذاتي، ويفترض أنها ستنسق وتتبع قوات الحكومة المركزية، لكنها تنفذ عملياتها بشكل مستقل، وتخوض معارك ضد الإرهابيين على امتداد خط مواجهات يمتد لمسافات طويلة في شمال العراق، والتي أوكل لها حصة الأسد في تطويق مدينة الموصل حيث تشارك بثلاثة ألوية بالإضافة إلى وحدة مدفعية وفرق هندسة، حيث أولي لها وحدها المحوران الشماليان، للتقدم نحو المدينة عبر تلعفر وسهل نينوى، كما أبدى حزب العمال الكردستاني جاهزيته للمعركة، لكن تركيا التي تصنف الحزب جماعة إرهابية رفضت مشاركته بشكل حاسم.

وحظيت قوات البشمركة باهتمام وتدريب دولي كبير، حيث نجد أن 170 جنديا من القوات الخاصة الكندية ترافقهم في الخطوط الأمامية إلى جانب 450 من القوات الخاصة البريطانية، جميعهم يقدمون النصح للقوات الكردية، بعد أن شاركوا في تأهيلها طوال العامين الماضيين لهذه المهمة، وهي إلى جانب أنها تمثل تطميناً لسكان مدينة الموصل ذات الغالبية «السنية» في ظل المخاوف التي تعتري الجميع من حدوث فوضى طائفية من الميليشيات الأخرى المشاركة في المعركة، إلا أننا نجد أن تركيا وضعت «فيتو» على دخول القوات الكردية إلى قلب المدينة، خاصة ان أنقرة لا تخفي خشيتها من توسع نفوذ الأكراد، ولا تخفي رغبتها في الوقت نفسه من تمديد نفوذها داخل العراق عبر «الموصل»، وهو ما قاد لموافقة الحلفاء الدوليين ومن خلفهم الحكومة العراقية إلى الموافقة على عدم دخول البشمركة إلى قلب المدينة.

ثارات التاريخ

المكون الثالث والرئيسي في عملية تحرير المدينة يتمثل في ميليشيا «الحشد الشعبي» والتي تعتبر نظرياً جزءاً من المؤسستين الأمنية والعسكرية العراقية بموجب أوامر صادرة عن رئيس الوزراء العراقي، وتشارك ضمن تلك القوات العديد من الفصائل الشيعية من أهمها فيلق «بدر وعصائب أهل الحق والنجباء.. إلخ». والتي قدر المتحدث باسم الجيش الأمريكي عددها بنحو مئة ألف مقاتل، ينتشرون في كافة أراضي العراق، بينما تشير الوقائع على الأرض أن العدد الفعلي يقدر ما بين 30 إلى 40 ألفاً، ويشرف «فيلق القدس» الإيراني على تدريبها وتسليحها، وقد التقطت صور لقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني يشارك إلى جانبها في عديد من المعارك ضد الجهاديين في العراق، وهي التي أوكل لها المحور الرابع غربي مدينة الموصل، إلى جانب منع تسلل عناصر «داعش» إلى سوريا.

وبالرغم من ان هذه الميليشيات لعبت دوراً كبيراً في وقف تقدم «الإرهابيين، واستعادة السيطرة على مناطق واسعة من أيديهم، لكنها تعرضت على الدوام إلى اتهامات بالتعرض للمدنيين وممتلكاتهم، خاصة في تحرير«الرمادي وتكريت»، حيث رصدت المنظمات الدولية قيامها بارتكاب فظائع دامية بين المدنيين المسلمين السنّة في تلك المدن، وهو ما حدا بالحكومة التركية وقبلها الحكومات العربية والخليجية، تسجيل اعتراض كبير على مشاركتها، وأنهم لن يسمحوا لها أن تفعل الشيء نفسه في الموصل، في ظل ترديد قادة هذه الميليشيات القول إن تحرير الموصل هو استكمال لمعارك القرن السابع «مقتل الحسين» وهو ما يشير إلى خطر حرب أوسع بين السنّة والشيعة، وقد استجاب العراق واعداً بأن هذه الميليشيات ستشارك في العملية، ولكن لن يسمح لهم بدخول الموصل نفسها.

أصحاب الحق

الضلع الرابع المكمل لعملية تطويق المدينة، وعلى الرغم من أن مشاركته تعد الأقل مقارنة بالقوى الأخرى إلا أنه طرف رئيسي وصاحب مصلحة حقيقية، لأنه يمثل أهالي مدينة الموصل نفسها، من قوات «الحشد الوطني» بزعامة محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، ويتألف هذا الحشد من مقاتلين من عشائر سنية، والذين تقدر أعدادهم الأولية بأربعة آلاف مقاتل يضاف لها «الحشد العشائري» والذين جرى تدريبهم في قاعدة «بعشيقة» في شمالي العراق من قبل القوات التركية، التي يقدر عددهم ب 2000 جندي في العراق منهم نحو 500 عملوا في التدريب ويرافقون قوات الحشد الوطني في تقدمهم نحو الموصل عبر محور«خوش باب»، وكانت تركيا دخلت في أزمة مع بغداد بسبب وجود قواتها في معسكر بعشيقة، ومرافقتها للحشد العشائري، عبر قوة خاصة من «المدفعية» طويلة المدى تشارك في عملية قصف المدينة، كما تتمركز قوات برية تركية في إقليم كردستان الشمالي على الرغم من رفض الحكومة العراقية ذلك ومطالبتها بمغادرتها، معتبرة إياها «قوة احتلال» بينما تقول تركيا التي تربطها بالموصل صلات ثقافية وتاريخية قديمة، على لسان الرئيس أردوغان ، الذي شدد على أن لتركيا مسؤولية تاريخية للتواجد في العراق لأن مدينة الموصل كانت في السابق جزءاً من السلطنة العثمانية. بعد أن أوضح أن بلاده تمتلك حدوداً مع العراق بطول 350 كيلومتراً مشيراً إلى التهديدات التي تتعرض لها تركيا من تلك الحدود التي تشكل خطرا على أمنها واستقرارها.

استعادة أمجاد «السلطنة»

نجد أن التدخل التركي القوي وفرض إرادتها بالمشاركة في عملية تحرير المدينة لديه بعدان، الأول يتمثل في تحقيق توازن القوى بين المكونات الطائفية في العراق في ظل مشاركة إيران إلى جانب «الحشد الشعبي» حيث عبرت «أنقرة» على الدوام عن قلقها إزاء احتمال مشاركة مجموعات كردية قريبة من حزب العمال الكردستاني ومناهضة لتركيا حيث حذر أردوغان في خطاب نقله التلفزيون الاثنين من أن تركيا «ستتصدى لأي مشروع نزاع طائفي يتمحور حول الموصل». وأضاف «لا نريد أن ندع أحداً يهاجم أشقاءنا العرب السنّة ولا أشقاءنا التركمان». بعد أن دعا إلى تنفيذ عملية تحرير الموصل بالاعتماد على أهالي وسكان المدينة لافتاً إلى أن «العشائر العربية والتركمانية في العراق أعربت عن امتنانها للجهود التي تبذلها تركيا لحمايتها».

والبعد الثاني للاهتمام التركي نجد انه يتمثل في رغبة إسطنبول في توسيع دائرة نفوذها في العراق، باعتبار أنها الأولى من الدول الأخرى التي لا تربطها علاقات إثنية وتاريخية وسياسية بالعراق، وهو ما يظهر في انتقاده لرفض بعض الأطراف الدولية وجود القوات التركية في معسكر (بعشيقة) قرب الموصل ومشاركتها في عملية تحرير المدينة قائلاً إن «بعض الدول تأتي إلى الموصل وتتدخل في شؤونها بحجة أن الحكومة العراقية هي من طلبت تدخلهم»، وغمز من قناة الأمريكيين والإيرانيين عندما ألمح إلى دخولهم العراق دون «إذن أو شرعية» من الرئيس العراقي السابق صدام حسين وما جره ذلك من ويلات على المنطقة، وحذر من أنه «من غير الوارد» أن تبقى تركيا خارج عملية استعادة الموصل وقال «سنكون على الأرض وسنكون في طاولة المفاوضات».

الطرف المهيمن

تعد قوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، هي رأس الرمح في عملية تحرير المدينة، والمهيمن الأول على كل تفاصيلها، حيث أشرفت على عمليات الإعداد والتدريب وتقديم الاستشارات العسكرية كما تقدم الإسناد الجوي والمدفعي للقوات المشاركة، وتسليح وتأمين المعدات للقوات التي تقاتل «داعش» على الأرض، ويقدم التحالف الدولي بصورة رئيسية الدعم الجوي للعمليات على الأرض، حيث تنفذ الولايات المتحدة وحدها 80 في المئة من الضربات الجوية، انطلاقاً من قواعد خارج العراق، أبرزها «انجرليك» في تركيا، كما تشارك طائرات أخرى من حاملة طائرات تمثل قاعدة ثابتة، في توجيه ضربات ضد «الدواعش»، كما شاركت قوات خاصة في القتال على الأرض ضدهم، حيث نفذت قوات التحالف المتواجدة قرب الموصل ضربات مدفعية مساندة لتقدم القوات العراقية على الأرض، وكانت واشنطن أعلنت أنها سترسل 615 عسكرياً إضافاً إلى العراق، ما يرفع عدد قواتها إلى أكثر من 5 آلاف عسكري، في وقت يتواجد فيه آلاف العسكريين الغربيين، في الخطوط الخلفية للمعركة، من دول مثل بريطانيا التي لديها نحو 500 من القوات الخاصة في قواعد عسكرية في الخلف إلى جانب عدد محدود من فرنسا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وإيطاليا، حيث يقدم أغلب هؤلاء التدريب والمشورة بشكل رئيسي.

البحث عن نصر

على الرغم من أن الرئيس باراك أوباما، حذر من أن معركة تخليص المدينة من «الدواعش» لن تتم بين ليلة وضحاها، إلا أنه لا يخفي رغبته في الحصول على نصر سريع وكبير، يختم به فترته الرئاسية ويساعد به خليفته المنتظرة هيلاري كلينتون التي تخوض سباقا شرسا للوصول إلى البيت الأبيض، حيث يمثل صعود «داعش» أثناء وجودها في الخارجية، نقطة سوداء في ثوبها الانتخابي، ولكن مع هذا يعتبر أوباما إن عملية الموصل ستكون معلماً أساسياً من معالم التزامه بهزيمة التنظيم الإرهابي.

غير أن بعض المسؤولين بوزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات يخشون أن تتحول عواقب المعركة إذا كانت فوضوية إلى كابوس سياسي يحاول فيه السنّة والأكراد والشيعة السيطرة على ما حرروه من قطاعات المدينة، حيث إن الجميع اهدافهم مختلفة ويريدون تعظيم نفوذهم، وعلى الرغم من أن أياً من هذه الأهداف المتضاربة لم تثر في اليوم الأول من العملية العسكرية، لكن ما زال من الممكن أن هذا الوضع سوف يسبب مشاكل كبيرة على الطريق نحو الموصل، وقال مسؤول بالإدارة الأمريكية «إبعاد التركيز العراقي عن المعركة العسكرية من أجل تسوية كل المعارك السياسية القديمة لن يحقق سوى فقدان الزخم ضد التنظيم».

بينما قال بريت مكجورك مبعوث الرئيس الأمريكي باراك أوباما في التحالف المناهض ل «داعش» «إذا حاولنا حل كل شيء قبل الموصل فلن تخرج «داعش» من الموصل أبداً. وهذه في الواقع حرب تقوم على الزخم».

المصدر: الخليج