بدرية البشر
بدرية البشر
كاتبة سعودية مقيمة في دبي

طبقة الفقراء الجدد

آراء

ما إن انفلتت «تغريدة» سعودية في فضاء «تويتر» تشتكي الحال بشعار اسمه «الراتب وحده لم يعد يكفي»، حتى تجاوبت معها آلاف التغريدات والمتابعات. الشكوى المستمرة من مواطنين ومواطنات بأن رواتبهم لا تكفي هي شكوى يختلط فيها سوء التقدير مع تضخم اقتصادي مفرط. تختلط فيه شكوى سيدة بأنها لم تستطع أن تدفع راتب عاملة منزلية، وشكوى رجل من أقساط سيارة جديدة بجانب رواتب تقل عن ٥٠٠ دولار. ومن يسمعنا نخلط بين شكوى الفقر وسوء التقدير يعجب، هل نحن مجتمع خليجي مرفّه؟ أم أننا نعيش بنية مختلة تجعل العاملة المنزلية ضرورة والسيارة ضرورة وكذلك الوجبات الدسمة وسكنى الفلل ضرورة؟ أم أننا نحاكي الآخرين فقط؟ صحيح أن لنا شكاوى اقتصادية لا شبيه لها، مثل شكوى عدم تمكننا من دفع راتب سائق، لأن النساء لا يستطعن الذهاب إلى أعمالهن ومدارسهن من دون سائق، لأنهن لا يجدن نقلاً عاماً، ولا يستطعن إيصال أنفسهن بقيادة سيارة أو الركوب مع نساء أخريات، لكن هذا النوع من الشكاوى المعقدة لا يعني أن التضخم اقتصادي لن يهدد بتوسّع الفقر ودخول شرائح جديدة في عداد الفقراء. فالوزارات والمؤسسات الحكومية لا تزال في حاجة إلى عاملين، لكنها صارت تتعاون مع شركات من خارج المؤسسة في توظيفهم من أجل خفض الكلفة، فتقوم هذه الشركات بتأمين موظفين سعوديين برواتب متدنية من دون بدلات ولا ضمانات، ومن دون إجازات مدفوعة، ومن دون تأمين صحي أو تقاعدي. وبدلاً من أن يعمل هؤلاء في الوزارة أو المؤسسات بشكل مباشر فإنها تتخلص منهم بطريقة غير مباشرة، بطريقة هي أقرب للسخرة، فتشتري جهدهم بأقل الأسعار من دون ضمانات مهنية.

وفي مقابل شهوة الاستهلاك المنفجرة في جنبات المجتمعات الخليجية، ليس هذا مجال الحديث عنها، والارتفاع المتزايد في الأسعار، فإن هناك انزلاقاً حقيقياً لطبقة جديدة نحو الفقر، هذه الطبقات الجديدة هي من طبقة خريجي الجامعات الجدد، الذين يعانون من عدم وجود وظائف تتناسب ومهاراتهم المحدودة، زد عليها ضحايا جيل تعليم جامعات خدمة المجتمع ودبلومات تجارية وعدتهم بشهادة جامعية بأقساط مخفضة، لكنها لا تؤهلهم إلا إلى بطالة مؤجلة. بحيث أصبحنا أمام طبقة من الجامعيين قد يطلق عليها مستقبلاً طبقة الفقراء الجدد، فهم بدخل محدود جداً، وفي مواجهة تقاليد جامدة من عيشهم في أسر كبيرة تطمح إلى عدد كبير من الأطفال، وفي مواجهة اقتصادية شرسة من غلاء العقارات والسلع والسيارات، وغياب التأمين الصحي والحكومي، وتردي التعليم الحكومي، بحيث صار من البديهيات ألا يفكر رجل محدود الدخل بأن يرسل ابنه أو ابنته إلى مدرسة حكومية ليس لأنه يريد تعليماً أفضل، بل بحثاً عن مدرسة لا ينقطع مكيفها في الصيف عن التبريد، وكي يجد ابنه براد ماء في أروقتها، لهذا تنمو لدينا مدارس خاصة ليس لديها سوى هذه الخدمات مكيف وبراد ماء.

تمتلك الحكومة كثيراً من الحلول، قروض الإسكان أولها، وتأمين وسائل النقل العام، لكن ضبط الأسعار هو طرفها الآخر الأكثر إلحاحاً، ولن يكون هذا بتوجيه دعوة إلى التجار لمخافة الله وتركهم للنوايا الحسنة، هناك حلول تجارية سبقتنا إليها كل المجتمعات الخليجية اسمها التعاونيات التجارية، وهي متاجر تقوم على مساهمة الناس فيها كي يكونوا هم حراس معاشهم اليومي على الأقل، التعاونيات هي التي ستوفر سلعاً منضبطة الأسعار، وبقدر ما ستنتشر هذه التعاونيات سيتوقف التجار عن التنافس في رفع الأسعار ويتجهون إلى التنافس في خفضها. بيننا خبراء اقتصاديون مخلصون قادرون على رسم الخطط، وبيننا تجار يريدون أن يسهموا بدور وطني يرفع من ذكرهم بالخير بين الناس، لكن هؤلاء لا يجدون لعملهم سبيلاً، بينما ينفتح الطريق أمام من يحسب خسارته بالهللة، ولا يتردد في أن يكلف الناس مقابلها ألف هللة.

المصدر: صحيفة الحياة