مشروع محمد بن راشد للتعليم الإلكتروني العربي

آراء

سيظل التعليم هو حجر الأساس والقاعدة التي تنطلق من خلالها وتبنى على قاعدتها كافة عمليات التحضر الإنساني، وهو الضمانة الحقيقية للإدارة الرشيدة للثروات والمقدرات، وهو الثروة الحقيقية التي لا تنضب، والاستثمار الأمثل للشعوب، والتخطيط الحصيف للمستقبل، والقيمة الكبرى للفرد والدولة، وهو البوابة التي تفتح آفاقاً لا حدود لها للانطلاق نحو المستقبل.

ولكن من ناحية أخرى السؤال الذي يجب أن نطرحه دائماً ماذا نتعلم؟ وكيف نتعلم؟ ولماذا نتعلم؟ وأين نحن من الآخرين؟ هذه الأسئلة يجب أن نطرحها على أنفسنا بشجاعة، هذا إن أردنا تعليماً حقيقياً، وأن يكون أولادنا ليسوا حملة شهادات تعليمية ولكن متعلمين بحق لديهم علم قادرين على أن يحولوه إلى عمل.

من هنا كان مشروع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للتعليم الإلكتروني العربي صيحة لإيقاظ الوعي العربي الذي لا مناص له للعودة إلى الجادة واعتلاء القمم إلا بالتعليم، وإن مسارات المستقبل تتأسس على ما نقوم به الآن، من هنا كانت المبادرة الكبيرة.

والتي بالفعل تسمى «تحدي الترجمة» كأكبر تحدٍّ من نوعه في العالم العربي يسعى إلى ترجمة 5000 فيديو بواقع أكثر من 11 مليون كلمة خلال عام واحد في مختلف مواد العلوم والرياضيات، بحيث يتم تعريب هذا المحتوى وإعادة إنتاجه وفق أرقى المعايير المعتمدة في المناهج الدراسية الدولية، ويكون متوفراً مجاناً لأكثر من 50 مليون طالب عربي.

ولا شك أن هذا التحدي وهو الترجمة يحمل كثيراً من الدلالات التي لا تخفى على كل متابع لتاريخ الحضارات الإنسانية، والتي قامت في أكثرها على التلاقح الفكري والقدرة على الانفتاح على الغير، ولقد كانت الترجمة لفترات طويلة أحد أهم مصادر التنوير العلمي.

كما أن البعثات التعليمية بين دول العالم عبر عصور الصعود والهبوط لمختلف الحضارات كانت هي الناقل الحصري لمختلف الثقافات والعلوم في أزمنة عزت وندرت فيها أشكال الاتصال، ومثلت تلك البعثات منابر للتنوير، وأحياناً أدوات للصدمة عندما تدرك الشعوب الفارق الكبير بينها وبين غيرها في الثقافة والعلوم، فتشمّر السواعد وتشحذ العقول وتشتد وتعلو الهمم.

ولأن الأوعية الثقافية تختلف من عصر إلى عصر، ولأننا نعيش عصر الصورة، وهي الأداة التي يتعامل معها جل أبنائنا، فإن الصورة باتت أساساً في كل ما يجب أن نقدمه، وكما يقول الحكيم الصيني «الصورة تغني عن ألف كلمة»، كانت أهمية ترجمة 5000 فيديو تمثل تظاهرة تعليمية كبرى ونقلة حضارية لتقديم المحتوى التعليمي، وقد أثبتت الدراسات أن حوالي 90% من خبراتنا في الحياة يتم اكتسابها عن طريق حاسة البصر.

وفي تقديري أن هذا النمط من التعليم الإلكتروني سوف يمثل فرصة سانحة للاطلاع والبحث في مختلف الطرق والمناهج التعليمية، وبخاصة أنها سوف تتم عبر جهد موسوعي يتم من خلال الاطلاع والبحث ثم الانتقاء بما يناسب ويحتاج إليه أبناؤنا، كما أنه يرسخ لطرق تعليمية متطورة تتطلب رفع كفاءات الأساتذة والطلاب في وقت معاً بحيث تمثل مرحلة نهضة تعليمية لها ما بعدها.

ولأن المسافات الزمنية بين الدول قد تختلف رغم أن المسافات الجغرافية بينهما ثابتة، كان لا بد من اختيار الطريق الأسرع لتعويض ما فاتنا وما قد يفوتنا إن بقينا على نفس المنوال والنهج، من هنا كان تأكيد سموه على أن «التعليم الإلكتروني سيكون الطريق الأسرع لردم الفجوة التعليمية في وطننا العربي».

ولأن الإمارات ما كانت يوماً بعيدة عن محيطها العربي لكنها منذ التأسيس في القلب منه كان إطلاق هذا المشروع العروبي من خلال طرح تحدّ أمام جميع العرب، وهو المساهمة مع الإمارات في ترجمة 5000 فيديو بواقع أكثر من 11 مليون كلمة خلال عام واحد.. ودعا سموه جميع المهتمين بالتعليم في الوطن العربي إلى مشاركتنا هذا المشروع الحضاري الدائم.

إن المشروع خطوة أولى لإصلاح منظومة التعليم العربي، التي يجب أن نعترف بأنها باتت غير مرضية لطموحاتنا، وغير قادرة على أن تتعامل مع واقع باتت مفرداته شديدة التعقيد والصعوبة، ويتطلب نوعية ومهارات خاصة من المتعلمين، وبخاصة أن المؤشرات المتعلقة بالأمية والابتكار والاختراع وجودة التعليم والإنتاج الفكري في غير صالحنا كأمة عربية.

ولا شك أن البدايات المنطقية تؤدي إلى نتائج غاية في النجاح، لذا فعندما تكون البدايات في العلوم بهذا المنهج الحضاري فإن نتائجها لن تتوقف عند طلبة ما قبل التعليم الجامعي، ولكن آثارها ستمتد إلى مرحلة التعليم الجامعي، وستكون طوق النجاة للتخلص من الكثير من المعضلات التي نعاني منها في مرحلة الجامعة، والتي بدأت في مراحل مبكرة من التعليم.

إن هذا المشروع التربوي النوعي يمثل نقطة كاشفة في مسيرتنا التعليمية، وأقول كما قال سموه، علينا أن نضيء شمعة وبتكاتف الجهود واستمرارها ستتحول إلى أضواء مبهرة تضيء العقول وترقّي النفوس.

المصدر: البيان