عبدالله الشويخ
عبدالله الشويخ
كاتب إماراتي

«ظل الريح..!»

الخميس ١٠ أغسطس ٢٠١٧

إذا افتتحت بعد تقاعدي مكتبة شعبية في مدينتي العاشقة للقراءة فسأسمّيها حتماً «ظل الريح»، أو ربما «مقبرة الكتب المنسية» على اسم تلك المكتبة السحرية التي تدور وتنطلق أحداث هذه الرواية الساحرة منها في رائعة الكاتب الإسباني كارلوس زافون. يعلّق أحد المتابعين للسير الروائي في المنطقة على الرواية بقوله: إن حراكاً ثقافياً وضجة معرفية لم تثر مع صدور رواية مترجمة كما فعلت «ظل الريح» منذ صدور النسخة المترجمة من الرواية أو كتاب التعليمات الصوفية الممل إن شئت «قواعد العشق الأربعون» للتركية إلف شفق، الذي صدر بنسخته العربية قبل خمس سنوات تقريباً. الرواية تحصد النجاح بشكل لافت، خصوصاً لدى القارئ العربي لأنها تحوي العنصرين اللذين يولدان معه.. الروايات داخل الروايات كما في «ألف ليلة وليلة»، وأسلوب الحكاية الواضح، ذات الأحداث التي يمكن سلسلتها بعيداً عن الفانتازيا أو التشرذم الزماني.. وربما كان أسلوب زافون الجاذب يعود إلى أنه متخصص في الكتابة للأطفال، وكانت هذه الرواية هي أولى رواياته للبالغين، فنجح نوعاً ما في إثارة مكامن الفضول الطفولية في عقول وقلوب قرائه. بالإضافة إلى أسباب أخرى عدة ستضمن لها نجاحاً أكبر؛ فالناس تحب أن تقرأ عما ترى أنفسها فيه.. تحب أن تقرأ وصفة تعالج ما تعانيه، وزمن الرواية كان يتحدث عن (إسبانيا) التي يتعلق بها العرب لأسباب مختلفة حين تشرذمت وتقطعت أوصالها، وحطم الجنرالات…

«ودي بسفرة بين كازا وأغادير..!!»

الثلاثاء ٢٥ أبريل ٢٠١٧

• «تسافر معنا المغرب؟». • «لو أنكم كنتم ترغبون حقاً في رفقتي لما سألتموني العصر إن كنت أرغب في السفر المغرب!». • «المغرب أيها الأحمق.. المغرب». هكذا تكون بداية الرحلة في العادة، حوار راقٍ بين عدد من الأصدقاء، مغلف بالثقة وحسن النوايا، على أن الرحلة الأخيرة لمطار مولاي محمد الخامس كانت مرهقة جداً، تأخرت الطائرة ساعات عدة في المطار، لظروف جوية معينة، ثم يبدو أن الرجل آثر السلامة، فزادت على عدد الساعات المخطط لها، لكن من قال إن الوقت مهم، حين تكون الوجهة كازا تكون النفسيات دائماً في القمة في الطريق إلى الوجهة السياحية الأفضل. في الساعات الثماني في الطائرة كانت تجلس إلى جواري امرأة تسعينية.. لم أخمن ذلك، لكنها هي التي أخبرتني.. كانت سعيدة كطفلة في الثامنة ستذهب لرؤية «ديزني»، أوروبية غريبة على ما يبدو.. وبناء على قوانين «غلوم»، التي تعرفها، فإن المرة الوحيدة التي تجلس فيها أوروبية غربية بجواري كانت فوق الـ90! عند وصول الطائرة، وبسبب حماسة لا يعرف سببها سواي، أنا وأنت، وبسبب الرحلة والانتظار الطويلين، قام الركاب، وأغلبهم من ربعنا، جزاهم الله خيراً، بالتصفيق والتصفير. سألتني المرأة التسعينية: هل هذا سلوك طبيعي لدى العرب، أن يصفقوا عند وصول الطائرات؟ فأخبرتها بأن الجواب لا، لكنها كانت رحلة استثنائية! لم أشأ أن أدخل معها في تفاصيل شعور الواصلين…

«خانني فيك الردى..!!»

الثلاثاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٦

كنت مستغرباً جداً، كيف لهذه القامة العلمية، ألا يرى بوضوح بأن السيكل الـBMX الجديد هو الأفضل؟ جميع هذه التحديثات المخيفة، مكانٌ خاص لوضع زجاجة الماء، إضاءة خلفية وأمامية لتنبيه قائدي المركبات، جرس برنة مميزة، فرامل تلقائية عند القيام بحركة الريوس، هيكل خفيف يسمح بالقيام بحركة دائرة الفرجال المزدوجة بسهولة، الأحرف الثلاثة للاسم التجاري مكتوبة بشكل جميل وبألوان فسفورية، تضمن نيل زعامة السياكل في الفريج لمدة شهرين على الأقل. كيف لا يرى كل هذا ويصر على إقناعي بسيكل الباتان المستعمل لمجرد أنّ فيه «كرسياً إضافياً»؟! وهو يعلم أنني لا أسمح لأحد بأن يجلس خلفي! منقودة في الفريج! استمر الحوار مدة طويلة، هو يحاول إقناعي، وأنا أستغرب لوضع الموضوع على الطاولة للنقاش أصلاً، كان وضعي في المباحثات هو الأقوى، فبفضل تكنيكٍ معين للتعاون والتآزر بين الطلبة أثناء الامتحانات كان لدي من كوبونات التفوق ما يؤهلني لاستبدالها بما أختاره! هكذا كان الاتفاق! وحدها نظرة معينة في عينيه أثناء الحوار لم أفهما إلا بعد سنين طويلة! الأولوية كانت لأمور أهم كتلك «الديوانية» في منزلنا التي لم تخلُ من ضيوف قط إلا حين خلت من صاحبها تشي بنمط حياة ذلك الجيل، هو جيلٌ عاش من أجل غيره ولم يتململ قط! طقوس شبه يومية معتادة، تقوم من نومك المراهقي الثقيل وأنت تطلق صرخة الحرب على هيئة…

«رسالة الأدمِن الأخيرة..!!»

الخميس ٠٤ أغسطس ٢٠١٦

الأخوة الأعضاء.. أنتم تعلمون بأنني لم أطلب (الأدمنية)، وإنما جعلت لي بسبب فقدان أدمننا السابق لجواله وضياعه وانتفاء عضويته، ما جعلها تتحول إليّ بالأسبقية. الأخوة الأعضاء.. في كل هاتف هناك أربعة أرقام سخيفة تشير إلى الوقت، وقد حصّلت من العلم خلال 40 عاماً، ما يؤهلني لمعرفة الفرق بين الـ(am) والـ(pm) إلا في الساعة الـ12 صراحة، لذا فلا أحتاج من أحدكم إلى أن يذكرني في كل يوم بأن هذا صباح وبأن هذا مساء، كما إنها بدعة، ثم ما الداعي لكي يقوم جميع الأفراد فرداً فرداً بالتصبيح على بعضهم بعضاً في كل يوم وبصور «تخلص الغيغا»، وبورود وردية وحمراء، وعبارات لا تليق بشباب يهيّئ نفسه ليكون «جروباً» فارقاً في التاريخ؟! الأخوة الأعضاء.. حين يكون اسم جروبنا «جروب تزويد السيارات»، فما الداعي لوضع سنابات خالد حرية؟! أنا أواجه مشكلة حقيقية في «الفتك»، لدي «تربترونيك» وكلما خلصت على «الأوتوماتيك» بعد فترة من الدعاس أحس بأن في القير نفضة، وقد قال لي أحدهم بأن علي هذه الدقة من الشفت، وعلي عمل «قريز»، «للشفت» و«الدفريشن» من الأمام والخلف، ولأني أحب «الفتك» خاصتي «كما يقول المترجمون»، فلذلك أنا هنا.. طبخ خالد حرية للمظبي يمكنك وضعه في جروب الطباخ أو جروب الرياضة أو حتى جروب نادي الشارقة قبل المدرب الجديد، ولكن أرجوكم احترموا التخصص. الأخوة الأعضاء.. أمسكه بيدي…

«لن يبقوا صغاراً للأبد..!!»

الثلاثاء ١٩ يوليو ٢٠١٦

من أشد الأمور التي تخيف أي «ولي أمر» في أسرة معينة هي أن يكتشف صغاره حقيقته، أن يعلموا بأن تلك الشخصية الصارمة والمعتدلة والمحافظة التي يرسمها لنفسه ليست سوى أكذوبة اضطرته إليها ظروف الأبوة أو الأخوة أو مجرد ظروف الانتماء إلى أسرة محافظة أو تقليدية، من المرعب التفكير في ردة فعل الأبناء حين يعرفون بأن تلك المحاضرات عن الأخلاق الفاضلة أو ضرورة الالتزام بمسلك معين أو الابتعاد عن رفقاء السوء من المدخنين لم تكن سوى محاضرات «للاستهلاك المحلي» داخل المنزل، وأن جميع الممارسات الفعلية للمحاضر خارج المنزل كانت تتميز بدرجات غير معقولة من «الانفتاح» إذا ما تمت مقارنتها بمقاييس الأسرة. يكاد قلبي يتوقف حينما يقوم أحد الزملاء بإرسال صورة معينة لي في وضع معين أو دولة معينة أو «حفلة» معينة، وهو يكتب تحتها: أيام جميلة! لعنك الله ولعن أيامك الجميلة تلك! لا أعرف أين كان عقلي عندها! كيف وافقت على أن تكون تلك الحادثة «موثقة»، كيف يمكنني ضمان عدم وصول هذه الصور أو المقالات أو القصص إلى أبنائي، في ذلك الحين كانوا صغاراً وكان لدى الكثير منا اطمئنانٌ إلى أن الأطفال لا يتقنون تقليب صفحات «فيس بوك»، ولذلك فسنبقى في أعينهم أبطالاً طالماً بقينا! عجلة الزمن تمر بسرعة، وتكتشف أن أبناءك أصبحوا يقرؤون ما تكتب وأن إخوتك الصغار يقلبون الصفحات…

لن أحدّق مرة أخرى!

الأحد ١٧ يوليو ٢٠١٦

بكثير من التواضع لطالما كنت أروي لأصدقائي أنني أحد أفضل ثلاثة صائدي سمك منذ اكتشف الرجل الأول إمكانية صيده وطهيه، وبالطبع اثنان من الثلاثة ماتا بالحصبة الألمانية بدايات القرن الماضي. جربت الصيد في نهر كابول المتجمد، وجربت الصيد في بحيرات تشيلي، وفي نهر دجلة، وأنا أغنّي «في نهرنا سمكٌ.. يشوى على النار»، وفي البحيرات الأميركية الكبرى، وفي نهر الأمازون، وفي بحر قزوين، الذي قطع أرحامه مع بقية البحار، بعد أن آتاه الله مالاً وولداً، وفي خليج المكسيك، وفي النيل من شماله إلى جنوبه، أحياناً البعض يعتقد أنني أبالغ حين أخبره بأنني حدقت حتى في فوهات البراكين الخامدة في تايلاند، والبعض يدمدم بـ«استغفر الله» حين أقول له إنني أحببت ذلك السمك الذي اصطدته في خليج الخنازير! لكن حين تتراءى لك الأربعين قريبة كعابثة تخرج لسانها وتضحك مظهرة سنّاً ذهبية ماجنة، فإنك تتمنى عندها لو ذهبت إلى دير بعيد لا تعرفك جدرانه، واعترفت لأحدهم بكل ما اقترفت يداك! كم أتمنى أن أعترف لمن لن يفضحني بأن كل ما اصطدته في حياتي كان سمكتين، الأولى في جزيرة حبلين، حين طلب مني أحدهم أن أمسك بخيطه إلى أن يقضي حاجة ذهب لها، والثانية كانت في بحر عجمان الحبيبة، الذي لم يحب أن يردني خائباً فتصدق عليّ بسمكة يمنع حجمها أن يكون صيدها مشرّعاً بحكم…

«طقوس بوست ــ رمضانية..!!»

الثلاثاء ٠٥ يوليو ٢٠١٦

عليك بداية أن تحفظ هذين المصطلحين، لأنك ستصطدم بهما كثيراً في دراستك، البري pre ويعني قبل، والبوست post ويعني بعد، وستواجههما كثيراً، لأنك ستفشل في التسجيل لكل دراسة عليا تسمى post graduate بسبب ما اقترفته يداك أيام الـpre graduate وهذا ليس بموضوعنا على كل حال. مع نهاية كل رمضان يوجد لدي طقوس ما بعد رمضان، التي أقوم بتجهيزها بمجرد دخول أخي عليّ، وهو يكاد يبكي من السعادة، وهو يقول: ما في تراويح اليوم! العلاقة التي تجمعنا مع شياطين الإنس والجن مؤسفة، جعلتنا نشعر بالسعادة لأنه لا يوجد (تراويح) في هذا اليوم، اسمها تراويح، أي أنه كانت هناك أجيال قبلنا تراها راحة. أول ما أقوم به هو إخراج علبة المعسل من تحت سريري، تلك العلبة التي جاهدت لشهر كامل للابتعاد عنها، ثم أقوم بإعادة تنصيب عدد من البرامج التي أقلع عنها لأسباب أدبية، مثل برامج التواصل الاجتماعي وغيرها خصوصاً «تويتر»، لا أستطيع أن أستمع إلى أحدهم وهو يقول رأياً لا أقنتع به، دون أن أقول له «أمك وأبوك»، لذا الأفضل هو حذفها إلى ظهور هلال ليلة العيد. هناك بالطبع ريموت التلفاز، وهو مهم جداً لإعادة برمجة القنوات التي قمت بحذفها في الشهر الفضيل، حيث اكتفيت فيه بمشاهدة (علو) وهو يحوط حول عالم.. وياسر حارب وهو يحدثني عن الرجل الآلي الذي سيكوي…

«فلترفعها من اليمين قليلاً!»

الأحد ٢٦ يونيو ٢٠١٦

أعتقد أنك مثلي لاشك في أنك قد مررت بمشهد مشابه! يكون وجهك ملاصقاً للجدار بينما تقف على كرسي رأيت الكثير من الصور لجدك أو والده وهو يجلس عليه، لذا فإن قضية لحاقه بصاحبه أو صاحبيه، هي قضية وقت فقط، ما يجعل وقفتك غير المتزنة أصلاً على الكرسي أمراً مقلقاً، ولإكمال المشهد العبثي فإن يديك تكونان ممدودتين على أقصاهما إلى الأعلى، وأنت تحمل ساعة ما توقفت منذ زمن، وقررت في لحظة احترام للوقت أن تستبدل بطاريتها التي يسميها البعض بالـ«جافة»، نظراً إلى تركيبها الكيميائي لا إلى أخلاقها، هناك مسمار ما في الحائط علاه الصدأ منذ عقود، حتى إنك تذكره كلما سمعت عن مسمار شهير كمسمار جحا، على سبيل المثال، وأنت تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على توازنك والحفاظ على وجود المسمار في داخل ثقب الساعة التي تحملها، وتنتظر الأوامر التي تصدر إليك من شخص يقف بعيداً في الجانب الآخر من الغرفة. فلترفعها من اليمين قليلاً.. ليس إلى هذه الدرجة أيها الأحمق.. ارفع إذاً من اليسار.. لا.. لا.. من اليمين قليلاً مرة أخرى.. في تلك اللحظات الفارقة قبل سقوطك على الأرض تتذكر لماذا تفقد لحيتك دائماً حين تحلقها لنفسك.. بسبب التردد نفسه من اليمين قليلاً من اليسار قليلاً.. تنتزع نفسك من أفكارك وتعود للتركيز مع «الموجّه» الذي يقول لك أخيراً «أيوا هكذا..…

«الكوول»..!

الخميس ٢٦ مايو ٢٠١٦

أنت لا تعرف شعور ذلك الراهب، الذي يلتقي مع الدلاي لاما للمرة الأولى! أنت لا تعرف شعور الطفلة الصغيرة، التي تطرق باب مديرة المدرسة التي تسمع بها ولم ترها! أنت لا تعرف كيف كان السائق تومي موزع المخدرات الصغير، يشعر حينما قابل دون إدرواردو زعيم المافيا الصقلية في مكتبه! هذا أنت؟! أما أنا.. فأنا أعرف طعم ذلك الشعور جيداً فقد اختبرته كثيراً، شعور الهيبة إذا صحت التسمية، كلما توجهت إليه، وهو يجلس في زاوية المقهى ينفث الدخان في دوائر مصابة بالسحايا.. حوله تلك الهالة الغامضة..! أرجوك لا تحدثني عن ذلك الجنون العابر في نظرته.. فأنت تعلم أنه من أفواههم تأتي الحكمة! أسلم عليه فلا يرد.. ويشير كعادة العظماء إلى الكرسي الموجود أمامه.. السماح لك بالجلوس يعني أنك ستدفع حساب شيشته؛ والشهادة لله فالرجل لا يأخذ مقابل «الحكمة».. أقول له بصوت ذليل وخفيض: إنني وجدت نصفي الآخر.. يخرج يديه ويجري حسبة سريعة ويزجرني: إنها المرة السابعة عشرة التي تقول هذا! هذا يعني أنك وجدت نفسك لثماني مرات حمقاء.. أخبره بأنها هذه المرة حقيقة، وأطلب نصيحته لكي تعشقني! أسأله إن كان يجد أنه من الصواب أن ألمح لها بأنني أحد ذوي الأرصدة مكتنزي الكروش.. يستغرب ربطي بين الأمرين؛ رغم أنني أملك أحدهما كما هو ظاهر.. ويقول لي إن النقود لا تستهوي إلا…

من أجل «شعب» بلا قشرة..!

الأحد ٢٢ مايو ٢٠١٦

في أحد أفلام بروس ويليس، التي يقرر فيها إنقاذ العالم من الأشرار كعادته منذ ثلاثين عاماً.. يظهر فيلم الخيال العلمي، الذي لا أذكر اسمه، لكن يمكنك البحث عنه في الموقع الجميل «قواعد بيانات الأفلام العالمية»، والعالمية تعود على القواعد لا على الأفلام، أو إن شئت السهولة موقع imdb.. في ذلك الفيلم يعيش سكان العالم في بيوتهم شبه مغيبين، بينما ترتدي أجسامهم البديلة قشرة يلبسونها ما يشاؤون من صور وهمية لحقيقة الشكل والجسد، ليقابلوا بها الآخرين.. وكادت المصيبة تقع لولا البطل، كيف كان شكل العالم سيكون من دونك يا بروس؟! من أسوأ كوابيس البشرية هي تحول كل الرعب السينمائي إلى حقيقي، لأن المشكلة في تحقق كوابيس الأفلام هي أن الجزء المرعب فيها فقط هو الذي يتحقق، أما الشرق الجميل فيبقى حبيس الشاشة، قضية القشرة والشخصية الوهمية أصبحت لازمة في مجتمع يرى أن الكمال ضرورة لقبول الآخر لك! تتواعد مع شخص معين، أنت وهو تعرفان أنكما لن تقابلا بعضكما مرة أخرى، والموعد في مواقف سيارات أحد المراكز التجارية، لكي تسلّمه أمانة من «الأهل» إلى أهل أحدهم، والأمانة بالطبع إما صحن رطب من نخلتكم، أو شيء من الأمور التي تثبت أن الطريق إلى قلب أي كائن بشري يمر عبر أمعائه الغليظة، يبدأ بالاعتذار بقوله «اسمحلي كنت مستعجلاً، وجئت بسيارة الدريول!». عندها فقط تنظر…

«بنت الإمام..!»

الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠١٥

في قرية ريفية في البوسنة جلس إلى جواري رجل ثمانيني كانت عيناه دامعتان وهو يستمع إلى أغنية بوسنية قديمة، طلبت منه أن يحدثني عن معانيها، وقبل أن أنقلها إليكم أذكر بعبارة سمعتها قبل فترة لأحدهم تقول: الترجمة الشعرية نوعان: سيئة، وسيئة جداً. وأرجو أن تكون ترجمتي من النوع الأول. وأنا أحث الخطو عوداً بين هاتيك البيوت.. ما بين قيعانٍ.. كتب الزمان بها سطور الخوف من قصص السكوت.. مررت من بيت الإمام.. ورأيتها عند الحديقة تحت ظل الياسمين.. وقرأت بالحناء فوق الزند مبلول الوضوء.. نقشَت: أمينة! آهٍ أمينة! أقسمت بالله العظيم.. بكل صوتٍ تسمعينه.. أن الجمال ينير قلب المؤمنين.. آهٍ أمينة.. ما تصنعين بهذه الأرض الحزينة؟! أنت التي محظية عند الخليفة قد تكون.. أو زوجة عند السلاطين العظام.. بنت الإمام.. ما بين مشيتها كوقف أو سجود.. ضاع الكلام.. إيماننا لم يرتو.. أقرأتها مني السلام.. وتجاهلتني.. ونفس الحر يكسرها الصدود.. مالت على إبريقها الفضي تسقي.. في حديقتها الورود.. سقط الوشاح عن الكتف.. لتفوح آلاف المناظر.. لحظةً كادت تفوت.. ورأيت شلال الذهب.. ووراه لبي قد ذهب.. لازلت أنظرُ في الزحام.. فلعلها ترسله لحظاً من حلالٍ.. أو حرام! * ** ماتت أمينة.. ومات الشاعر الغريد في الحقب المهينة.. ماتت زهور الياسمين.. مات الجميع.. إبريقها الفضي أصبح منزلاً للعنكبوت.. ماتت حديقتها.. مدينتها.. وكل الحالمين.. إلا…

«زخوهم..!»

السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠١٥

حينما كانت الثورات تتفجر هنا وهناك، والمشهد العام يتغير، أو لنقل قواعد اللعبة تتغير، كما تنبأ مبعوث السلام إلى الشرق الأوسط، توني بلير، سيئ الصيت.. كانت الشلة مشغولة بشكل كامل بأحداث كأس العالم في جنوب إفريقيا.. هناك أولويات كما تعلم.. وحينما كان السخفاء يتحدثون عن أزمة البترول وهبوط أسعاره، كانت الشلة تتحدث عن أزمة شمس - أحلام، والكيفية التي سيؤثر بها هذا الخلاف في المشهد الغنائي الخليجي.. ولما أزعجنا الإعلام العالمي بقضايا اللاجئين والغرق هرباً من العروبة.. كان الربع يتراهنون في تخمين سن «عقروبة»، وهلدخل إلى الخدمة الوطنية فعلياً، أم أنه سيتحايل للحصول على عذر طبي! أنت تعلم بأنك لا تختار شلة «مقهاك».. فهي من الأمور التي تندرج ضمن «التسيير» في حياتك، وليس «التخيير»، هناك عناصر عدة في تشكيل هذه الشلة.. مزاج مدرس ابتدائي في توزيع الطلبة.. مقدار القرض الذي استلفه المرحوم جدك، لاختيار الفريج والشارع الذي ستقضي فيه بقية حياتك.. رفقاء الزنزانة التي زرتها لأول مرة بسبب القيادة بلا «ليسن» في شارع الوحدة.. وعدد آخر من المحددات، أهمها تناغم الأرواح! ما أعرفه عنهم أنه مهما كانت الأمور في الخارج مقلقة، أو تستدعي التوقف والتفكير والخوف، فإنهم سيبقون يضحكون من قلوبهم، التي لا تحمل أي هم في هذه الحياة لدرجة اللامبالاة.. أهم الأمور هي: ألا يقفل «الدومنه» عندما يكون لديه عدد…