فاضل العماني
فاضل العماني
كاتب سعودي مهتم بالشأن السياسي والاجتماعي والوطني

ثقافة الاختلاف والأسئلة الخمسة

الأربعاء ٠٦ نوفمبر ٢٠١٩

الاختلاف كثقافة ونهج وسلوك، مهما كان مصدره أو مستواه أو حدته، حالة متقدمة جداً من الرقي والوعي والمسؤولية عند المجتمعات والشعوب والأمم، خصوصاً تلك التي آمنت بحتمية وضرورة الاختلاف كثقافة حضارية وإنسانية تستحق أن تتأصل وتتجذر في فكر ومزاج وقناعة البشر. إن الإيمان بثقافة الاختلاف، خطوة واسعة باتجاه ترسيخ وتثبيت هذه الثقافة الإيجابية التي نحتاجها في كل تفاصيل حياتنا الصغيرة والكبيرة، ولكن الأمر يتطلب أكثر من ذلك بكثير، وهنا سأحاول أن أطرح هذه الأسئلة الخمسة بصوتٍ عالٍ، لأنني أجدها أسئلة مهمة، بل وتُمثّل المداميك الإساسية لنجاح واستمرار ثقافة الاختلاف التي تُعدّ أحد أهم الركائز الكبرى للنهضة البشرية. السؤال الأول: لماذا نختلف؟. نحن نختلف لأننا نمارس حقنا الطبيعي في إبداء الرأي أو القناعة أو التصور الذي نحمله، حتى وإن كان لا ينسجم أو يتناغم أو يتشابه مع الآخرين. نختلف لأننا نحمل بصمات وجينات وقناعات مختلفة ومتنوعة ومتعددة. السؤال الثاني: كيف نختلف؟. حينما نؤمن بحقيقة الاختلافات والتمايزات بين مختلف البشر، وحينما نمنح الآخر حقه الطبيعي في التعبير عن آرائه وقناعاته، من دون أن نُمارس الشخصنة أو البذاءة، فإننا نعرف جيداً كيف نختلف. السؤال الثالث: متى نختلف؟. وهنا لابد أن نختار الزمان والمكان والظرف من أجل أن نُمارس ثقافة الاختلاف بشكل يضمن نجاحها، فما نختلف حوله في حالة ما، قد يكون مقبولاً، ولكنه…

متى يُعاد الاعتبار للمعلم؟

الأربعاء ٠٩ أكتوبر ٢٠١٩

قبل عدة أيام، وتحديداً في الخامس من أكتوبر، مر اليوم العالمي للمعلم بعيداً عن كل مظاهر الرمزية الحقيقية لهذه المناسبة العالمية التي تنتظرها بلهفة وفخر كل الأمم والشعوب والمجتمعات التي تُدرك جيداً قيمة ومكانة وتأثير المعلم الذي يُعدّ "الصانع الأول" للحضارة البشرية عبر الأجيال الكثيرة التي تتخرج من تحت يديه. ففي الخامس من أكتوبر من كل عام، يحتفل/يحتفي العالم، كل العالم بالمعلم باعتباره أحد أعظم صنّاع التقدم والتطور البشري ممثلاً بصناعة الإنسان نفسه وهي الوظيفة الكبرى للمعلم. ويُعتبر الخامس من أكتوبر من كل عام، فرصة رائعة لكل الأمم والمجتمعات الذكية لإحياء هذه الذكرى العالمية المهمة التي بدأت فعلياً في عام 1994 بتوصية من منظمة اليونسكو ومنظمة العمل الدولية لجعل الخامس من أكتوبر من كل عام مناسبة دولية رسمية لحشد كل الحكومات والجهود والطاقات لدعم ومساندة وتكريم المعلم. وفي هذا العام 2019، سيكون الشعار العالمي بمناسبة اليوم العالمي للمعلم الذي تُطلقه منظمة اليونسكو هو "المعلمون الشباب: مستقبل مهنة التعليم"، وسوف يُصب الاهتمام على المواهب الشابة من المعلمين والمعلمات باعتبارهم الدماء الجديدة التي تُضخ في شرايين التعليم لتنبض الأمم بكل ألوان التقدم والتطور والازدهار. والمعلمون في هذا الوطن العزيز، والذين يزيد عددهم عن 600 ألف معلم ومعلمة، لا يبحثون عن عبارات المدح والثناء والتبجيل، وهم على كل حال يستحقونها وأكثر، ولكنهم يُريدون…

‏خمس ثقافات عربية لا تستحق الوجود

الأحد ١٩ أغسطس ٢٠١٨

تُقاس المجتمعات والشعوب والأمم، بما تملك من ثروات وقدرات وإمكانات، بشرية ومادية، وبما تحمل من قيم وعادات وثقافات، إيجابية وسلبية، فتلك هي «السلة الحقيقية» التي يُمكن إخضاعها لمعايير ومقاييس التقدم والتطور والازدهار لتلك المجتمعات والشعوب والأمم.. والكتابة عن تلك الحزمة الكبيرة من الثروات والثقافات التي تتشكل منها المكونات البشرية، يتطلب قدراً من الشفافية والموضوعية والواقعية، فضلاً عن المساحة والفضاء والقناعة، ولكن قبل كل ذلك، مجموعة كبيرة من المعلومات والحقائق والدراسات، وهذا الأمر لا يتوفر عادة في مقال محدود كهذا، يُحاول أن يُقارب/ يُلامس بعض الثقافات العربية التي تسببت وما زالت في تراجع/ غياب العالم العربي عن ممارسة دوره الريادي والتنويري والنهضوي الذي يتناسب مع حجمه المعرفي والثقافي والتاريخي وثقله الحضاري والسياسي والاقتصادي، الأمر الذي كلّفه عدم المشاركة في صنع المشهد الكوني الذي تشكّل منذ عقود. كثيرة هي الثقافات العربية التي تسببت وما زالت في تعطيل «المشروع النهضوي العربي»، هذا في حالة وجوده أصلاً، هذا المشروع/ الحلم الكبير الذي لم يخرج بعد من شرنقة البدايات/ المراجعات التي لا تكاد تنتهي كل تلك القرون. ولكن، ما تلك الثقافات العربية التي لا تستحق الوجود وآن لها أن تُغادر المشهد العربي للأبد؟، إليك عزيزي القارئ، خمساً منها، على عجل وباختصار: الأولى: «ثقافة الموت» التي تكره الحياة، وهي ثقافة عربية بامتياز، تدعو لموت الحياة ولحياة…

من هو المسؤول: المثقف أم القارئ؟

الأحد ١٥ يناير ٢٠١٧

مازال السؤال الكبير يُطرق مسامع المشهد الثقافي العربي منذ عقود وحتى الآن: من المسؤول عن تدهور "منظومة الذائقة العربية"، الثقافية والفكرية والحضارية والفنية والاجتماعية؟ والإجابة عن هذا السؤال الملتبس، تحمل الكثير من الهموم والشجون والتعقيدات، فضلاً عن الإجابات المعروفة والمباشرة والجاهزة. في مساحة محدودة كهذا المقال، أجدني مضطراً لممارسة الاختزال والاختصار والتركيز، لذا سأكتب عن صورتين ذهنيتين/ نمطيتين تم تكريسهما وتقديمهما كإجابة لذلك السؤال، بل وعلى الكثير من الأسئلة المعقّدة الأخرى التي تحتاج لدراسات متخصصة وتحليلات متعمّقة، لا مجرّد انطباعات متعجلة أو إسقاطات جاهزة. الصورة النمطية الأولى، هي للمواطن العربي البسيط الذي حُمّل أسباب ذلك التدهور الثقافي والأخلاقي والحضاري في العالم العربي، لأنه -أي المواطن العربي- لا يبحث عن "المحتوى" الجيد من الأفكار والرؤى والآداب والثقافات والفنون. وهذه التهمة المستمرة لهذا المواطن العربي البسيط، محاولة خبيثة للالتفاف حول حقيقة ذلك التدهور في منظومة الذائقة العربية. المواطن العربي، وهو القارئ والمشاهد والمتابع والمتفاعل والمتأثر بكل ما يُنتج، ينجذب للأسلوب العصري الجذّاب واللغة الديناميكية المتطورة، ويكره الطرق والأساليب والأنماط الرتيبة والمتخشبة والمملة، لذا فهو يُقبل بسعادة وكثافة على البرامج والأعمال الثقافية والفنية والإعلامية الجادة والرصينة التي تُخاطب عقله وتستفز مشاعره، ولكن حينما تُعرض بأسلوب عصري وبإيقاع سريع. المواطن العربي البسيط، مازال يستمع لأيقونات الغناء العربي، رغم طغيان النشاز والإسفاف والتلوث السمعي الذي…

المواطن.. هو الحارس الأمين

الأحد ٠٧ يونيو ٢٠١٥

يبدو أن المحن والفتن والأزمات، هي من توحد بوصلة المجتمعات والشعوب والأمم، تلك حقيقة راسخة منذ بدايات الحياة المدنية التي أنشأت المدن وشيّدت المباني وسنّت القوانين، بعد قرون طويلة جداً من العيش في الفوضى والاحتماء بظل القبيلة والخضوع لسلطة الغاب. نعم، الأحداث والمواقف والتداعيات، هي من تؤسس لثقافات وسلوكيات وتوجهات جديدة، لم تكن تخطر على فكر ومزاج وقناعة المجتمعات والشعوب والأمم التي قد تواجه مشكلة أو معضلة خطيرة تُهدد أمنها واستقرارها وتنميتها، كظاهرة الإرهاب مثلاً. الإرهاب، هو المفردة الأكثر بشاعة وخطورة وتعقيداً، في قاموس الكوارث البشرية. الإرهاب، هو طاعون العصر، وطوفان الحقد والكراهية، وخنجر الغدر والتوحش. لقد مررنا بتجربة مريرة مع الإرهاب، ونجحنا في القضاء عليه، ولكنه كالحرباء يتلون ويتحول ويتغير، ليعاود ممارسة هوايته القبيحة ويطل برائحته النتنة، كلما سنحت له الفرصة أو وجد تراخيا هنا أو ضعفا هناك. والمتتبع لتاريخ هذه الظاهرة الخطيرة، قديماً وحديثاً، يصل لقناعة تامة، وهي أن الأحداث الإرهابية بمختلف أشكالها ومستوياتها ودرجاتها، ما هي إلا نتاج سلسلة طويلة ومتراكمة من الأسباب والسلوكيات والتداعيات السلبية تشكلت ونمت وسيطرت على المجتمع. نعم، مواجهة الإرهاب تتطلب قدراً كبيراً من التعامل بحزم وردع وقوة، وبكل الوسائل والطرق والأساليب المتاحة، لأنه يُمثل خطراً كبيراً على بنية الجسد الوطني، ويُهدد أمنه وسلامته واستقراره وتنميته. نعم، الإرهاب لابد أن يواجه بكل ذلك…