حمود أبو طالب
حمود أبو طالب
كاتب سعودي

كل واحد حر في عياله

الخميس ٢٩ أغسطس ٢٠١٣

الجريمة البشعة التي حدثت في محافظة شرورة وذهبت ضحيتها أسرة كاملة مكونة من أربعة أبناء وأمهم لن تكون الأخيرة، ولا يجب أن نتوقع عدم تكرارها لدينا؛ لأننا مجتمع بشري كأي مجتمع آخر، فيه كل أنواع العلل النفسية والأمراض العقلية، وفيه الأزمات العائلية والضغوط الاجتماعية، وكل مشاكل الحياة التي يتعرض لها البشر، لكن الفرق المهم بيننا وبين الآخرين أننا نستمر في مشاهدتنا لمشاكل مفجعة تتكرر أمامنا دون أن نبادر كغيرنا لوضع أنظمة وقوانين وقائية تحد من وقوعها وتحاسب المتسببين فيها. كم مرة سمعنا عن أب عذب أطفاله حد الموت، وكم سمعنا عن حوادث تعنيف أسرية تصل بضحاياها إلى مشارف الموت، ومع ذلك يظل الأب أو عائل الأسرة هو المسؤول عنها حتى لو كان مختلا بكل المقاييس ولا يحتاج إلى لجنة طبية لإثبات اختلاله المؤكد. الأب الذي قتل أسرته كاملة في شرورة أكد شهود العيان أنهم لاحظوا تصرفات غير سوية بدرت منه خلال اليومين الماضيين، إذ كان يعامل أطفاله بقسوة وعنف، كما أنه صعد في إحدى الصلوات إلى المنبر وأطلق عبارات غير مفهومة، لكن السؤال لماذا لم يبلغ عنه أحد ليمنع تلك المأساة؟؟ الجواب بسيط، فالقاعدة السائدة لدينا: كل واحد حر في عياله، وبعض الناس يتحاشون التبليغ عن أي مخالفة أو جريمة على وشك الحدوث خشية التورط في مساءلات وتبعات معقدة، أي…

الحق عليك يا مواطن !

الأربعاء ١٤ أغسطس ٢٠١٣

عندما كان نظام الرهن العقاري تحت الدراسة والتأمل والتفكير رجونا المسؤولين أن يحدثونا ببساطة عن أهمية هذا النظام ومردوده على المواطن وكيف بإمكانه مساعدة الناس في تخفيف حدة أهم وأعقد مشكلة يواجهها أكثر من ثلثي المواطنين، وأيضا طالبنا المتخصصين في الأنظمة الاقتصادية والمالية والعقارية مساعدة البسطاء من الناس على فهم الآلية التي سيعمل بها النظام وكيف يستفيدون منه، لكن لا المسؤولين تحدثوا ولا المتخصصين تجاوبوا، وأصبحنا أمام نظام نعتقد أنه مفيد لكننا لا نفهم كيف، ولا نعلم إن كان سيساعد على الأمل أم سيكون ورطة إضافية لورطات الناس مع البنوك وشركات التمويل العقاري. دعونا من الماضي ولنكن أبناء اليوم، واليوم يحمل مفاجأة من العيار الثقيل أطلقها مسؤول في المؤسسة التي لم نعرف عنها موقفا منحازا لحق المواطن في يوم من الأيام مهما كان الظلم الواقع عليه بينا وفادحا. إنها مؤسسة النقد العربي السعودي التي خرج مدير برامج التمويل فيها محمد الشايع ليقول لنا بكل وضوح أن أنظمة الرهن العقاري لن تكون أداة لتملك المواطنين مساكن وإنما أداة لتسهيل تملك المقتدرين وذوي الدخول المرتفعة فقط. ثم تحدث الشايع مشفقا على البنوك وكأنه الناطق الرسمي لها، فقد أشار إلى أنها تواجه «تحديات» بعد البدء في تنفيذ نظام الرهن العقاري. ونعتقد أنه محق في ذلك إذا فهمنا قوله على أن البنوك تعمل جاهدة…

المترو وثقافة المكان العام

الأحد ١١ أغسطس ٢٠١٣

تقول مجلة «درشبيجل» الألمانية عن مترو مدينة الرياض بأنه ليس مجرد وسيلة للنقل، بل هو رمز للتغيير والتخفيف من الجمود وإنعاش للحياة العامة. هذه العبارة التي اختارتها المجلة بذكاء تعبر بدقة عن الدور الاجتماعي والبعد الإنساني الذي تلعبه وسيلة النقل العام، التي تدخل ضمن منظومة الأمكنة العامة التي يشكل غيابها خللا في التواصل البشري والنمط الطبيعي للحياة. قبل فترة، كتب الشاعر الجميل والكاتب الأجمل محمد زايد الألمعي مقالا مهما في صحيفة الحياة عن مأزق المجتمع السعودي مع المكان العام الذي يفتقده، وكيف يتعب هذا الكائن المسكين في البحث عنه خارج الحدود محاولا تلبية حاجة ضرورية ونزعة إنسانية لا يستطيع ممارستها بشكلها الطبيعي في وطنه. يذهب الفرد السعودي «الطبيعي» إلى الخارج ليختلط مع البشر في الأمكنة العامة، يسمع الحوار والضجيج والاختلاف والاتفاق والموسيقى والكلام الرصين والمبتذل، يسمع ويشاهد كل شيء يجسد طبيعة الحياة الحقيقية للبشر، إنه يستمتع بثقافة المكان العام ويتعلم منها أشياء كثيرة، لكنه يعود إلى العزلة في وطنه أو إلى مكان عام مصطنع داخل أسوار وحيطان وأبواب. المترو عالم قائم بذاته، مجتمع يمور بكل شيء على مدار الساعة، ثقافة خاصة مشبعة بالغرائب والعجائب من الممارسات والأحداث والمشاهد. أصناف بشرية من أقاصي التناقضات والتباينات في كل شيء، وكذلك أصناف تضيف للإنسان ما لا يتوقعه من المفيد والمدهش. حين تقضي للمرة…

أوكازيون الكلام

السبت ٠٣ أغسطس ٢٠١٣

شهر رمضان، كغيره من المواسم والمناسبات، أصبح مجالا للتنافس في التصريحات بين كثير من الإدارات، فما إن تقترب بدايته حتى تنطلق إشارة السباق بين المسؤولين الذين تستهويهم المشاركة الدائمة في ماراثون التصريحات التي تتراوح بين التأكيد والجزم، أو الوعود القاطعة باستحداث خدمة جديدة أو تطوير خدمة قائمة، أو إنهاء مشكلة تتكرر أو التشديد على الالتزام بتعليمات قديمة لم يلتزم بها أحد، وعلى هذا المنوال، نشاهد تنافسا محموما تمتلئ به وسائل الإعلام يوحي للمجتمع بأن كل شيء سيكون على ما يرام، ليكتشف بعد الأيام الأولى من الشهر أن أوكازيون الكلام قد انتهى إلى أقل القليل مما قيل، أو إلى لا شيء. ولو حاولنا الرجوع إلى أرشيف التصريحات مع اقتراب رمضان خلال الأعوام الماضية لوجدنا أن الواقع يستنسخ نفسه كل مرة من حيث زحمة التصريحات، وكذلك يكرر نفسه من حيث عدم إنجاز ما تضمنته، فلا مشكلة ولا حرج لدى من يريد التصريح طالما أنه لا حساب على الكلام ولا متابعة أو «جردة» في نهاية موسم التصريحات لبحث أسباب عدم تنفيذها ومساءلة الذين أطلقوها عن تلك الأسباب. إننا، باستعراض سريع لعينة من تلك التصريحات على سبيل المثال وليس الحصر أو التخصيص أو التركيز المقصود على جهات بعينها دون أخرى، لوجدنا ــ مثلا ــ أن وزارة التجارة تعلو نبرة تصريحاتها قبل رمضان بأن أسعار…

القرضاوي .. سقوط القناع الأخير

الثلاثاء ٣٠ يوليو ٢٠١٣

تعليقا على حدث مهم استثمره الشيخ يوسف القرضاوي ذات مرة قريبة قلت: (إن الشيخ القرضاوي مثلما هو شخصية دينية فإنه أيضا شخصية سياسية تعرف جيدا ألاعيب السياسة وتمارسها بدهاء تحت غطاء الدين، ولا أحد يستطيع القول إن القرضاوي ليس لاعبا أساسيا مهما في ما حدث ويحدث في مصر بعد ثورة 25 يناير حتى وإن كان غير موجود بشكل مباشر في المؤسسة السياسية الرسمية، كما لا يمكن لأحد أن ينفي النفس السياسي في الحضور الديني للشيخ القرضاوي طوال السنوات الماضية عبر وسائل الإعلام). حين قلت ذلك فلأني دائما لا أشعر بارتياح لمن يوظف الديني في السياسي، ويتقلب في مواقفه وآرائه بحسب مقتضيات الظروف السياسية ممتطيا صهوة الدين ومحاولا تطويعه أو اعتسافه ليتسق مع توجهه، وليست هناك حاجة للتدليل على أن القرضاوي من أساطين هذا النوع الذي يتقنع بواجهة دينية تحاول التمويه على الوجه الإيديولوجي السياسي الانتهازي لفكر جماعة الإخوان المسلمين الذي أظهره بسفور شديد بعد ثورة يناير، وبسفور أشد بعد اعتلاء الإخوان سدة الحكم في مصر، ثم أصبح فاضحا بعد تمكن منظومتهم من الاستحواذ على السلطة في أكثر من بلد عربي لأن اللحظة التأريخية قد حانت لتحقيق حلم إدارة العالم العربي ومن بعده العالم الإسلامي، وطالما هو رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فإنه المخول مستقبلا ليكون ملهم العالم الإسلامي وزعيمه الروحي…

مزور في منصب مرموق

الإثنين ٢٩ يوليو ٢٠١٣

الخبر الذي نشرته بعض الصحف يوم السبت، وتعمدت «عكاظ» وضع إشارة له في أعلى صفحتها الأولى تقول «الإيقاع بـ5 وكلاء وزارات و620 موظفا حكوميا في حملة الشهادات المزورة»، لا بد أن يكون خبرا مزعجا وبالغ السوء وكفيلا بأن يصيب قارئه بالغثيان والاكتئاب، فإذا كنا قد اكتشفنا قبل فترة قائمة طويلة بأسماء أشخاص يحملون شهادات عليا وهمية ومزورة، بينهم شخصبات معروفة في أكثر من مجال، فإننا الآن نكتشف أن الفضيحة أو الجريمة وصلت إلى مستويات قيادية عليا تفرض طبيعتها رسم استراتيجيات واتخاذ قرارات تنفيذية هامة. وعندما يفترض المنطق أن المشبوه يفضل أن يمشي «جنب الحيط» خوفا من اكتشاف أمره، فإن هذا المنطق لم يعد صحيحا؛ لأن المشبوهين في هذا الوقت لم يعودوا يشعرون بالخوف، بل بالثقة التي تجعلهم يزاحمون على المراكز العليا والوظائف المرموقة. لقد وصف الخبر ما حدث بـ«الحملة»، وهذا الوصف يجعلنا بشكل تلقائي نتذكر حملات ضبط مخالفي أنظمة الإقامة والعمل، وحملات ضبط السلع الفاسدة، بل ربما ما هو أسوأ كحملات مداهمة أوكار المخدرات والفساد الأخلاقي. وكذلك فإن مفردة «الإيقاع» تذكرنا باستخدامها في أخبار القبض على زعماء العصابات الخطرة، والحقيقة أن أصحاب الشهادات المزورة في مثل تلك المناصب أخطر بكثير على المجتمع من زعماء العصابات؛ لأن بيدهم صلاحيات واسعة ومناط بهم مهام ومسؤوليات بالغة الأهمية. وإذا كانت الجهات التي شاركت…

أفراد يحتكرون المجتمع

الثلاثاء ٢٣ يوليو ٢٠١٣

عندما يؤكد تقرير صندوق النقد الدولي حول أسعار السلع الأساسية لشهر يونيو 2013 انخفاض أسعار الأطعمة بنسبة 3% خلال الفترة من ديسمبر 2012 إلى يونيو 2013 بينما سجلت سوقنا المحلية ارتفاعا لأسعارها من 4% في سبتمبر 2012 إلى 6,4 % في يونيو 2013 فإن هذا يؤكد وجود خلل كبير يمنع هذه السوق من الاستجابة لتطورات الأسعار في الأسواق العالمية، وقبل أن نجهد أذهاننا بالتفكير في أسباب هذا الخلل فإن خبيرا اقتصاديا يوضح لنا أهمها وأخطرها، ألا وهو « الاحتكار». هذه المفردة القبيحة وغير الإنسانية واللاأخلاقية في معناها العام هي التي تجعل شكوى الناس المستمرة من الغلاء لا صدى لها، وهي التي تجعلهم يشعرون باليأس من إمكانية إنقاذهم من هذه المحرقة المستمرة. تخيلوا يا سكان المملكة جميعا أن ثلاثين تاجرا فقط يحتكرون 45% من السلع الرئيسية في السوق، وأن منهم من يمتلك أكثر من 35 ألف وكالة حصرية بحسب تصريح رئيس المركز السعودي للدراسات والأبحاث ناصر القرعاوي لصحيفة الشرق يوم الأحد 12 رمضان، والذي وصف فيه المواد الغذائية بالسرطان المستمر الذي لم تستطع وزارة التجارة مكافحته لأن الاحتكار فيه واضح سواء ما يتعلق بالسلع المستوردة أو المنتجة محليا، رغم صدور نظام لمكافحة الاحتكار ومنعه. إن الاحتكار بهذا الشكل البشع يشكل وضعا يهدد المجتمع عندما يصبح أسيرا لعدد محدود من التجار يتحكمون…

خطط يا مخطط ولا يهمك

الخميس ١٨ يوليو ٢٠١٣

كان من ضمن الأهداف الاستراتيجية لخطة التنمية التاسعة (2010 ــ 2014) أن يكون معدل البطالة المستهدف هو 5.5%، ومع أننا الآن في منتصف 2013، ولم يبق على نهاية الخطة سوى عام ونصف تقريبا، إلا أن معدل البطالة الذي تتداوله وسائل الإعلام ــ استنادا إلى معلومات المرجعيات الرسمية ــ هو 12.1%، أي أعلى من ضعف النسبة المستهدفة في الخطة، فهل يمكن تخفيض معدل البطالة خلال هذا الوقت القصير؟ بالتأكيد، فإن سؤالا كهذا يمكن وصفه بأنه سؤال عبثي ولا يجب أن يطرح لأن إجابته بديهية جدا، وهي: لا وألف لا. لأننا إذا كنا لم نصل إلى نصف المستهدف خلال ثلاثة أرباع مدة الخطة، فمن المستحيل أن تتحقق معجزة خلال الفترة المتبقية، وإذا أردنا أن ننزع رؤوسنا من التراب لو مرة واحدة وننظر إلى ما نفعله بجدية وشفافية وتجرد ونواجه أنفسنا بشجاعة، فلا بد أن نعترف أننا نتخبط في كثير من جوانب خططنا الخمسية، إما في جانب النظرية والأهداف، وإما في جانب التطبيق، والنتيجة تراكم المشاكل واستفحالها وضياع الوقت وإهدار الموارد. لقد بلغ عدد العاطلين عن العمل بنهاية العام الماضي أكثر من 600 ألف من أبناء وبنات الوطن، هذا إذا لم يكن العدد أكبر مع تحفظ بعض الجهات على الأرقام. وخلال الفترة الماضية بدأت الحملة الكبرى لتصحيح أوضاع العمالة الوافدة المخالفة لأنظمة الإقامة…

حساب غسيل الذمة

الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٣

عندما اكتشفت السيدة إليزابيث ويب العاملة في مدرسة ثانوية بمدينة سياتل أن محتويات سيارتها قد نهبت ووجدت فيها هاتفا جوالا يعود للسارق قررت أن تسلك مسارا مختلفا لا يؤدي إلى الاستعانة بالشرطة والقضاء، فقد اتصلت بالشاب البالغ من العمر 19 عاما وأبلغته ووالديه بأنها لن تتسبب في عقابه إذا وافق على رد المسروقات والاعتراف بما سرقه من سيارات الحي ثم الاعتذار لأصحابها، وفعلا اقتنع الشاب وذهب معها برفقة شريكه إلى المنازل للاعتذار عن سرقة محتويات 13 سيارة وإعادتها لأصحابها، وبذلك عادت المسروقات وسلم الشاب من العقوبة وارتاح ضميره وقامت السيدة إليزابيث بما تعتقده صحيحا في التعامل مع شاب مراهق ربما تجرفه العقوبة إلى التهور وإدمان السرقة. وفيما لو أردنا مقاربة ما قامت به السيدة إليزابيث من واقع ثقافتنا المحلية، فإنها أرادت للشاب أن يقوم بـ«إبراء ذمة» بإعادته للمسروقات، ثم الحصول على «العفو» بعد الاعتذار للمتضررين، بمعنى أنها ربطت إبراء الذمة بالاعتذار وشرط الحصول على العفو الاختياري وبمحض إرادة أصحاب الحق. وأصدقكم القول إنه بعد قراءتي تلك القصة في إحدى الصحف لا أدري كيف قفزت إلى ذهني فجأة محاولة المقارنة بين إبراء ذمتهم وإبراء ذمتنا، وإذا أردتموها «على بلاطة» بين ذمتهم وحساب إبراء الذمة لدينا، وهل نحتاج إلى إعادة النظر في هذا الاختراع العجيب من ناحيتي، أحترم أي رأي يختلف معي،…

ناس مش طايقة بعضها

الثلاثاء ٠٩ يوليو ٢٠١٣

يهل علينا الشهر الكريم لتنقلب أحوالنا رأسا على عقب بشكل يزيد عن بقية شعوب المسلمين رغم أننا شعب يكاد يكون كله في إجازة خلال رمضان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع ارتفاع مستوى الأدرينالين في شراييننا بشكل جنوني يجعل منها أنابيب قابلة للانفجار لأتفه الأسباب. ربما تكون هناك أسباب بيولوجية إلى حد ما، ولكن هناك أوضاعاً كثيرة غير مواتية تجعل أعواد الثقاب تتكاثر حول مشاريع الانفجار الآدمية على مدار الساعة. كميات النشويات والدهون التي يتم استهلاكها منذ أذان المغرب إلى أذان الفجر تنقلب وبالا على الإنسان خلال النهار، وإذا أضفنا لها كميات الكافين والنيكوتين التي تنقطع فجأة مع بدء الصيام فإن المسألة تصبح معقدة وخطيرة جدا. يخرج الناس قبل الظهر غالبا في درجة حرارة كافية لإذابة أي جمجمة في الأحوال الطبيعية، وأما حين تتزامن هذه الحرارة مع الجوع والعطش فالله وحده لطيف بعباده. منذ إدارة محرك السيارة والسير في الشارع يتحول الوضع إلى مواجهة غير محسوبة العواقب مع كل شيء وكل أحد، «الناس مش طايقة بعضها» وكأن كل واحد ينتظر أبسط ما يظن أنه خطأ أو تجاوز لينفجر في وجه الآخر. أي مشوار لا ينقضي إلا بجهد جهيد لضبط الأعصاب، هناك من يستطيعه وهناك من يفشل. الناس في أماكن شغلها، الحكومية على وجه الخصوص، كأنها جاءت ترافقها كل شياطين الكون،…

فات الميعاد

الأربعاء ٠٣ يوليو ٢٠١٣

بعد تحوير بسيط لعنوان رواية الكاتب المصري إبراهيم عبدالمجيد «لا أحد ينام في الإسكندرية» يمكننا في هذا الوقت استخدامه عنوانا لرواية أهم هي «لا أحد ينام في مصر»، وعندما لا تنام مصر فإنه «لا أحد ينام في العالم العربي». هذه هي الحقيقة، وهذا هو حالنا منذ أشرقت شمس 30 يونيو. وكما هي عادة شعب مصر، فإنه تعامل مع إرهاصات هذا اليوم بروحه الساخرة ونكتته الخاطفة اللاذعة عندما اقترح حذف ورقة يوم 30 يونيو من التقويم ليتم القفز عليه وتنتهي المشكلة، لكنه عندما أطل فجر ذلك اليوم كان له كلام آخر. وفي كل الظروف والأحوال، هي مشكلة كبرى حين تكون حاسة الاستشعار معطلة بطبيعتها، أو يتم تعطيلها أملا في حدوث معجزة أو هبوط حل من الغيب، وعندما يتعلق الأمر بالسياسة يصبح الوضع كارثيا إذا تشبث أصحابها بوهم كهذا. السياسة هي التعامل الواقعي مع ظروف ومعطيات وشواهد وأحداث من أجل بلورة قرارات عملية تضمن قدرا من النتائج الإيجابية أو تقلص حجم وتأثير النتائج السلبية، لكن هذا ما لم تبادر مؤسسة الحكم في مصر باتخاذه حتى عندما تكثفت سحب الأزمة في الأفق السياسي وأنذرت بتأكيد حدوثها. تتم كتابة هذه السطور في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، وكل الاحتمالات مفتوحة وممكنة لتشكيل مشهد جديد أكثر سوءا عند نشر المقال، لكنه يصعب على كاتب التريث…

فيلم صيفي طوييييييييل

الأحد ٣٠ يونيو ٢٠١٣

كل المؤشرات أكدت أن هذا الصيف ملتهب منذ بدايته، درجة الحرارة منذ أول يوم في هذا الفصل الخاص بالنسبة لنا وصلت حدا يربك فزيولوجية الجسم ويعكر المزاج ويجعل التعايش معها مسألة صعبة تحتاج إلى كثير من ضبط النفس، لكن ضبط النفس يحتاج إلى بيئة مواتية تساعد على ذلك، يبدو أنها لن تتحقق كما نرجو. قلنا سابقا إن ظروف العالم من حولنا لا تسمح بالهروب من صيفنا إلا للأماكن البعيدة التي لا تسمح بها إلا الميزانيات الجيدة التي لا تتوفر لغالبية الناس، والسفر إلى المناطق الداخلية «الباردة» بغرض السياحة لا يزيد على إضاعة الوقت وصرف المال دون طائل أو مردود معقول، وبالتالي فالنتيجة الإجبارية هي التزام البيوت، كل واحد في بيته وحدود مدينته، لكن هذه المدينة ــ صغرت أو كبرت ــ لا تتحمل أي تشويش على خدماتها في هذا الجحيم الذي لا يطاق، وهو أمل يتطلع إليه الناس كل صيف، لكنه ــ للأسف ــ لا يتحقق. سؤال لا يمكن أن يطرح إلا في امتحانات الصفوف الأولى للمرحلة الابتدائية، لكننا مضطرون لطرحه على كثير من المسؤولين عن الجهات الخدمية: هل يمكن أن يأتي فصل الصيف باردا؟ هل يمكن أن يطغى عليه فصل آخر، بحيث يختفي وتصبح الفصول ثلاثة؟ هل يأتي مفاجئا في غير موعده؟؟ نقدم الاعتذار المسبق على مثل هذا السؤال، لكن…