حمود أبو طالب
حمود أبو طالب
كاتب سعودي

فتشوا عن ” كائنا من كان “

الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٣

بعكس زملائي الكتاب قررت ألا أكتب عن الغرق الجديد، أي غرق مدينة الرياض عاصمة البلاد التي تقع فيها الوزارات ومقار القرارت، وتشرف عليها بشكل خاص أكثر من هيئة وجهة. أقول صادقا أنني اخترت البعد عن وجع القلب وتعكير المزاج وأذية النفس بالإنفعال الذي لا طائل منه، والغضب الذي يرفع الضغط وقد ينتهي بصاحبه إلى طواريء المستشفى لتبدأ حكاية أخرى لا تقل ألما. قبل أن تغرق جدة ونحن نكتب عن قرى في محافظات الأطراف تغرقها الأمطار وتجتاحها السيول كل عام لتخلف دمارا شاملا، ولا زال الحال على ما هو عليه. ولكن لأنه حين تغرق المدن المركزية التي رصدت لها آلاف المليارات فإن الحال يختلف، لهذا عندما حدثت كارثة جدة الأولى قلنا لعل فيها خيرا رغم مأساويتها، لأنها ستكشف عوار القريب والبعيد، القاصي والداني، وسوف تعيد ترتيب الأوراق من جديد ليصلح الحال، لكن حدثت الكارثة الثانية، وأعاد الفساد ترتيب أوراقه ورحنا معه في مسلسل إسمه يا ليل ما أطولك. لا زلنا نتذكر ذلك الخطاب الحازم القوي لخادم الحرمين الشريفين الذي أكد فيه أن سيف العدل سيهوي على هامة الفساد، وأن العقاب سيطال كائنا من كان إذا ثبت تورطه فيما حدث، ونعرف جيدا أنه يعني ما قاله بعد أن أوكل الأمانة إلى المسؤولين المكلفين بها، لكن مضى الوقت ونحن ننتظر وننتظر وننتظر، ولم…

دراما الهيئة.. مشهد جديد

الخميس ٢٦ سبتمبر ٢٠١٣

من مشاكل الكتابة عن أخطاء وتجاوزات بعض أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحويل القضية من شأن عام، إنساني وحقوقي في الدرجة الأولى، إلى قضية شخصية أو موقف شخصي مسبق وثابت للكاتب تجاه جهاز الهيئة. هذا التحوير الاعتسافي يظهر جلياً كلما استجدت حادثة بارزة تكون الهيئة طرفاً رئيسياً فيها، يمارسه بعض منسوبيها، وبدرجة أكبر المحتسبون بالتضامن العشوائي المطلق مع جهاز الهيئة من خارجها، الذين لا يقبلون أي نقاش حولها أو إبداء الملاحظات على أدائها، مما يفاقم تأثير أي أزمة أو شرخ في علاقة المجتمع بالهيئة. للأسف الهيئة رغم حرص رئيسها العام على مد الجسور مع المجتمع وبناء علاقة تسودها الثقة والطمأنينة، إلا أنها لم تغير كثيراً من أسلوب التعاطي الإعلامي مع القضايا المثارة حولها، فأسلوب البيانات الاستباقية التي تفوح منها رائحة التنصل من أي مسؤولية، أو اتهام المجتمع والإعلام بالمبالغة، مازال أسلوباً مفضلا لدى الهيئة لم تتجاوزه إلى الآن. بل إنها في بعض الأحيان تسبق الآخرين باتهامهم ــ وقائياً أو استباقيا ــ قبل أن يشيروا إليها بالاتهام، أي أنها هي التي ترفع راية المواجهة أولا قبل أن يرفعها الآخرون.. يوم أمس كانت قضية مصرع شاب وإصابة آخر في الرياض إثر مطاردة سيارة الهيئة لهما من أبرز الأخبار التي نشرتها الصحف وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي. الهيئة أصدرت بياناً تترحم فيه…

أنقذونا من هذه الصدارة

السبت ١٤ سبتمبر ٢٠١٣

لا بد أن يعجب الإنسان من التأخر في وضع وتنفيذ استراتيجية للسلامة المرورية، بينما نحن نتصدر دول العالم في ضحايا حوادث السير الذين بلغ عددهم أكثر من 86 ألف ضحية خلال العشرين سنة الماضية، وهو رقم تؤكد هذه الصحيفة أنه يتجاوز ضحايا الحروب، ويتركز في الفئة العمرية الشابة من سن 16 إلى 29 عاما، أي الجيل الذي يقوم عليه المستقبل. والأعجب من ذلك أن ينبري المتخصصون وغير المتخصصين للإشادة بما ستحققه الاستراتيجية الوطنية للسلامة المرورية التي أقرها مجلس الوزراء مؤخرا، رغم أنها مجرد خطة تتضمن 8 محاور رئيسة يندرج تحتها حوالي 70 مشروعا يقوم بتنفيذها عدد كبير من الجهات الحكومية والأهلية، ومرهونة بظروف وعوامل عديدة، وستكون النتائج خاضعة للتقييم والمراجعة والإشراف كل عام، كما أن الموعد الزمني لإطلاق المجلس الأعلى للمرور لا يزال قيد الدراسة، أي أن عادة الإشادة بالخطط والمشاريع والاستراتيجيات قبل أن تبدأ، وقبل أن يرى الناس نتائجها، ما زالت راسخة في مجتمعنا كملمح سلبي بارز لم نتخلص منه بعد.. لا يمكن التكهن بسبب مقنع للانتظار الطويل إزاء هذه الكارثة الوطنية والإنسانية سوى ضعف التخطيط الفعال في أحيان كثيرة. كل عام ونحن نتحدث عن الترتيب السلبي الأول الذي نتصدر به دول العالم، ثم تبدأ الجهات المعنية بالتنصل من الأسباب الخاصة بها، وتبادل الاتهامات بين بعضها البعض لفترة مؤقتة…

كلهم يكذبون .. ونحن نصدق !!

السبت ٠٧ سبتمبر ٢٠١٣

ببرود شديد وهدوء عجيب وبساطة متناهية، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صاروخا موجها لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري يحمل رأسا ناسفا لمصداقية ما قاله أمام لجنة مجلس الشيوخ لتبرير الحصول على موافقة لشن ضربة عسكرية يريد الرئيس أوباما توجيهها للنظام السوري بسبب استخدامه سلاحا كيماويا ضد المواطنين الأبرياء. لم يتردد بوتين ولم يحرجه وجود أوباما من القول عن كيري: (إنه يكذب، ويعرف أنه يكذب. إنه لأمر محزن). وعلى خلفية هذا الهجوم الصاعق انبرت وزارة الخارجية الأمريكية على لسان متحدثتها جين ساكي لتقول إن الوزير كيري لم يذق طعم النوم بعد سماعه تصريح بوتين، وأن أشياء كثيرة صوبت تجاهه غير تهمة بوتين، لكن تأريخه كواحد من قدامى المحاربين شفيع بتوضيح حقيقته. والحقيقة يصعب علينا أن يصاب السيد كيري بالأرق في هذه الظروف الدقيقة؛ لأن الأرق أحد أهم أسباب عدم التركيز في اتخاذ القرارات، وإذا حدث ذلك لوزير الدولة التي تصر على إدارة العالم، فإن هذا العالم سيصبح أكثر خرابا مما هو عليه. تصوروا عندما يكون كيري سهرانا وجريحا محزونا بسبب هذه التهمة التي وصمه بها بوتين، وأراد أن ينتقم لنفسه بتمرير فكرة ما من شأنها تدمير كل شيء، وغلبت الكبرياء الأمريكية على منطق الحسابات والمماحكات التمثيلية بين الصقور والحمائم، وتناسوا كل ذلك ثأرا للمصداقية الأمريكية التي مرغها بوتين في الوحل، ثم…

كلها 60 يوما يا عرب

الخميس ٠٥ سبتمبر ٢٠١٣

من أطرف المفارقات خلال عرض مشروع الرئيس أوباما على مجلس الشيوخ ما قام بالتقاطه مذيع شبكة CNN الشهير وولف بليتزر عندما ضبطت الكاميرا جون ماكين وهو يلعب «البوكر» على هاتفه. سأله بليتزر عن حيثيات وأسباب ما فعله رغم أهمية الحدث، فأجاب أنه يشعر بالملل أحيانا فيلجأ للمقامرة عبر «الآي فون» رغم أنه قد خسر فيها آلاف الدولارات. لا أدري لماذا أشعر أن في هذه اللقطة دلالة بليغة على الفرق بين الذين يقامرون وهم يعرفون ماذا يفعلون، والمقامرين الأغبياء الذين يحرقون كل الأوراق وطاولة القمار وما فوقها وما تحتها وكل الذين حولها. سياسي أمريكي مثل جون ماكين يعرف أن كلفة إطلاق صاروخ واحد من فصيلة «توما هوك» تصل إلى 1.2 مليون دولار، وطالما بلده هي التي تقرر كم عدد الصواريخ التي تطلقها، وطالما هو يعرف كيف سيتم تحصيل فاتورتها أضعافا مضاعفة، فمن حقه أن يتسلى بالقمار على هاتف جوال ويبعثر بضعة آلاف طالما سيكون المردود بلايين لا تحصى. لقد اختارت شبكة CNN لقضية استخدام القوة ضد النظام السوري عنوانا لا يمكن اختياره عبثا: (القضية الكبيرة The big story)، وهي بالفعل كذلك، فأمريكا مرت بتجارب عديدة في استخدام القوة العسكرية بدون طلب الموافقة من مجلس الشيوخ أو غيره، وهي تعرف الآن المزاج العام الأمريكي تجاه أي تورط عسكري تقوده أمريكا، ولو لم…

أوباما لبشار: ويحلها الحلال

الإثنين ٠٢ سبتمبر ٢٠١٣

لكي يثبت الديموقراطيون للشعوب المتخلفة والأنظمة المستبدة أنهم يحتكمون في النهاية إلى رأي الشعب، ها هو الرئيس أوباما يعلن أنه يملك القرار لتنفيذ ضربة عسكرية في سوريا، لكنه يسعى للحصول على موافقة ممثلي الشعب في الكونجرس لتنفيذ قراره، لأن أمريكا ستكون أقوى في هذه الحالة، وأكد أنه في سبيل ذلك فليس مهما أن تكون الضربة يوم غد أو بعد أسبوع أو حتى بعد شهر. يا حلاوتك ــ يا فخامة الرئيس ــ فأنت قد أقمت القيامة منذ مساء الأربعاء وجعلت العالم يحسب الدقائق بعد تصريحك بعزمك على استخدام القوة التأديبية لردع نظام بشار عن استخدام السلاح الكيماوي (وليس التقليدي)، مع أنك تعرف جيدا العقبات التي قد تعترض قرارك، سواء في مجلس الأمن أو على مستوى الكونجرس، أو في الدول الحليفة الكبرى كبريطانيا، والآن تخرج علينا ــ ببساطة متناهية ــ لتقول إن الضربة قد تحدث بعد يوم أو أسبوع أو شهر، إنك تذكرنا بحالنا في العالم العربي الذي لا حساب ولا أهمية للوقت فيه، بل تذكرنا بأغنية لأحد أشهر مطربينا اسمها «في يوم.. في شهر.. في سنة». بكلامك هذا أنت تقول للعزيز بشار: لقد أكدنا لك أن الضرب لن تستهدف إسقاطك، والآن نؤكد لك أن لديك الوقت الكافي لترتيب أمورك كما تشاء لأننا ديموقراطيون جدا، ولن ننفذ قرارنا حتى يعود الكونجرس من…

كل واحد حر في عياله

الخميس ٢٩ أغسطس ٢٠١٣

الجريمة البشعة التي حدثت في محافظة شرورة وذهبت ضحيتها أسرة كاملة مكونة من أربعة أبناء وأمهم لن تكون الأخيرة، ولا يجب أن نتوقع عدم تكرارها لدينا؛ لأننا مجتمع بشري كأي مجتمع آخر، فيه كل أنواع العلل النفسية والأمراض العقلية، وفيه الأزمات العائلية والضغوط الاجتماعية، وكل مشاكل الحياة التي يتعرض لها البشر، لكن الفرق المهم بيننا وبين الآخرين أننا نستمر في مشاهدتنا لمشاكل مفجعة تتكرر أمامنا دون أن نبادر كغيرنا لوضع أنظمة وقوانين وقائية تحد من وقوعها وتحاسب المتسببين فيها. كم مرة سمعنا عن أب عذب أطفاله حد الموت، وكم سمعنا عن حوادث تعنيف أسرية تصل بضحاياها إلى مشارف الموت، ومع ذلك يظل الأب أو عائل الأسرة هو المسؤول عنها حتى لو كان مختلا بكل المقاييس ولا يحتاج إلى لجنة طبية لإثبات اختلاله المؤكد. الأب الذي قتل أسرته كاملة في شرورة أكد شهود العيان أنهم لاحظوا تصرفات غير سوية بدرت منه خلال اليومين الماضيين، إذ كان يعامل أطفاله بقسوة وعنف، كما أنه صعد في إحدى الصلوات إلى المنبر وأطلق عبارات غير مفهومة، لكن السؤال لماذا لم يبلغ عنه أحد ليمنع تلك المأساة؟؟ الجواب بسيط، فالقاعدة السائدة لدينا: كل واحد حر في عياله، وبعض الناس يتحاشون التبليغ عن أي مخالفة أو جريمة على وشك الحدوث خشية التورط في مساءلات وتبعات معقدة، أي…

الحق عليك يا مواطن !

الأربعاء ١٤ أغسطس ٢٠١٣

عندما كان نظام الرهن العقاري تحت الدراسة والتأمل والتفكير رجونا المسؤولين أن يحدثونا ببساطة عن أهمية هذا النظام ومردوده على المواطن وكيف بإمكانه مساعدة الناس في تخفيف حدة أهم وأعقد مشكلة يواجهها أكثر من ثلثي المواطنين، وأيضا طالبنا المتخصصين في الأنظمة الاقتصادية والمالية والعقارية مساعدة البسطاء من الناس على فهم الآلية التي سيعمل بها النظام وكيف يستفيدون منه، لكن لا المسؤولين تحدثوا ولا المتخصصين تجاوبوا، وأصبحنا أمام نظام نعتقد أنه مفيد لكننا لا نفهم كيف، ولا نعلم إن كان سيساعد على الأمل أم سيكون ورطة إضافية لورطات الناس مع البنوك وشركات التمويل العقاري. دعونا من الماضي ولنكن أبناء اليوم، واليوم يحمل مفاجأة من العيار الثقيل أطلقها مسؤول في المؤسسة التي لم نعرف عنها موقفا منحازا لحق المواطن في يوم من الأيام مهما كان الظلم الواقع عليه بينا وفادحا. إنها مؤسسة النقد العربي السعودي التي خرج مدير برامج التمويل فيها محمد الشايع ليقول لنا بكل وضوح أن أنظمة الرهن العقاري لن تكون أداة لتملك المواطنين مساكن وإنما أداة لتسهيل تملك المقتدرين وذوي الدخول المرتفعة فقط. ثم تحدث الشايع مشفقا على البنوك وكأنه الناطق الرسمي لها، فقد أشار إلى أنها تواجه «تحديات» بعد البدء في تنفيذ نظام الرهن العقاري. ونعتقد أنه محق في ذلك إذا فهمنا قوله على أن البنوك تعمل جاهدة…

المترو وثقافة المكان العام

الأحد ١١ أغسطس ٢٠١٣

تقول مجلة «درشبيجل» الألمانية عن مترو مدينة الرياض بأنه ليس مجرد وسيلة للنقل، بل هو رمز للتغيير والتخفيف من الجمود وإنعاش للحياة العامة. هذه العبارة التي اختارتها المجلة بذكاء تعبر بدقة عن الدور الاجتماعي والبعد الإنساني الذي تلعبه وسيلة النقل العام، التي تدخل ضمن منظومة الأمكنة العامة التي يشكل غيابها خللا في التواصل البشري والنمط الطبيعي للحياة. قبل فترة، كتب الشاعر الجميل والكاتب الأجمل محمد زايد الألمعي مقالا مهما في صحيفة الحياة عن مأزق المجتمع السعودي مع المكان العام الذي يفتقده، وكيف يتعب هذا الكائن المسكين في البحث عنه خارج الحدود محاولا تلبية حاجة ضرورية ونزعة إنسانية لا يستطيع ممارستها بشكلها الطبيعي في وطنه. يذهب الفرد السعودي «الطبيعي» إلى الخارج ليختلط مع البشر في الأمكنة العامة، يسمع الحوار والضجيج والاختلاف والاتفاق والموسيقى والكلام الرصين والمبتذل، يسمع ويشاهد كل شيء يجسد طبيعة الحياة الحقيقية للبشر، إنه يستمتع بثقافة المكان العام ويتعلم منها أشياء كثيرة، لكنه يعود إلى العزلة في وطنه أو إلى مكان عام مصطنع داخل أسوار وحيطان وأبواب. المترو عالم قائم بذاته، مجتمع يمور بكل شيء على مدار الساعة، ثقافة خاصة مشبعة بالغرائب والعجائب من الممارسات والأحداث والمشاهد. أصناف بشرية من أقاصي التناقضات والتباينات في كل شيء، وكذلك أصناف تضيف للإنسان ما لا يتوقعه من المفيد والمدهش. حين تقضي للمرة…

أوكازيون الكلام

السبت ٠٣ أغسطس ٢٠١٣

شهر رمضان، كغيره من المواسم والمناسبات، أصبح مجالا للتنافس في التصريحات بين كثير من الإدارات، فما إن تقترب بدايته حتى تنطلق إشارة السباق بين المسؤولين الذين تستهويهم المشاركة الدائمة في ماراثون التصريحات التي تتراوح بين التأكيد والجزم، أو الوعود القاطعة باستحداث خدمة جديدة أو تطوير خدمة قائمة، أو إنهاء مشكلة تتكرر أو التشديد على الالتزام بتعليمات قديمة لم يلتزم بها أحد، وعلى هذا المنوال، نشاهد تنافسا محموما تمتلئ به وسائل الإعلام يوحي للمجتمع بأن كل شيء سيكون على ما يرام، ليكتشف بعد الأيام الأولى من الشهر أن أوكازيون الكلام قد انتهى إلى أقل القليل مما قيل، أو إلى لا شيء. ولو حاولنا الرجوع إلى أرشيف التصريحات مع اقتراب رمضان خلال الأعوام الماضية لوجدنا أن الواقع يستنسخ نفسه كل مرة من حيث زحمة التصريحات، وكذلك يكرر نفسه من حيث عدم إنجاز ما تضمنته، فلا مشكلة ولا حرج لدى من يريد التصريح طالما أنه لا حساب على الكلام ولا متابعة أو «جردة» في نهاية موسم التصريحات لبحث أسباب عدم تنفيذها ومساءلة الذين أطلقوها عن تلك الأسباب. إننا، باستعراض سريع لعينة من تلك التصريحات على سبيل المثال وليس الحصر أو التخصيص أو التركيز المقصود على جهات بعينها دون أخرى، لوجدنا ــ مثلا ــ أن وزارة التجارة تعلو نبرة تصريحاتها قبل رمضان بأن أسعار…

القرضاوي .. سقوط القناع الأخير

الثلاثاء ٣٠ يوليو ٢٠١٣

تعليقا على حدث مهم استثمره الشيخ يوسف القرضاوي ذات مرة قريبة قلت: (إن الشيخ القرضاوي مثلما هو شخصية دينية فإنه أيضا شخصية سياسية تعرف جيدا ألاعيب السياسة وتمارسها بدهاء تحت غطاء الدين، ولا أحد يستطيع القول إن القرضاوي ليس لاعبا أساسيا مهما في ما حدث ويحدث في مصر بعد ثورة 25 يناير حتى وإن كان غير موجود بشكل مباشر في المؤسسة السياسية الرسمية، كما لا يمكن لأحد أن ينفي النفس السياسي في الحضور الديني للشيخ القرضاوي طوال السنوات الماضية عبر وسائل الإعلام). حين قلت ذلك فلأني دائما لا أشعر بارتياح لمن يوظف الديني في السياسي، ويتقلب في مواقفه وآرائه بحسب مقتضيات الظروف السياسية ممتطيا صهوة الدين ومحاولا تطويعه أو اعتسافه ليتسق مع توجهه، وليست هناك حاجة للتدليل على أن القرضاوي من أساطين هذا النوع الذي يتقنع بواجهة دينية تحاول التمويه على الوجه الإيديولوجي السياسي الانتهازي لفكر جماعة الإخوان المسلمين الذي أظهره بسفور شديد بعد ثورة يناير، وبسفور أشد بعد اعتلاء الإخوان سدة الحكم في مصر، ثم أصبح فاضحا بعد تمكن منظومتهم من الاستحواذ على السلطة في أكثر من بلد عربي لأن اللحظة التأريخية قد حانت لتحقيق حلم إدارة العالم العربي ومن بعده العالم الإسلامي، وطالما هو رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فإنه المخول مستقبلا ليكون ملهم العالم الإسلامي وزعيمه الروحي…

مزور في منصب مرموق

الإثنين ٢٩ يوليو ٢٠١٣

الخبر الذي نشرته بعض الصحف يوم السبت، وتعمدت «عكاظ» وضع إشارة له في أعلى صفحتها الأولى تقول «الإيقاع بـ5 وكلاء وزارات و620 موظفا حكوميا في حملة الشهادات المزورة»، لا بد أن يكون خبرا مزعجا وبالغ السوء وكفيلا بأن يصيب قارئه بالغثيان والاكتئاب، فإذا كنا قد اكتشفنا قبل فترة قائمة طويلة بأسماء أشخاص يحملون شهادات عليا وهمية ومزورة، بينهم شخصبات معروفة في أكثر من مجال، فإننا الآن نكتشف أن الفضيحة أو الجريمة وصلت إلى مستويات قيادية عليا تفرض طبيعتها رسم استراتيجيات واتخاذ قرارات تنفيذية هامة. وعندما يفترض المنطق أن المشبوه يفضل أن يمشي «جنب الحيط» خوفا من اكتشاف أمره، فإن هذا المنطق لم يعد صحيحا؛ لأن المشبوهين في هذا الوقت لم يعودوا يشعرون بالخوف، بل بالثقة التي تجعلهم يزاحمون على المراكز العليا والوظائف المرموقة. لقد وصف الخبر ما حدث بـ«الحملة»، وهذا الوصف يجعلنا بشكل تلقائي نتذكر حملات ضبط مخالفي أنظمة الإقامة والعمل، وحملات ضبط السلع الفاسدة، بل ربما ما هو أسوأ كحملات مداهمة أوكار المخدرات والفساد الأخلاقي. وكذلك فإن مفردة «الإيقاع» تذكرنا باستخدامها في أخبار القبض على زعماء العصابات الخطرة، والحقيقة أن أصحاب الشهادات المزورة في مثل تلك المناصب أخطر بكثير على المجتمع من زعماء العصابات؛ لأن بيدهم صلاحيات واسعة ومناط بهم مهام ومسؤوليات بالغة الأهمية. وإذا كانت الجهات التي شاركت…