محمد علوان
محمد علوان
كاتب سعودي

الابتسام والضريبة المضافة

الثلاثاء ١٣ فبراير ٢٠١٨

لم يكن المواطن السعودي بشكل عام يميل إلى اختراع النكتة أو الطرفة، فهو أقرب إلى الشخصية الجادة، وربما أن الشخصية المصرية منذ زمن بعيد كانت وما زالت حاضرة النكتة وجاهزة للتعليق على ما يحدث من شأن سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، بل إنّ روح السخرية هذه شكلت نمطاً واضحاً من المشاركة وتأسست أيضاً لتقدم الكاريكاتير في الصحافة والشعر الساخر والذي لا يزال في مصر الشقيقة يمثل نمطاً واضحاً لا تستغني عنه الصحافة والفن والإبداع. ومن جهة أخرى لا تستطيع الدولة كبح جماحه لأنه وجد ضالّته في (الميديا الجديدة) التي منحته منصّة يتحكم بها دون رقابة إلا إذا أُوقِف الشخص أو سجن، ومثل ذلك (الواتس أب) الذي يمتلك أداة تفريغ الشحنات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي ربما أن بعض الدول تتقبّلها بداعي معرفة الرأي الآخر وقياسه، هذا إذا توفّر للدولة - أي دولة - مراكز قياس الرأي العام. نعود إلى المواطن السعودي الذي حاول أن يكون مبتسماً وسط هذه الجدية الصارمة التي رسمت المواطن السعودي بطابعها، وحين نبحث في تاريخنا الحديث عمن يحسن صناعة الفكاهة أو النكتة لوجدناهم عموماً يعدّون على الأصابع في كل منطقة من بلادنا الواسعة، حتى فنّ الكاريكاتير الذي يعبّر عن الوجه الآخر لما يحدث صُبغَ بالنفسية السعودية، فلم أجد أحداً في العالم يرسم كاريكاتيراً عن مشروع وطني فيه…

ورحل.. زارع العنب

الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧

لم يكن حبيبنا أبو بكر سالم بلفقيه مجرد مطرب بل كان مبدعاً ومعلماً لكل من رافقه في حله وترحاله، وقد شرفت بصحبته سنين ممتدة منذ صافحت أغانيه أسماعنا وحفر بإبداعه لكل واحد قصة خاصة ومعنى يتجاوز الغناء إلى مرحلة الشغف، كان يصنع الصدق والكبرياء ينثر الحكمة والعشق الذي يصل إلى ذروته بكلمة راقية وحس يتجاوز الغناء الذي بلا معنى، ويحدد شأواً لا يصل إليه سواه، كان رحمه الله كريماً في عطائه، وكريماً في بيته المفتوح للأدباء والشعراء، ينشر العطاء والغناء، وكأن بيته قد أصبح ملاذاً للطير كانت ألحانه الشجية تحرض العصافير على الغناء، يعشق عائلته بشكل لا يصدق، وكانت دمعته قريبة تكاد تشعر بها رغم الابتسامة التي يحاول أن يغطي بها ذلك الحزن الخفي، والذي عالجها بفن راقٍ وكلمة تحمل برء ذلك الحزن، وتصل إلى قلوب محبيه أغنية تضفي الفرح، زرع المحبة في قلوب الناس والأصدقاء. الحديث عن هذه القامة لن تكفيه مثل هذه المساحة المتاحة لي وأنا واحد من أصدقائه ومحبيه، ولكن هذا أقل ما أقدمه لحبيب أسعد الجميع وأحبه الجميع دون استثناء، سنفتقدك لكن هذا التاريخ من الغناء سيذكرنا بك في كل نغم أبدعته. رحمك الله أبا أصيل والموت حق ساطع ونهاية محتومة. المصدر : الرياض

الغـربــاء

الثلاثاء ٠١ أغسطس ٢٠١٧

لمن يقضي الساعات الطويلة ليلا ونهارا في جمع المعلومة، بل ان الشهور والسنوات تمر. وهو لا يأبه الا لهذا العمل الذي نذر نفسه ووقتا ثمينا من حق زوجته وبناته واولاده، لكنه يميل الى هذا العمل الدؤوب، بل ويبحث عن الدقة في التفاصيل وهو يدرك ان الإبداع والفن في التفاصيل، هذا الرجل اسمه ( محمد حسن غريب ) ظل يكتب عن مدينة (رجال) ويبحث في تاريخها وحضارتها ومن سكنها من العائلات ، وطرق معيشتهم وتفاصيل جغرافية الارض وتاريخ إنسان هذه المدينة المعلقة بجبالها الشاهقة ، والذي يراها يشعر كأنما لا زالت تبوح بأسرار من سكنها وحزنهم وفرحهم واغنياتهم رجالا ونساء وهذه الجبال التي تردد صدى أغنياتهم بشجن يلتصق بالشجر والحجر والوديان المملوءة بصبابات العشاق ، نعود لهذا ( الغريب ) الذي لم يكتف بهذا الكتاب التاريخي الإنساني في ثلاثة مجلدات من القطع الكبير، بل انه نذر نفسه لنمط علمي آخر لا تقوم بإنجازه الا المؤسسات التي تمتلك الإمكانيات المادية والبشرية الا أنه وبجهد فردي أنجز ( موسوعة النباتات ) متحدثا عن وصفها واسمها العلمي وصورة فوتوغرافية لمعظم هذه النباتات في إصدار ضخم . وقد صادف ان تحدثت مع كاتب يمتلك مركزا لإصدارات الكتب والدراسات المتنوعة، وحدثته عن إنجاز هذا الرجل وبخاصة في موسوعة النباتات، وتحمس في تلك الليلة واشترط ان تكون…

عسيري من أصول فرنسية!

الثلاثاء ٢٥ يوليو ٢٠١٧

نعم .. عسيري من أصول فرنسية أبا وجدا، أحب الجنوب قبائل وبشرا كما لم يحبها أبناؤها الحقيقيون، ليس قدحا فيهم إلا أنهم لم يشعروا، أو لم يصلوا إلى هذا الحس الفني الذي تخبئه جبالهم وملابسهم، ووديانهم وهذه المزاهر التي تشكل فنا جميلا ومبتكرا يصل الإنسان، ويربطه بالأرض، ليكتشفوا مكانا فوق رؤوسهم وشعرهم الذي يتدلى فوق الأكتاف، كناية عن الشجاعة والخيلاء التي لا تملك منتهى. (تيري موجيه وزوجته دانييل) عشقا شيئا اسمه (تهامة قحطان) وأسطوريتها الموغلة في التاريخ، وعشقا (تهامة عسير) وقبائل يام، أصبح تيري وزوجته جزءا من هذه القبائل على اختلافاتها في كل شيء، وهذا يعني الثراء الإنساني الهائل الذي تملكه هذه القبائل وحياتها العفوية التي سلبت عقل وفؤاد (تيري موجيه وزوجته دانييل). وعقدا العزم على تقييد ذلك كله بالكتابة والصورة الفوتوغرافية، لتصدر لهم أربعة مؤلفات جميعها تتناول هذا الثراء الإنساني الذي لم تفطن إليه جامعاتنا المسورة، وسباتها البحثي الصفري؟؟ ولَم تتناوله أنديتنا (الأبدية) عفوا أقصد (الأدبية) ولو باستضافة، وعلى وجه الخصوص (نادي أبها الأدبي) حسب معرفتي. ليس هذا جلداً للذات، لكنه تقويم لها وتصحيح لمسارها في خدمة الناس والمجتمع وإلا فما جدواها. نعود للعسيري الفرنسي الذي توفي خلال الأسبوع المنصرم وترك إرثا من الصور وأربعة كتب كلها عن بدو الجنوب بلغة الصورة، ولغة المحبة، ولغة العشق الذي أمضياه هو…

الرأي.. لا يمثّل الضد

الثلاثاء ٠٤ يوليو ٢٠١٧

في الظروف الخانقة التي تمر بأي بلد نشاهد آراء مختلفة، بعضها تمليه المصلحة، والبعض الآخر تمليه (الفزعة) والتي ظننت لوهلة أن المجتمع قد تجاوزها منذ أمد بعيد، وفِي هذه الحفلة تسمع آراء متشابهة لا تعتمد على دراسة موثقة أو حتى تتبع للمشكلة من مختلف جوانبها ولا يقين يحمل مصداقية ولو في حدها الأدنى لكي تصل إلى المواطن ليعرف موقع قدميه خلال الأزمة. هنا يأتي تأثير الإعلام المخلص والصادق الذي ينفع الوطن والمواطن على حد سواء الدولة بحاجة إلى رؤية مخلصة مبنية على الحقائق والمعلومات، والتي تعين مُتَّخِذ القرار على الاختيار المتعدد، بل ويمنحه خيارات مختلفة. هناك فروق متباينة لمن يمتلك رؤية سياسية وأقصد بذلك (الكاتب) وبين المثقف الذي لا يحسن سوى عمقه الثقافي بجميع النواحي الثقافية. فهو غير ملزم بمشاركة لا يتقن أدواتها ويعرف دروبها الشائكة، هناك من الكتاب من يمتلك الحس التاريخي المرتكز على قراءة معمقة، ويستخلص من ثناياها التاريخية بحثاً أو مقالاً مقنعاً لأن هذا شأنه ومجال دراسته. ويماثله الكاتب السياسي الحقيقي، غير خبراء الشاشات الذين نادراً ما يملكون مصداقية أو وصولاً إلى ذهن المشاهد أو قلبه. حتى الكاريكتير إذا تجاوز فكرة المفارقة والتي هي أساس هذا الفن، يسقط في المباشرة التي تبعده عن الفن والمصداقية ومع ذلك يشارك هذا الفن الراقي للهبوط بدعوى المشاركة أو الفزعة. الذي…

الحصة السابعة

السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧

منذ زمن، لم نجتمع على وجبة الغداء، اكتشفت أن المرحلة الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية.. هي التي كانت تجمعنا ببناتنا وأبنائنا. وأذكر أن ابنتي (لميس) أطلقت على وجبة الغداء هذه اسم (الحصة السابعة) التي لا بد من تواجد الجميع بلا استثناء. حين خرج الجميع إلى الجامعة.. لم نجتمع في الحصة السابعة، لاختلاف المواقيت، لكن ظل البيت هو الرمز والملاذ الذي يمكن الابتعاد عنه لبرهة، لكنه لا يُجرأ على هجره أو الابتعاد عنه. لكن ذلك بدا كمؤشر جديد، حيث بدأ الابتعاد يأخذ مساراً جديداً، وطال الابتعاد عن البيت وتسارع الخروج منه. كان الألم ينتشر قليلاً قليلاً، يمنحني أنا وسيدة البيت شعوراً بالوحدة. بعد عمر موغل في كل شيء، بدأت تجابهنا مشاكل مع الأشجار.. تلك التي أحببناها، بل أطلقنا أسماء البنات والأبناء عليها. لكن الأشجار بدأت بالإيذاء، معقول؟ نعم! قررنا أن نجتمع، ولأول مرة منذ فترة بعيدة ونعيد (الحصة السابعة). لكن هذه الوهلة كانت ضد الأشجار. الكثير من الحاضرين، غالبهم الدمع، قلت لهم: أنا ضد اغتيال الأشجار، لكن الأشجار ستهدم البيت الذي بنيناه! المصدر: الرياض

طيران.. الخليل!!

الثلاثاء ٢٨ مارس ٢٠١٧

أم الركب، موقع في جنوب القلب، جنوب الوطن أخذ هذا المسمى، لصعوبة صعوده سابقا، وهو لا يختلف عن الجبال المحيطة به إلا عندما حطت به طائرة ضخمة، أدخلت في قلوب الناس الريبة والتساؤل، ونتج عن كل ذلك قصص عجيبة وخيالات تفوق الوصف. انقلب ذلك المكان الموحش إلى مقصد للناس رجالا ونساء.. ونشأت على جانبيه حركة بيع وشراء، ثم ما لبثت العروض الموسيقية، والمسرحية والفنون التشكيلية تعرض ما لديها دون خوف أو تفسير مسبق. هذه الطائرة التي تجمع الناس حولها، يشاهدون من آن لآخر حركة داخلها، إلا أنها غير واضحة ولا جلية، ومن هنا تنبت القصص والرقاب تتحرك لترصد رؤية وجه داخل الطائرة اللغز والتي بثت في (أم الركب) حركة غير معتادة، فارتفعت أسعار الأراضي؟ أحدهم يحادث جاره وهو ذو لحية ناشئة: آمل ألا يكون هناك اختلاط داخل هذه الطائرة؟ قال الذي بجانبه: الشيء الطبيعي أن يكون هناك اختلاط.. إلا إذا اقترحت أن يكون موقع المرأة على جناح الطائرة، وهذا مستحيل، نظر ذو اللحية الناشئة شزرا، وانفتل يبحث عن زبون آخر. قال قائل: إن الشك يراودني.. يلتفت يمنة ويسرة.. ثم يخفض صوته: أشك أنها الطائرة الماليزية المفقودة، لكن أحدهم صحح معلومته بأنها طائرة سعودية، عاود التشكيك قائلا: ربما كان ذلك من باب التمويه!! كثر الجدل حول هوية الطائرة، وأصبح لغز الطائرة…

حين لا تشاركك إلا الوحدة

السبت ٠٥ مارس ٢٠١٦

ذهبتَ بعيدا ولم تفكر لوهلة أن تعود وكأن الذهاب رحلة مبتغاة.. وحين شاهدتَ عن كَثبٍ عينيها التي تضم صورتَك.. لم يساورك شكٌ في المحبة.. كنت تبتسم لها.. تطيّب خاطرها.. تروي لها قصصا تروق لها وحكاياتٍ تهدّي خاطرها، تروي لها ذكرياتٍ ترطّب لها قسوة العمر وحسرة الأيام... تدرك كم تعاني من ألمٍ وحزن إلا أنك تغتصب البسمة التي تدرك مدى رماديتها، إلا أنه قلب الأم الذي يمنح اللون الرمادي لونا مبهجا يرتدّ لك.. تأنس للحظة رغم ما تعانيه من ألمٍ مرعبٍ في جسدك يقتات في كل لحظة.. وأنت تدرك ذلك إلا أن قلبك لا يشاهد سوى وجهها الذي قبّلك آلاف المرات.. وها أنت تحاول أن تردّ له قبلة واحدة. أتذكر عندما لبستَ ذلك الطوق من الأزهار، وكأنك تستعيد يوم ولادتك، كنت أشبه بملاك يحمل هالة لكنّها صادقة نظمتها يدٌ من أزهار الوطن.. الملاك فكرة.. والهالة فكرة.. وأنت واقع. ذهبتَ إلى المداوي على غفلة الجميع تسأله عن حالك... حين عرفتَ الحقيقة طويتَ ذلك عبر ابتسامة لا تراها سوى هذه الأم علّها تطمئن ليساورك الفرح المخبوء فقط عندما تدرك أنها راضية عنك.. وكأن كلمات "المداوي" خدعةٌ تمنحك قدرةً على الابتسام لوجه من تحب... كأنّ وجهك المضيء يمنح أهلك رغم معرفة المآل فرصةً من أمل.. ومسافةً من حلم. ذهبتَ بعيداً عن ألمِك لكنّه يتقن…