محمد شحرور
محمد شحرور
مفكر إسلامي كاتب سوري

كل عام وأنتم بخير

الجمعة ٠٤ يناير ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست : منذ أيام ابتدأ عام جديد، وسادت الاحتفالات في العالم لاستقباله، على أمل أن تتحقق الأمنيات خلاله، واحتفلنا نحن العرب أيضاً وأملنا كغيرنا أن يحمل العام الجديد السلام والخير لبلادنا وأهلنا. لكن الاحتفالات على اختلاف حجمها، تلقى دائماً بعضاً من الرفض لأسباب عديدة، أولها فيما يخصنا هو "الحرام"، وفي حالة العام الميلادي فالحرام يغلف الاحتفال من كل جوانبه، على اعتبار أنه مناسبة تخص المسيحيين ولا تخصنا، وأن التقويم الغربي لا يعنينا، عدا عن أن الفرح في ثقافتنا أمر منبوذ. والتقويم الغربي هو تقويم اعتباري لرأس السنة، يعرّف العام بأنه دورة كاملة للأرض حول الشمس، تعتمده أغلب دول العالم، ونحن المسلمين المؤمنين بالرسالة المحمدية، نعيش منتشرين في أصقاع الأرض، كغيرنا من الناس، نؤرخ بما يؤرخ الناس حولنا ونعد سنين عمرنا كما يعدون، لا يمكننا أن ننفصل عنهم في شؤون حياتنا اليومية، ولا يفترض بنا ذلك، لنا تقويم هجري معتمد نحتفل ببدايته وكل ما يتبعها من مناسبات خاصة بنا، أما تعاملاتنا في المدارس والجامعات والمراسلات والعلاقات الخارجية والاقتصادية فتتطلب اعتماد ما يسهل أمور حياتنا، دون أن نرتكب "حراماً"، وهذا يجرنا إلى مواضيع متشعبة عدة، منها أن الحرام شمولي أبدي بيد الله وحده، لا يزيد ولا ينقض، وتختصره محرمات محدودة معدودة لا تتجاوز الأربعة عشر، تتعلق بتعاملنا مع الغير،…

كيف سنخرج من المستنقع؟

الأحد ٢٣ ديسمبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : خلق الله الكون ووضع قوانينه وترك للإنسان القضاء في الموجودات ضمن هذه القوانين وتماشياً مع المعرفة، فكلما زادت معرفته زاد قضاؤه، دون أن تتغير قوانين الوجود، فقانون الجاذبية مثلاَ لا يمكن أن يتبدل، وسقوط طفل وعجوز من شاهق إلى الأرض سيؤدي إلى النتيجة ذاتها، ومن القوانين الأساسية لهذا الكون قانون التغير، فلا ثابت إلا الله، وضمن هذا القانون تسير الإنسانية إلى الأمام، وتتقدم يوماً بعد يوم، فالطب اليوم لا يقارن بما كان عليه قبل مائة عام، والتكنولوجيا حدث ولاحرج، ورغم ما يراه البعض إنحلالاً أخلاقياً إلا أن القيم الإنسانية ما زالت ترقى وإن بنسب متفاوتة بين مجتمع وآخر. وإن كنا كأمة نحاول اللحاق بركب الحضارة، عبر استهلاك آخر منتجاتها على جميع الأصعدة، إلا أننا فكرياً ما زلنا نعيش في الماضي، نتغنى بأمجاد زالت، ونناقش أحقية زيد أم عمرو بالخلافة، ونتحزب لهذا أو ذاك، ونتجادل في مدى صحة معايدة النصارى، فلا وقت لدينا لاكتساب المعرفة ولا يهمنا القضاء في الموجودات، وكلنا ثقة بأن الله قد سخر لنا "الكفار" ليخترعوا ويكتشفوا ما يفيدنا بينما نحن نيام، فنحن أمة عصية على التغيير، ومجتمعاتنا قروية بامتياز، لا بالمعنى الجغرافي للقرية، إنما بالمفهوم الاجتماعي ذي اللون الواحد الثابت، لا نقبل التعددية ولا الاختلاف ولا تجاوز ما كان عليه آباؤنا، ولا…

مسلمات في الكونجرس

الثلاثاء ٠٤ ديسمبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : لا يسع المرء إلا أن يشعر بالسعادة لسماعه خبر وصول سيدتين "مسلمتين" إلى مقاعد مجلس النواب في بلد كالولايات المتحدة الأميركية، لا سيما أن إحداهما من أصول فلسطينية والأخرى بدأت حياتها كلاجئة في تلك البلاد، وما يحمل هذا الأمر من رد اعتبار بشكل أو بآخر لكثير ممن ينتمون إلى المضطهدين حول العالم. وإذ نتميز نحن العرب بالإنفعال والعاطفية، جيّر الكثيرون ما حصل وكأنه نصر للإسلام والمسلمين، في عقر "دار الكفر"، وكأن أمور المسلمين في ديارهم على خير وجه، ولم يبق سوى أن يضعوا موطأ قدم في برلمانات غيرهم لينتصروا، وكأني بهم يتناسون أن ما حصل هو انتصار لمبادىء الديمقراطية من حرية المعتقد وفصل الدين عن الدولة وفصل السلطات، مما يحاربه الإسلام الموروث بكل ما أوتي من قوة، فهذه المبادىء سمحت للمسلمة أن تنال حقوقها كغيرها بغض النظر عما تؤمن به وكيف تؤدي صلواتها وما ترتدي، وبغض النظر عن أصولها سواء عربية أم أفريقية أم غيرها، ناهيك بالطبع عن الجنس، فهل لنا بالمقارنة مع عالمنا العربي أم من الأفضل لنا غض الطرف والاكتفاء بالمراقبة فقط؟ والمفارقة في ما نحن عليه هو تبادل الأدوار، فدورنا نحن المسلمين أتباع الرسالة المحمدية أن نفعل ما جاء في رسالتنا من رحمة للإنسانية وخاتمية وعالمية، حمل فيها رسولنا الكريم مبادىء الحرية…

ولد الهدى فالكائنات ضياء

الإثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : ولد الهدى فالكائنات ضياء، لم يبتعد أمير الشعراء عن الحقيقة كثيراً، إذ ربما لم يأت الهدى إلينا بشكل دقيق مع ولادة محمد رسول الله (ص)، لكنه جاء مع بعثته، فالقرآن هدى للناس جميعاً، بلغه لنا نبينا الكريم، بما فيه من بينات تصدق على الرسالة التي حملها التنزيل الحكيم، وإذا كنا لسنا متفقين على صحة التقويم الهجري المعتمد، ولا متأكدين من تاريخ ولادة الرسول تماماً، لكن ما نعرفه أن محمد (ص) أحدث قفزة نوعية في خط سير التاريخ، لا يمكن تجاهلها. فالرسول الكريم بلّغ الرسالة كما وصلته، بكل أمانة، وفرض على أتباعه الشعائر التي تقربهم إلى الله تعالى، وشرّع لمجتمعه كتطبيق أول للرسالة مع الواقع، وهنا كانت القفزة النوعية، إذ وضع أسساً لم تصلها الإنسانية إلا بعد مئات السنين، وأولها المساواة، فالناس جميعاً سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، وهذه التقوى تنعكس في العمل الصالح، وبالتالي فإن المجتمع يحوي كل الملل والإثنيات والقوميات تحت مظلة واحدة تلخصها {لا إله إلا الله} فلا واحد إلا هو، وكل ما عداه متعدد مختلف، والناس أحرار فلا إكراه في الدين، ولا عبودية لأحد، فالخلق كلهم عباد الله، والعبادية تختلف عن العبودية، ومن ثم تم إلغاء الرق عن طريق تجفيف منابعه وتصريف الموجود، وتقديم البديل عبر نظام…

رسالة رحمة لا رسالة إرهاب

الثلاثاء ٠٦ نوفمبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : بالأمس أقدم مسلحون على إطلاق النار على باص فيه زوار أقباط لأحد الأديرة في صعيد مصر، ولا نعلم كيف يمكن لإنسان الاقتناع أن الله راض عن مرتكبي هذه الجريمة، وبغض النظر عمن تبناها وعن نظريات المؤامرة التي تملأ الأدمغة، فمن الضرورة بمكان مراجعة الحيثيات التي دفعت المجرمين للإقدام على فعلتهم سيما وأنها ارتكبت باسم الإسلام، ضمن سلسلة يبدو أنها لن تتوقف طالما أن المناهل التي نهل منها هؤلاء ما زالت موجودة. ويبدو واضحاً للعيان أننا نحتاج لامتلاك الجرأة على الاعتراف بأن ثقافتنا الموروثة تحمل في طياتها مسؤولية لا يستهان بها، تلك الثقافة التي لاتقبل الآخر المختلف، وتبيح قتله في أحيان كثيرة، إن لم تحض على ذلك، وما زالت أفكارها هذه تدرس في المعاهد وكليات العلوم الشرعية، وتنتشر على وسائل التواصل المتعددة، بخطب الأئمة والشيوخ، فتكفّر هذا وتذم ذاك. فإذا عدنا للتنزيل الحكيم وجدنا أن الإسلام هو الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر، واقتران هذا الإيمان بالعمل الصالح، فمن حقق هذه الشروط قبل تحت مظلة الإسلام، بغض النظر عن ملته، ومن لم يحققها حسابه على الله يوم القيامة، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون 6)،وقتل النفس حرام حرمة مضاعفة، ومن قتلها كأنما قتل الناس جميعاً {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ…

القابض على الجمر

الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  يتناقل المسلمون المؤمنون برسالة محمد (ص) حديث "يأتي زمان على أمتي فيه القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر"، والناظر بحالنا اليوم لا يحتاج نفاذ البصيرة لرؤية صحة هذا القول، فيما يخص "أمته" عليه الصلاة والسلام، بغض النظر عن مدى مطابقة الحديث لشروط الجرح والتعديل والعنعنة، وعن كونه لا يعلم الغيب ولم يدع ذلك. لكن ما يثير التساؤال ويبقى مدعاة للتوقف والبحث هو ماهية هذا الدين المقصود، وهو الإسلام بلا شك، إذ ثمة ملابسات عدة تدخل في المشهد العام، فإسلام التنزيل الحكيم مختلف تماماً عن تلك الكرة الثلجية التي تدحرجت طويلاً على أرضية من الأعراف والتقاليد فعلق بها من الشوائب ما جعلها تفقد خواصها وتصبح ديناً آخر هجين لا يشبه الأصل بل هو مسخ مشوه، يخاف منه الغرباء، ويألفه الأقرباء لأنهم وجدوه في حياتهم كما حياة آبائهم فاعتادوه، وتماهوا معه حتى أصبحوا يدافعوا عن شوائبه، بدل إزالتها. فالثقافة الإسلامية الرائجة تحكم غالباً على الشكل دون المضمون، فيقيّم تدين المجتمع وفق لباس نسائه، ما بين نقاب يرى فيه البعض من ركائز الإسلام، وبين غطاء رأس بالنسبة للبعض الآخر يضاهي في أهميته ارتكاب الفاحشة، كنكاح المحارم مثلاً، بينما لا ترقى شهادة الزور في أحيان كثيرة لتصل تلك الأهمية، وقد ترى بعض الجماعات أن للرجل لباس شرعي يحتم…

“فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ”

الأربعاء ٠٣ أكتوبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : تأتي أهمية التنزيل الحكيم لمن يؤمن به، من كونه كتاب جمع بين رسالة مرنة يصدق عليها قرآن يقرن قوانين الكون مع أحداث التاريخ، في تداخل متقن يشابه إلى حد كبير تداخل وظائف أعضاء جسم الإنسان، حيث الناموس ذاته والخالق واحد. ويأتي سرد القصص القرآني ليشكل حيزاً كبيراً من الكتاب، لا بهدف تسلية الرسول (ص)، ولا لرفد المناهج المدرسية بمواضيع تغني موادها، بل ليقدم لنا خطوطاً عريضة تلخص قوانين التاريخ، وتبين لنا خط سير الإنسانية تدريجياً في ابتعادها عن المملكة الحيوانية، ومن ثم استخلاص العبر{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف 111). ومن بين شخصيات القصص يأخذ إبراهيم عليه السلام مكانة مميزة، إذ دعانا الله تعالى لاتباع ملته الحنيفية {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 161)، وتنبع أهمية مكانته من كونه رسخ مبدأ التجريد في التقرب من الله بدلاً من التشخيص، ولم يتوصل إبراهيم للإيمان بالله إلا بعد أن بدأ رحلة تفكير طويلة من الشك إلى اليقين، لجأ عبرها إلى اتباع الاستقراء العلمي، فراقب ظواهر الطبيعة ولم يقنعه أفول ما ظن أنها آلهته، حتى توصل إلى الله، لكن…

مقدر أم مكتوب؟

الأربعاء ٠٥ سبتمبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : يشكل الإيمان ب "القضاء والقدر خيره وشره" ركناً من أركان الإيمان في الثقافة الإسلامية الموروثة، ولطالما أعطى هذا الإيمان راحة نفسية للمؤمنين أمام ما صادفهم من محن ومصائب، ردوها إلى القضاء والقدر، ومن ثم إرادة الله ومشيئته، وبالتالي لا حول ولا قوة لهم، وكل ما عليهم هو الاستكانة والدعاء لله أن يتلطف بقضائه. ووفق هذه الرؤية أصبح الله تعالى مسؤولاً عن ولادة طفل معاق لهذه العائلة، ومرض رب الأسرة في تلك، وحريق منزل زيد، وخسارة أموال عمرو، وألحقت به كل الكوارث، فإذا أصابت قوماً مؤمنين كانت امتحاناً وإن كانوا كافرين باتت عقاباً، وفي الحالتين فهي "قدر ومكتوب"، وما هو "مكتوب" لن نستطيع تغييره ولا خيار لنا فيه، أما الحساب فهو على أساس أن ما أقدمنا عليه لم نكن نعلم أنه "مكتوب" لكننا اخترناه، وبالتالي سنحاسب عليه، والسؤال الذي لا يجد جواباً هنا هو: "هل الله تعالى يهوى عذابنا كي يختار لإنسان ما أن يكون قاتلاً ثم يعاقبه في الآخرة؟" إنه لعمري إجحاف بحق الله لا يليق بجلاله وعظمته وعدالته التي وعدنا بها. ورب قائل: وهل تكذب قوله تعالى {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَاهُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة 51) ونقول "حاشا لله"، لكن الالتباس يكمن في فهم معنى "كتب"، وهو جدير…

المرأة وحقوقها

الثلاثاء ٠٧ أغسطس ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  بعد جهد لعشرين عام ونيف صدر كتابي الأول "الكتاب والقرآن" في عام 1990، ولاقى وما زال هجوماً شديداً من "رجال الدين"، وأقسم بعضهم أن مؤلفيه هم مجموعة من اليهود الصهاينة الذين يريدون تخريب الإسلام من داخله، والذين لم يجدوا طريقة لنشره سوى أن أتبناه وأنشره باسمي، ولا أعرف السبب الذي دعاهم لاختيار دكتور مهندس رغم وجود عشرات الآلاف من خريجي العلم الشرعي، وكنت قد آليت على نفسي ألا أضيع وقتي بالرد، وأن أمضي قدماً واضعاً نصب عيني قوله تعالى {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (الرعد 17)، لكن ما كان وما زال يلفت انتباهي أن معظم ما قدمته لا يلقى اعتراضاً فجاً إلا حين يقترب من المرأة، إذ يمكن أحياناً التغاضي عن الكثير من الأساسيات التي وجد الناس عليها آباءهم واستمرأوها، طالما أن أحداً لن يجبرهم على تغيير قناعاتهم، لكن ما أن تقترب من موضوع المرأة حتى تثار حفيظة الصامتين، وكل الأمور قد تقبل النقاش ما عدا هذا القالب المصبوب على قياس مجتمعات ذكورية، لا يناسبها انكساره، وفجأة تصبح المرأة هي نصف المجتمع وصلاحه من صلاحها، وتغدو الجوهرة الثمينة التي يجب حفظها كما الحلوى من الذباب، على أن يبقى الذكر هو المسؤول عنها والقيّم عليها، كأي متاع في بيته. وكي…

لنبدأ بأنفسنا

الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : ينشغل الناس في عالمنا العربي بأمور حياتهم اليومية، ولا يكاد معظمهم يشعر بالمشكلة التي نعاني منها على صعيد العقل الجمعي، كمسلمين من كل الملل والطوائف، ولا يرى المسلمون المؤمنون بالرسالة المحمدية أي ضرورة لتصحيح ما رسخ في أذهانهم من أفكار نشأوا عليها، ويريحهم أن يستكينوا لاعتقادهم بأنهم "خير أمة أخرجت للناس" وأن ماضيهم التليد يشفع لهم بأن يخرجوا من ركب الحضارة، ويأبى أغلبهم الاعتراف بأن رؤيتهم للإسلام مغلوطة وأن هذه الرؤية تحتاج إلى تصحيح، وتبقى نظرية المؤامرة حاضرة لتحمل مسؤولية كل ما يجري باسم الإسلام، ويتنصل أي منهم من هذه المسؤولية. ويطرح الكثيرون سؤالاً يتلخص بجدوى معرفة إن كان آدم قد سكن الأرض وحده أم معه أحد آخر، أو هل فرعون أسلم أم لم يسلم، فلا حاجة لنا لتدبر كتاب الله، وهناك من فسره منذ قرون وأعطانا الزبدة، وهو "بالتأكيد" أجدرمنا، ونحن نعلم أن رسولنا جاء بمكارم الأخلاق ونقوم بما يمليه علينا ديننا من صلاة وصيام وزكاة وحج، فلماذا كل هذه التعقيدات؟ وإن احتاج أحدنا لفتوى ما لن تعييه السبل لإيجادها، ثم لماذا نحمل وزر تخلفنا إذا لم يأت الزعيم الذي يمكنه قيادتنا نحو النهضة؟ ولا غرابة في كل هذه الأسئلة، فالفردية التي اعتدناها تجعلنا لا نشعر بالكارثة إذا لم يمسسنا أذاها بشكل شخصي، وعندما…

هذا ما وجدنا عليه آباءنا

السبت ٢٣ يونيو ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : يظن الكثيرون أن الشرك بالله يقتصر على الاعتقاد بوجود إله ثانٍ غير الله، أو آلهة متعددة، ويرتاح بالهم من هذه الناحية فيطمئنوا إلى أنهم لم ولن يشركوا، لا سيما أن الشرك ذنب عظيم. وإذا كان الشق الثاني صحيحاً مائة بالمائة بموجب ما جاء في التنزيل الحكيم، فإن الشق الأول غير صحيح، والشرك بالله له وجوه عدة، أكثرها رواجاً وانتشاراً هو شرك الثبات والآبائية، إذ من الصعوبة بمكان أن يخرج الناس عما وجدوا عليه آباءهم، وما نشأووا عليه، بل على العكس تراهم يتمسكون دون أدنى تفكير بكل ما اعتادوا عليه، دون التوقف لمجرد التفكير في أصل هذا الفعل أو ذاك، تماماَ كما في تجربة القرود الخمسة في الامتثال الاجتماعي، حيث يدافع القردة عما وجدوا عليه أنفسهم دون معرفة السبب. ونحن كمسلمين من أمة محمد، وجدنا آباءنا على دين الفقهاء، يقدسون الشافعي وأبا حنيفة وجعفر الصادق والبخاري ومسلم وابن تيمية، ويعتبرون خير القرون هو القرن السابع الميلادي وبعده يتقلص الخير تدريجياً، واعتبرنا أن ما قام به رجالات ذاك القرن ثم الذي يليه هم خير منا، وأن فهمهم للإسلام هو عين الإسلام، فقدسنا هؤلاء الرجال وما خطوّه وما فهموه ونسينا كتاب الله، وتضاءل اهتمامنا بفهم التنزيل الحكيم على اعتبار أن فهمنا لا يمكنه أن يرقى ليعلو عما وصل…

النهضة وما آلت إليه

الثلاثاء ٠٨ مايو ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : لم يخطر في بال رجالات النهضة العربية الذين حملوا لواءها منذ قرنين أنها ستبقى حلماً على يافطات المؤتمرات والمنتديات، وأن ما حققوه في حينه سيراوح مكانه إن لم يتقهقر متراجعاً أمام سطوة الاستبداد بمختلف أشكاله، وكل الأهداف التي نادوا بها ما زالت أهدافاً في يومنا هذا، وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت أن ما أنجزوه قد تبدد، فلا نحن رواد في جامعاتنا، وتكاد نسبة القراءة والترجمة والتأليف تلامس أدنى المستويات، ولا نحن رواد في صناعاتنا واقتصادنا، ولم تتحقق أي من الإصلاحات التي طمحوا إليها، ناهيك عن أن الاستعمار أصبح شماعة نعلق عليها كل مآلاتنا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل سنبقى نجتر في شعارات لا تغني ولا تسمن من جوع؟ وما هو الطريق إلى النهضة على أرض الواقع؟ قد يكون من الإجحاف أن نضع اللوم كله على إرثنا الثقافي، لكنه للأسف يحمل جل المسؤولية، فنحن كشعوب عربية، بما يحمله هذا الانتماء إلى الأرض، لم نع الحرية كقيمة، إذ تكبلنا أمورلا حصر لها منذ ألف ومئتي عام حتى الآن، وثقافة العبودية لا يمكنها أن تنهض، فقد ترسخت في أذهاننا ثقافة الحرام والممنوع، وتشكل العقل العربي على أساس أن كل ما حوله ممنوع إلا الاستثناء، وبالتالي ظل مقيداً، وظل الحجاب والموسيقى وإطلاق اللحية أو حلقها أهم بالنسبة…