محمد شحرور
محمد شحرور
مفكر إسلامي كاتب سوري

عيد الحب

السبت ١٧ فبراير ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  مضى منذ أيام ما يسمى "عيد الحب" وتناولته مجتمعاتنا بقدر كبير من الاهتمام، يتجاوز ما هو عليه الحال في مجتمعات أخرى، ما بين مستهجن ومعاد من جهة ومحتفل من جهة ثانية. والاستهجان ينطلق غالباً من خلفية دينية على اعتبار أن هذه الأعياد "للكفار" وأنها تشبه بالغرب، ودخيلة على مجتمعاتنا، الهدف منها التشجيع على ارتكاب الفواحش، ويدخل الاحتفال بها ضمن "البدع"، لنصل إلى أن "كل بدعة كفر" وبالتالي يصبح كل من اشترى وردة أو ارتدى اللون الأحمر في هذا اليوم قد دخل في دائرة الحرام. ووفق ما أعلم فإن "عيد الحب" هو عيد القديس "فالنتاين" الذي عمد إلى تزويج الجنود سراً بعد أن منعهم الإمبراطور من الزواج، وأجد في هذا عملاً نبيلاً في كل العصور والأمكنة، ولا أرى في مبالغة مجتمعاتنا بالاحتفالات أحياناً سوى انعكاس لمدى حاجتها للخروج من القوالب التي أغلقت عليها خلال قرون عدة، لتعاني اليوم من مخاض البحث عن هويتها في كل المجالات، بعد أن تقهقرت الشعارات القومية والوطنية، واصطدمت القناعات الدينية بجدار طالما تخفى تحت ستار الوسطية والاعتدال ليكشف وجهاً مظلماً عرّته داعش ومن لف لفها، ناهيك عن حجم المآسي التي تتعرض لها شعوبنا من قتل ودمار وتشرد، بحيث أصبحت تبحث عن  وميض من فرح في لجة كل هذا العتم. وقد يكون…

الإسلام وخيارات الإنسان

الخميس ٠٨ فبراير ٢٠١٨

خاص لـ (هات بوست) اختصرت الثقافة الإسلامية الموروثة الإسلام بخمسة أركان، تبدأ بالاعتراف بوحدانية الله ورسالة محمد، وتختص الأربعة الأخر بالشعائر، بحيث يضمن أداؤها للمسلم دخول الجنة، ويتكفل الركن الأول بدخول غير المسلم النار، ولا يكمن الأثر السلبي لهذا الانحراف في تعريف الإسلام بمدى اعترافه بالآخر المختلف وعلاقته به، بل يتعداه إلى تشويه الرسالة المحمدية ومسخها، بحيث اختفت أهم خواصها وهي الرحمة والخاتمية والعالمية، لتحل محلها رسالة أخرى لا تمت لما أنزل على محمد (ص) بصلة. وكون الرسالة المحمدية هي الخاتم فلا بد لها أن تحمل ما يكفي الإنسانية لإكمال مسيرتها دونما رسالات، ومن يتدبر التنزيل الحكيم ملقياً عن كاهله ما حمله من أفكار مسبقة عن الإسلام، يجد أن الله تعالى قد وضع كتاباً يحتوي على إجابة عن أسئلة الفلسفة الكبرى، وقوانين في فلسفة التاريخ، قوامها "لا إله إلا الله"، فالوحدانية لله فقط وهو "الصمد" وكل ما عداه مختلف متبدل، وهذا الاختلاف يحتم على الناس قبول بعضهم البعض، للعيش سوية على هذه الأرض، حيث كل أحادي غير الله زائل لا محالة، والبقاء للتعددية والاختلاف. والله تعالى إذ اصطفى آدم ليكون مؤهلاً للخلافة على الأرض، زوده بنفخة الروح، فأصبح من خلالها إنساناً يملك حريته، وأهّل له ما في الكون لينسجم مع هذه الحرية، فجعل كل ما أمامه ضمن خيارات {وَكُلَّ شَيْءٍ…

ما هو الإسلام؟

الأحد ٢١ يناير ٢٠١٨

حصريا لـ هات بوست :  يعتقد المسلمون من أتباع محمد (ص) أنهم الوحيدون الذي يسيرون على الطريق الصحيح، وأن لهم الجنة، ويعتقد أتباع المسيح مثل ذلك، واليهود أيضاً،وينطبق هذا على أتباع كل الملل والأديان، فكل يقتنع أنه يمتلك الحقيقة دون غيره، وتتفاوت القناعة بين معتقد وآخر، وفرد وآخر، بين أن أختلف معك وأتركك في شأنك وأنا واثق أنك على خطأ، أو أن أختلف معك وأدعو لقتلك إن سمحت الظروف، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أين إسلام التنزيل الحكيم من هذا؟ فالإسلام الذي رسخ في أذهاننا، ولقنّاه لأبنائنا كما تلقيناه من آبائنا ومدارسنا وكتبنا هو ذو الأركان الخمسة، يسبقه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقضاء والقدر خيره وشره، وعليه أصبح كل من لا يقيم الصلاة أو لا يصوم في رمضان "كافراً" خارج الإسلام، لا تجوز الصلاة عليه ولا دفنه في مقابر المسلمين، حتى لو شهد أن "محمداً رسول الله"، وبانتظاره جهنم وبئس المصير، ومن باب أولى أن تكون بانتظار من لا يؤمن بمحمد أصلاً. ولا يحتاج الإنسان إلا قليلاً من الجرأة ليسأل أين الرحمة للعالمين في ما سبق؟ إذ من غير المنطقي أن الله الذي وسعت رحمته كل شيء خلق الناس ليعذبهم وليجدوا ما عملوا من الصالحات هباءً منثورا، لكن إذا بحثت في التنزيل الحكيم لن يلبث هذا التساؤل أن…

التنزيل الحكيم والناسخ والمنسوخ

الأحد ٠٧ يناير ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : يعتبر التنزيل الحكيم كتاب "المسلمين" الذي أرسله الله لهم، ولا يقبلون بالطبع ما يشكك بقدسيته، ويعادون أي طرح يضعه تحت مجهر التمحيص أو البحث، حتى أنهم لا يمسون الورق الذي طبع عليه ما لم يكونوا بكامل طهرهم، ويزينون بنسخه مكتبات بيوتهم، ويتفاخرون بتوزيعه في الأفراح والأحزان، وقد تبدو هذه الأمور كلها محمودة، علماً أن وضعه موضع التمحيص لا يقلل من شأنه بل على العكس يثبت مصداقيته، لكن كل هذا التكريم الشكلي الذي يعبر عن احترامهم لهذا الكتاب،يتناقض مع اعتمادهم قواعد وعلوم تشكل الحجر الأساس للفقه الموروث برمته، كأطروحة الناسخ والمنسوخ مثلاً، أو "علم أسباب النزول". فالمسلمون لا يجدون حرجاً في اعتبار أن الله تعالى قد بدل رأيه (حاشاه) وأعطاهم في كتاب واحد حكم ونقيضه، إذ يرون مثلاً أن قوله تعالى {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 106) أو قوله {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} (النساء 92) قد نسختهما الآية {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (التوبة 5)، وبالتالي بموجب فهم مغلوط وعم تمييز بين النبأ والخبر وبين القصص القرآني التاريخي والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، حولوا رسالة الرحمة إلى رسالة قتل وذبح، والأمثلة كثيرة، ولم يجدوا حرجاً في القول أن هناك آيات برمتها…

التشريع بين الفقه والتنزيل الحكيم

الأربعاء ٢٠ ديسمبر ٢٠١٧

خاص لـ هات بوست : ينص الدستور في معظم الدول العربية على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع"، عدا عن أن "دين الدولة الإسلام" أو "دين رئيس الجمهورية الإسلام" في حالات عدة، وتعتمد "الشريعة الإسلامية" بدورها على مصادر أربعة هي كما وردت في الفقه: القرآن الكريم - السنة - الإجماع – القياس. واعتبر "المسلمون" على مدى عقود من تاريخ إنشاء الدستور في دولهم أن هذا حق طبيعي بصفتهم الأكثرية، فالإسلام بالنسبة لهم هوية في ظل التباس شاب تحديد هذه الهوية ما بين الوطن والقومية والأمة، ومن ثم فإن اعترافه بأركان الإسلام الخمسة "المزعومة" تحدد أهلية الفرد لاعتلائه أعلى منصب في الدولة، ولا أهمية هنا للمرجعية الأخلاقية، واعتمدت القوانين لا سيما في الأحوال الشخصية والجنايات على أحكام "الفقه الإسلامي" وألزم بالتالي الناس على التعامل مع ما رأه الشافعي أو أبو حنيفة مناسباً لمجتمع العصر العباسي، كرهاً أو طواعية، فحتى من شعر بالظلم فإن "الله" قد أراد ذلك، ولا يملك اعتراضاً أمام حكم الله. فإذا عدنا للتنزيل الحكيم وجدنا بداية أن {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة 256) والإكراه عادة بيد من يملك أداته، وهو السلطة، و "لا" نافية للجنس، أي لا سلطة للدين، وحكم الله هو محرماته التي تشكل القيم الأخلاقية المتراكمة عبر آلاف السنين من تطور الإنسانية، ابتداءً من بر…

النفاق والتدين الجماعي

الثلاثاء ٠٥ ديسمبر ٢٠١٧

خاص هات بوست : استفاق العرب و"المسلمون" منذ برهة، ليجدوا أنفسهم في مواجهة خطر محدق بهم، في عقر دارهم وخارجها، لا يقتصر على تهديدهم كمجتمعات ودول، إنما يرتكب باسمهم الجرائم بحق شعوب العالم، وتراكضوا ليحاربوه بشتى الوسائل، دونما تعمق في مكامن الخلل، الذي يتطلب المعالجة وإلا سيطل برأسه كلما أتيحت له الفرصة، ورغم أن اعترافنا بوجود المشكلة يضع قدماً على طريق الحل، إلا أن الكثيرين يأبون الاعتراف بها، فالموضوع برمته بالنسبة لهم لا يعدو كونه "مؤامرة على الإسلام"، باعتبار أن مجتمعاتنا متدينة باعتدال، ولم يعرف عنها دعوتها لعداء الآخر، والعيش المشترك مع الملل الأخرى هو السمة الغالبة. ولكن لب المشكلة يكمن هنا، في "المجتمعات المتدينة"، فما وجدنا عليه آباءنا هو ما نحن عليه منذ ألف وأربعمائة عام، وعلاقتنا مع الله تحكمها الشعائر الجماعية، وتقييمنا كأفراد يتأتى من خلال التدين الجماعي حتماً، فالإنسان يقيّم من خلال الشعائر، فيصبح من يقيم الصلاة في المسجد هو بالضرورة صادقاً أميناً مؤدباً، وبالتالي يستطيع أن يشهد زوراً بكل أريحية، وتصبح الفتاة "المحجبة" هي العفيفة، بينما السافرة قابلة لأن توصف بأقذر الصفات، حتى لو كانت عالمة ذرة، أما من يصم رمضان فهو التقي الزاهد، بينما المفطر "دمه دم الخنازير"، وبالتالي أصبح المجتمع منافقاً، نفاقاً اجتماعياً كاملاَ، تهمه مرضاة من حوله لا مرضاة الله، ومن ثم انحسرت…

هل حرفنا رسالتنا؟

السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧

خاص لـ : هات بوست  يعتقد كثير من "المسلمين" أن الملل الأخرى قد حرفت الرسالات التي جاءتها وبدلتها،فانتابها الشرك أو البعد عن الرسالة الحقيقية، في حين أن الإسلام هو الرسالة الوحيدة الصافية التي لم يخالجها الخلط والتبديل، ولكن لا يصعب على المتدبر في التنزيل الحكيم أن يرى مدى انحراف الإسلام الذي نشأنا عليه ونقدمه للعالم، عن إسلام التنزيل الذي حمله الرسول محمد بن عبد الله (ص) بخصائصه الثلاث الرحمة والعالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) والخاتمية {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الأحزاب 40) و {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة 3). فالرسالة المحمدية رسالة رحمة، رفعت عن كاهل الناس الإصر والأغلال، وأحلت كثيراً مما حرم في سابقاتها، وخففت العقوبات إلى الحد الأدنى، وتكمن عالميتها في تطابقها مع الفطرة الإنسانية لأهل الأرض، بحيث يمكننا التحقق من "صدق الله العظيم" في مدى انسجام ما يطبقه معظم الناس مع تعاليمها، وضمها للناس جميعاً تحت لوائها وفق معيار التقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات 13)، أما أهمية خاتميتها فتكمن في إعلانها صلاحية الإنسانية للعيش دون الحاجة لرسالات…

لا أعبد ما تعبدون

الأحد ٠٥ نوفمبر ٢٠١٧

خاص ل هات بوست : لا يكاد يمر أسبوع إلا ويسقط فيه ضحايا أبرياء في مكان ما من هذا العالم تحت شعار الإسلام، وآخر حادثة قبل كتابة هذا المقال جرت في مانهاتن في الولايات المتحدة، ناهيك عن ضحايا في سوريا والعراق واليمن ومصر يسقطون دون ضجة تذكر، ونجد أنفسنا كمسلمين في موقع الدفاع عن النفس وتبرير الأفعال، ويخرج علينا فقهاء الفضائيات ليستنكروا ويبرؤا الإسلام من تهم الإرهاب وترويع الأبرياء. وإذ ألفي نفسي متهماً بشكل أو بآخر، فأنا كاتب هذه السطور لا أرى أي عامل مشترك بيني وبين هذا الشخص الأوزبكي في مانهاتن، وأستطيع القول بكل راحة أني بريء منه ومن دينه، مهما كانت جنسيته، فهو لا يمت لي بأدنى صلة، وإلهه ليس إلهي، وأستطيع أن أقرأ عليه قوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}(الكافرون) فما أعبد هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، وسعت رحمته كل شيء، لم يأمرني بقتل أحد، بل أعطاني مثالاً صريحاً عمن يخاف رب العالمين منذ بدء الخلق وقبل ارتقاء الإنسانية لتصل كما يفترض إلى أعلى سلم القيم {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ…

لا تتقولوا على الله

الخميس ١٩ أكتوبر ٢٠١٧

خاص لـ هات بوست :  مع التطور التكنولوجي الهائل لا يمكن لأجيال اليوم أن تتخيل كيف كنا نعيش قبل عصر الهاتف المتحرك أو وسائل التواصل الحديثة، ولا يمكنها استيعاب أن جيلنا كان يتلقى الرسائل المكتوبة التي قد يستغرق وصولها أشهراً عبر البريد بين أنحاء العالم، ورغم كل هذا التطور فإن الأخبار تفتقر إلى الدقة، وتبقى رهن وسيلة الإعلام وحياديتها، فتخضع للمبالغة تارة أو لإهمال جزء من الحقيقة تارة أخرى، أو الحقيقة كلها في بعض الأحيان، والمفارقة أن ترى من يقتنع بعدم دقة أخبار اليوم ومع ذلك لا يقبل بأي حال التشكيك بأخبار أحداث حصلت منذ 1400 عام، سجلها من سمع بها بعد ما لا يقل عن مئتي عام من حدوثها، وقد سمعها بدوره من أحد أصحاب المغازي وهو يرويها في جلسة ما، وقد لا يعنينا الأمر لو أن أضراره تقف عند التصديق بخبر ما من عدمه، لكن يعنينا إذا علمنا أن هذا الأمر هو ما بني عليه ديننا، بكل ما يحمل ذلك من تحريف وتشويه للإسلام، انعكس وينعكس على حياتنا اليومية وعلاقتنا مع الآخر، ويطال سلامتنا وسلامته في كثير من الأحوال. فنحن كأمة إسلامية، تتبع الرسول محمد بن عبد الله (ص) في شعائرها، نؤمن أن كتابنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه هو التنزيل الحكيم، بكل ما جاء بين…

لنسير خلف عقولنا

الخميس ٠٥ أكتوبر ٢٠١٧

خاص هات بوست : يعتبر الإسلام نقطة فاصلة في تاريخ الإنسانية، إذ شكلت الرسالة المحمدية قفزة معرفية واجتماعية في خط سيرها، قد يجد البعض مبالغة في هذا الكلام، أو يظن أننا نطلقه جزافاً من باب المغالاة، لكنه حقيقة لا تخفى على قارىء التنزيل الحكيم، سواء لأحكام جاءت منسجمة مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، أو من قصص قرآني، وقصص محمدي لأحداث جرت خلال سنوات البعثة. فالرسالة المحمدية أعلنت ختم الرسالات، وبالتالي صلاحية الإنسانية للتشريع لذاتها، ضمن حيز كبير جداً، تحكمه خطوط عريضة (الحرام) تتفق عليها كل الشعوب والأمم، كذلك أعلنت المساواة بين الناس جميعاً، بغض النظر عن جنسهم ولونهم وعرقهم، والمعيار الوحيد للتقييم عند الله هو التقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات 13)، وبناءً على ذلك أسس الرسول محمد (ص) دولته، حيث الناس متساوون، لا رق بل عقود، والأنثى صنو الذكر، وكل امرئ مسؤول عن عمله، وعن علاقته مع ربه {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون 4- 6) والحكم شورى بين الناس {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران 159)، لكن للأسف هذه القفزة لم تستمر بل عاد خط التاريخ لسيره الطبيعي، لتصل…

هل نحن أمة آثمة؟

الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧

خاص لـ هات بوست :  لا يكاد يمر يوم إلاونثبت كأمة أننا "آثمون"، والأمة هي مصطلح لجماعة ذات سلوك واحد، ولا يمكننا القول أننا أمة الإسلام، فالإسلام وفق تعريفه بالتنزيل الحكيم هو الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر واقتران هذا الإيمان بالعمل الصالح {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت 33)، ونشترك في الإسلام مع كثير من أهل الأرض {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62) علماً أن "الصابئين" هم من "صبأوا" عن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، أي خرجوا عنهم، وبالتالي فإن المسلمين أمم مختلفة، أما نحن كأمة فنتبع الرسول الأعظم محمد بن عبد الله في أداء شعائرنا، من إقامة صلاة وأداء زكاة وصوم رمضان وحج البيت، و"الشعائر" من "شعار"، فإذا عاد أحد من الصحابة اليوم إلى بلد من بلداننا، يمكنه إذا سمع صوت المؤذن العلم أن هناك من يتبعون محمد في هذا البلد، فنحن أمة محمد (ص) التي كرمها الله تعالى بأن أنزل إليها الرسالة الخاتم، بما تحمله من رحمة وعالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) لتكون منارة بين الأمم، تهديهم سبل الرشاد، فابتدأ خطابه لرسوله بقوله {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي…

هل سيؤتي حجنا بعضاً من ثماره؟

السبت ٠٢ سبتمبر ٢٠١٧

لا يمكن للمرء وهو يشهد موسم الحج إلا أن يتذكر إبراهيم عليه السلام، حيث يقتدي به الحجيج ضمن شعيرة تؤدى بمناسك معينة، فيتقربون إلى الله العلي القدير في صلواتهم ودعائهم وطوافهم وسعيهم، متساوين في أشكالهم لا فرق بين غني وفقير ولا بين أبيض وأسود، في رحلة يفترض بها أن تشكل غذاءً للنفس، جديرة أن يغفر الله لعبده بعدها ما تقدم من ذنوبه. وإبراهيم لم يكن مجرد نبي، إنما وصفه الله تعالى بأنه "أمة" {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً} (النحل 120) والأمة تعريفاً تجتمع على سلوك خاص بها، فإبراهيم سلك طريقاً تفرد به، في رحلته من الشك إلى اليقين، ومحاججته لله {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (البقرة 260) وفي هذا النهج الاستقرائي جعله الله للناس إماماً {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} (البقرة 124) وفي مجتمع تعددت فيه الآلهة كان لا بد لإبراهيم من مواجهة أبيه وقومه واعتراضه على عبادتهم للأصنام ثم تحطيمه لها، وبراءته من شرك من حوله {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} (هود 54)، وفي اختبار آخر لم يتوانى إبراهيم عن تقديم ابنه بناءً على أمر من الله تعالى، فإيمانه…