محمد شحرور
محمد شحرور
مفكر إسلامي كاتب سوري

رسالة رحمة لا رسالة إرهاب

الثلاثاء ٠٦ نوفمبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : بالأمس أقدم مسلحون على إطلاق النار على باص فيه زوار أقباط لأحد الأديرة في صعيد مصر، ولا نعلم كيف يمكن لإنسان الاقتناع أن الله راض عن مرتكبي هذه الجريمة، وبغض النظر عمن تبناها وعن نظريات المؤامرة التي تملأ الأدمغة، فمن الضرورة بمكان مراجعة الحيثيات التي دفعت المجرمين للإقدام على فعلتهم سيما وأنها ارتكبت باسم الإسلام، ضمن سلسلة يبدو أنها لن تتوقف طالما أن المناهل التي نهل منها هؤلاء ما زالت موجودة. ويبدو واضحاً للعيان أننا نحتاج لامتلاك الجرأة على الاعتراف بأن ثقافتنا الموروثة تحمل في طياتها مسؤولية لا يستهان بها، تلك الثقافة التي لاتقبل الآخر المختلف، وتبيح قتله في أحيان كثيرة، إن لم تحض على ذلك، وما زالت أفكارها هذه تدرس في المعاهد وكليات العلوم الشرعية، وتنتشر على وسائل التواصل المتعددة، بخطب الأئمة والشيوخ، فتكفّر هذا وتذم ذاك. فإذا عدنا للتنزيل الحكيم وجدنا أن الإسلام هو الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر، واقتران هذا الإيمان بالعمل الصالح، فمن حقق هذه الشروط قبل تحت مظلة الإسلام، بغض النظر عن ملته، ومن لم يحققها حسابه على الله يوم القيامة، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون 6)،وقتل النفس حرام حرمة مضاعفة، ومن قتلها كأنما قتل الناس جميعاً {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ…

القابض على الجمر

الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  يتناقل المسلمون المؤمنون برسالة محمد (ص) حديث "يأتي زمان على أمتي فيه القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر"، والناظر بحالنا اليوم لا يحتاج نفاذ البصيرة لرؤية صحة هذا القول، فيما يخص "أمته" عليه الصلاة والسلام، بغض النظر عن مدى مطابقة الحديث لشروط الجرح والتعديل والعنعنة، وعن كونه لا يعلم الغيب ولم يدع ذلك. لكن ما يثير التساؤال ويبقى مدعاة للتوقف والبحث هو ماهية هذا الدين المقصود، وهو الإسلام بلا شك، إذ ثمة ملابسات عدة تدخل في المشهد العام، فإسلام التنزيل الحكيم مختلف تماماً عن تلك الكرة الثلجية التي تدحرجت طويلاً على أرضية من الأعراف والتقاليد فعلق بها من الشوائب ما جعلها تفقد خواصها وتصبح ديناً آخر هجين لا يشبه الأصل بل هو مسخ مشوه، يخاف منه الغرباء، ويألفه الأقرباء لأنهم وجدوه في حياتهم كما حياة آبائهم فاعتادوه، وتماهوا معه حتى أصبحوا يدافعوا عن شوائبه، بدل إزالتها. فالثقافة الإسلامية الرائجة تحكم غالباً على الشكل دون المضمون، فيقيّم تدين المجتمع وفق لباس نسائه، ما بين نقاب يرى فيه البعض من ركائز الإسلام، وبين غطاء رأس بالنسبة للبعض الآخر يضاهي في أهميته ارتكاب الفاحشة، كنكاح المحارم مثلاً، بينما لا ترقى شهادة الزور في أحيان كثيرة لتصل تلك الأهمية، وقد ترى بعض الجماعات أن للرجل لباس شرعي يحتم…

“فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ”

الأربعاء ٠٣ أكتوبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : تأتي أهمية التنزيل الحكيم لمن يؤمن به، من كونه كتاب جمع بين رسالة مرنة يصدق عليها قرآن يقرن قوانين الكون مع أحداث التاريخ، في تداخل متقن يشابه إلى حد كبير تداخل وظائف أعضاء جسم الإنسان، حيث الناموس ذاته والخالق واحد. ويأتي سرد القصص القرآني ليشكل حيزاً كبيراً من الكتاب، لا بهدف تسلية الرسول (ص)، ولا لرفد المناهج المدرسية بمواضيع تغني موادها، بل ليقدم لنا خطوطاً عريضة تلخص قوانين التاريخ، وتبين لنا خط سير الإنسانية تدريجياً في ابتعادها عن المملكة الحيوانية، ومن ثم استخلاص العبر{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف 111). ومن بين شخصيات القصص يأخذ إبراهيم عليه السلام مكانة مميزة، إذ دعانا الله تعالى لاتباع ملته الحنيفية {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 161)، وتنبع أهمية مكانته من كونه رسخ مبدأ التجريد في التقرب من الله بدلاً من التشخيص، ولم يتوصل إبراهيم للإيمان بالله إلا بعد أن بدأ رحلة تفكير طويلة من الشك إلى اليقين، لجأ عبرها إلى اتباع الاستقراء العلمي، فراقب ظواهر الطبيعة ولم يقنعه أفول ما ظن أنها آلهته، حتى توصل إلى الله، لكن…

مقدر أم مكتوب؟

الأربعاء ٠٥ سبتمبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : يشكل الإيمان ب "القضاء والقدر خيره وشره" ركناً من أركان الإيمان في الثقافة الإسلامية الموروثة، ولطالما أعطى هذا الإيمان راحة نفسية للمؤمنين أمام ما صادفهم من محن ومصائب، ردوها إلى القضاء والقدر، ومن ثم إرادة الله ومشيئته، وبالتالي لا حول ولا قوة لهم، وكل ما عليهم هو الاستكانة والدعاء لله أن يتلطف بقضائه. ووفق هذه الرؤية أصبح الله تعالى مسؤولاً عن ولادة طفل معاق لهذه العائلة، ومرض رب الأسرة في تلك، وحريق منزل زيد، وخسارة أموال عمرو، وألحقت به كل الكوارث، فإذا أصابت قوماً مؤمنين كانت امتحاناً وإن كانوا كافرين باتت عقاباً، وفي الحالتين فهي "قدر ومكتوب"، وما هو "مكتوب" لن نستطيع تغييره ولا خيار لنا فيه، أما الحساب فهو على أساس أن ما أقدمنا عليه لم نكن نعلم أنه "مكتوب" لكننا اخترناه، وبالتالي سنحاسب عليه، والسؤال الذي لا يجد جواباً هنا هو: "هل الله تعالى يهوى عذابنا كي يختار لإنسان ما أن يكون قاتلاً ثم يعاقبه في الآخرة؟" إنه لعمري إجحاف بحق الله لا يليق بجلاله وعظمته وعدالته التي وعدنا بها. ورب قائل: وهل تكذب قوله تعالى {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَاهُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة 51) ونقول "حاشا لله"، لكن الالتباس يكمن في فهم معنى "كتب"، وهو جدير…

المرأة وحقوقها

الثلاثاء ٠٧ أغسطس ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  بعد جهد لعشرين عام ونيف صدر كتابي الأول "الكتاب والقرآن" في عام 1990، ولاقى وما زال هجوماً شديداً من "رجال الدين"، وأقسم بعضهم أن مؤلفيه هم مجموعة من اليهود الصهاينة الذين يريدون تخريب الإسلام من داخله، والذين لم يجدوا طريقة لنشره سوى أن أتبناه وأنشره باسمي، ولا أعرف السبب الذي دعاهم لاختيار دكتور مهندس رغم وجود عشرات الآلاف من خريجي العلم الشرعي، وكنت قد آليت على نفسي ألا أضيع وقتي بالرد، وأن أمضي قدماً واضعاً نصب عيني قوله تعالى {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (الرعد 17)، لكن ما كان وما زال يلفت انتباهي أن معظم ما قدمته لا يلقى اعتراضاً فجاً إلا حين يقترب من المرأة، إذ يمكن أحياناً التغاضي عن الكثير من الأساسيات التي وجد الناس عليها آباءهم واستمرأوها، طالما أن أحداً لن يجبرهم على تغيير قناعاتهم، لكن ما أن تقترب من موضوع المرأة حتى تثار حفيظة الصامتين، وكل الأمور قد تقبل النقاش ما عدا هذا القالب المصبوب على قياس مجتمعات ذكورية، لا يناسبها انكساره، وفجأة تصبح المرأة هي نصف المجتمع وصلاحه من صلاحها، وتغدو الجوهرة الثمينة التي يجب حفظها كما الحلوى من الذباب، على أن يبقى الذكر هو المسؤول عنها والقيّم عليها، كأي متاع في بيته. وكي…

لنبدأ بأنفسنا

الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : ينشغل الناس في عالمنا العربي بأمور حياتهم اليومية، ولا يكاد معظمهم يشعر بالمشكلة التي نعاني منها على صعيد العقل الجمعي، كمسلمين من كل الملل والطوائف، ولا يرى المسلمون المؤمنون بالرسالة المحمدية أي ضرورة لتصحيح ما رسخ في أذهانهم من أفكار نشأوا عليها، ويريحهم أن يستكينوا لاعتقادهم بأنهم "خير أمة أخرجت للناس" وأن ماضيهم التليد يشفع لهم بأن يخرجوا من ركب الحضارة، ويأبى أغلبهم الاعتراف بأن رؤيتهم للإسلام مغلوطة وأن هذه الرؤية تحتاج إلى تصحيح، وتبقى نظرية المؤامرة حاضرة لتحمل مسؤولية كل ما يجري باسم الإسلام، ويتنصل أي منهم من هذه المسؤولية. ويطرح الكثيرون سؤالاً يتلخص بجدوى معرفة إن كان آدم قد سكن الأرض وحده أم معه أحد آخر، أو هل فرعون أسلم أم لم يسلم، فلا حاجة لنا لتدبر كتاب الله، وهناك من فسره منذ قرون وأعطانا الزبدة، وهو "بالتأكيد" أجدرمنا، ونحن نعلم أن رسولنا جاء بمكارم الأخلاق ونقوم بما يمليه علينا ديننا من صلاة وصيام وزكاة وحج، فلماذا كل هذه التعقيدات؟ وإن احتاج أحدنا لفتوى ما لن تعييه السبل لإيجادها، ثم لماذا نحمل وزر تخلفنا إذا لم يأت الزعيم الذي يمكنه قيادتنا نحو النهضة؟ ولا غرابة في كل هذه الأسئلة، فالفردية التي اعتدناها تجعلنا لا نشعر بالكارثة إذا لم يمسسنا أذاها بشكل شخصي، وعندما…

هذا ما وجدنا عليه آباءنا

السبت ٢٣ يونيو ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : يظن الكثيرون أن الشرك بالله يقتصر على الاعتقاد بوجود إله ثانٍ غير الله، أو آلهة متعددة، ويرتاح بالهم من هذه الناحية فيطمئنوا إلى أنهم لم ولن يشركوا، لا سيما أن الشرك ذنب عظيم. وإذا كان الشق الثاني صحيحاً مائة بالمائة بموجب ما جاء في التنزيل الحكيم، فإن الشق الأول غير صحيح، والشرك بالله له وجوه عدة، أكثرها رواجاً وانتشاراً هو شرك الثبات والآبائية، إذ من الصعوبة بمكان أن يخرج الناس عما وجدوا عليه آباءهم، وما نشأووا عليه، بل على العكس تراهم يتمسكون دون أدنى تفكير بكل ما اعتادوا عليه، دون التوقف لمجرد التفكير في أصل هذا الفعل أو ذاك، تماماَ كما في تجربة القرود الخمسة في الامتثال الاجتماعي، حيث يدافع القردة عما وجدوا عليه أنفسهم دون معرفة السبب. ونحن كمسلمين من أمة محمد، وجدنا آباءنا على دين الفقهاء، يقدسون الشافعي وأبا حنيفة وجعفر الصادق والبخاري ومسلم وابن تيمية، ويعتبرون خير القرون هو القرن السابع الميلادي وبعده يتقلص الخير تدريجياً، واعتبرنا أن ما قام به رجالات ذاك القرن ثم الذي يليه هم خير منا، وأن فهمهم للإسلام هو عين الإسلام، فقدسنا هؤلاء الرجال وما خطوّه وما فهموه ونسينا كتاب الله، وتضاءل اهتمامنا بفهم التنزيل الحكيم على اعتبار أن فهمنا لا يمكنه أن يرقى ليعلو عما وصل…

النهضة وما آلت إليه

الثلاثاء ٠٨ مايو ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : لم يخطر في بال رجالات النهضة العربية الذين حملوا لواءها منذ قرنين أنها ستبقى حلماً على يافطات المؤتمرات والمنتديات، وأن ما حققوه في حينه سيراوح مكانه إن لم يتقهقر متراجعاً أمام سطوة الاستبداد بمختلف أشكاله، وكل الأهداف التي نادوا بها ما زالت أهدافاً في يومنا هذا، وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت أن ما أنجزوه قد تبدد، فلا نحن رواد في جامعاتنا، وتكاد نسبة القراءة والترجمة والتأليف تلامس أدنى المستويات، ولا نحن رواد في صناعاتنا واقتصادنا، ولم تتحقق أي من الإصلاحات التي طمحوا إليها، ناهيك عن أن الاستعمار أصبح شماعة نعلق عليها كل مآلاتنا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل سنبقى نجتر في شعارات لا تغني ولا تسمن من جوع؟ وما هو الطريق إلى النهضة على أرض الواقع؟ قد يكون من الإجحاف أن نضع اللوم كله على إرثنا الثقافي، لكنه للأسف يحمل جل المسؤولية، فنحن كشعوب عربية، بما يحمله هذا الانتماء إلى الأرض، لم نع الحرية كقيمة، إذ تكبلنا أمورلا حصر لها منذ ألف ومئتي عام حتى الآن، وثقافة العبودية لا يمكنها أن تنهض، فقد ترسخت في أذهاننا ثقافة الحرام والممنوع، وتشكل العقل العربي على أساس أن كل ما حوله ممنوع إلا الاستثناء، وبالتالي ظل مقيداً، وظل الحجاب والموسيقى وإطلاق اللحية أو حلقها أهم بالنسبة…

الإسراء والمعراج

الأربعاء ١٨ أبريل ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  مرت منذ أيام ذكرى "الإسراء والمعراج" أعادها الله على الناس بالخير واليمن والبركة. وإذ يحتفل المسلمون المؤمنون بالرسالة المحمدية بهذا اليوم، يسترجعون ذكرى حادثة تناقلتها الثقافة الإسلامية عبر العصور، ويستذكرون تفاصيلها لترسخ في الأذهان صورة لا تقبل النقاش عن معجزة خارقة لا يمكن للعقل تفسيرها. وفي التفاصيل أن جبريل عليه السلام قد جاء للرسول (ص) ليلاً و"همزه بقدمه وأخذه من عضده" وحمله على البراق إلى بيت المقدس في فلسطين حيث وجد الأنبياء فصلى بهم، وعرض عليه جبريل إنائين أحدهما فيه لبن والآخر خمر، فأخذ اللبن وترك الخمر، ثم لما فرغ عرج فيه جبريل إلى السموات السبع حيث رأى الملائكة والأنبياء ورأى الجنة والنار، وفرضت عليه الصلاة، ثم وصل إلى باب منسوج من الذهب وراءه الله وفي الروايات: "ما زال يقطع مقاماً بعد مقام وحجاباً بعد حجاب حتى إنتهى إلى مقام تخلف عنه فيه جبريل، وقال جبريل يا محمد ما منا إلا له مقام معلوم لو دنوت أنملة لاحترقت، وفي هذه الليلة بسبب احترامك وصلت إلى هذا المقام وإلا فمقامي المعهود عند سدرة المنتهى ، فمضى النبي صلى الله عليه وسلم وحده حتى تجاوز سبعين ألف حجاب، وبين كل حجاب وحجاب مسيرة خمسمائة سنة، فوقف البراق عن المسير فظهر له رفرف وذهب به إلى قرب العرش…

من هم أمة “لا إله إلا الله؟”

الخميس ٠٥ أبريل ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  اعتدنا كشعوب عربية "مسلمة" على اعتبار أن كل من لا يشاركنا إسلامنا هو "كافر بالله" ومصيره "جهنم وبئس المصير"، ونظرنا إلى الشعوب الأخرى بتناقض، ما بين شعور الكثيرين بالدونية تجاه الغربي "المتحضر"، وشعور بالفوقية تجاه غيره، لكن هذا لا يمنع أن كليهما سيحظى بعذاب الله وسخطه وسيجد نتيجة عمله في الآخرة "هباءً منثورا"، وإذا كانت الدول المتقدمة تنعم بالرخاء والسعادة فلأن الله "يمدهم في طغيانهم يعمهون"، و"لهم الدنيا ولنا الآخرة" لأننا أتباع "لا إله إلا الله"، ولأن الدنيا دار فانية والآخرة دار البقاء فنحن لا نطلب السعادة في الدنيا، ونرضى الشقاء فيها، ونسخر في قرارة أنفسنا من طموحهم وعلمهم، على أساس أن الله سخرهم لنا لينتجوا ونستهلك حصيلة علومهم. لكن نظرة فاحصة للتنزيل الحكيم تدحض كل هذه المسلمات، ما عدا أن من يتخذ من "لا إله إلا الله" شعاراً سيحظى برضى الله في الدنيا والآخرة، ونحن كأمة محمد (ص) رفعناه شعاراً لكننا لم نطبقه فعلاً، بل على العكس جعلنا لله شركاء في الوحدانية والثبات، فالله واحد وكل ماعداه متعدد، والله ثابت وكل ما عداه متغير، والتاريخ يسير إلى الأمام ونحن نريد أن نعيده إلى الوراء، وننتصر إلى الآبائية فنشرك به سبحانه، والأنكى من هذا أن شركنا جماعي كمجتمعات لا كأفراد، لذلك تأخذ مجتمعاتنا بشكل عام…

“إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً”

الإثنين ١٩ مارس ٢٠١٨

خاص لـ (هات بوست) : ينبئنا التنزيل الحكيم أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم بعد أن سواه وأهله بموجب نفخة الروح ليكون خليفة على الأرض، وعندما أبدى الملائكة تحفظهم على موضوع الاستخلاف قال تعالى {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة 30)  والله جل وعلا علم أن البشر الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء سيتطورون بعد نفخة الروح تدريجياً، وسيستطيعون بمساعدته الوصول ليكونوا مؤهلين للترقي على سلم الحضارة والعيش من دون رسالات سماوية، وسيسبرون أغوار الكون الذي سخره الله لهم، وسيظهر منهم من يكون جديراً بأن يباهي الله به خلقه وتسجد له الملائكة. فالإنسان هو وجود فيزيولوجي (بشر) مضافاً له كم معرفي (الروح)، وهذه الروح هي التي ميزته عن باقي المخلوقات، فكلما زاد الكم المعرفي زادت إنسانية الإنسان وابتعد عن المملكة الحيوانية، وكلما قلت المعرفة تقزمت الإنسانية ليصبح صاحبها جسداً بلا روح ومن ثم لا يستحق هذه الهبة من الله. وبرحيل "ستيفن هوكينغ" منذ أيام فقدت الإنسانية عملاقاً، اضمحل جسده طوال سنين لكن روحه بقيت متوقدة، فقدم من العلم ما يشكل قفزة معرفية تنير طريق الإنسانية لقرون قادمة، فاكتشف لا محدودية الكون، وفسر الثقوب السوداء، وأثرى العلم بشهادات حضورية عن عظمة الخلق، تضاهي ما قدمه العلماء أمثال نيوتن أو داروين أو آينشتاين، ناهيك عن مواقفه الأخلاقية من الحروب في فيتنام والعراق،…

بين الأعراف والإسلام

الإثنين ٠٥ مارس ٢٠١٨

خاص لـ  (هات بوست) :  لا يحتاج المرء بذل جهد كبير ليكتشف الفرق بين الإسلام الذي جاء في التنزيل الحكيم وبلّغه محمد (ص)، وبين الإسلام الذي يعرفه الناس اليوم في شتى بقاع العالم، فالأول هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، بحيث يتم التعامل فيما بينهم وفق القيم الأخلاقية العليا، وعلى أساسها تتم صلتهم مع الله ووفق ما يتناسب مع مللهم المتنوعة، والثاني هو إسلام شرق أوسطي يختلف باختلاف المناطق، حيث اختلطت به العادات والتقاليد، ودخلت عليه قيم المجتمع العربي كالشرف والمرؤة والنخوة وغيرها، وأصبح هناك إسلام مصري وإسلام سعودي وإسلام باكستاني، وانطلى ذلك على الناس الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن دينهم، فأصبحت جرائم الشرف بالنسبة للكثيرين مرتبطة بالدين، وشكل اللباس كذلك، وتم اضطهاد النساء بشكل عام باسم الإسلام لا باسم المجتمعات القبلية الذكورية التي حافظت على أعرافها منذ قرون خلت وحتى اليوم. وأن تأمر بالعرف وتنهى عن المنكر لا يعني أن تحرم ما أحل الله، فالمحرمات محدودة ومعدودة، ولا تتغير لا بالزمان ولا بالمكان، فقتل النفس حرام في الصين وسورية وكندا منذ ألف وأربعمائة عام وحتى قيام الساعة، وكذلك عقوق الوالدين وارتكاب الفاحشة وشهادة الزور والغش والسرقة والربا والتقول على الله ونكاح المحارم، أما في الطعام فالخيارات متعددة ولا قانون يجبرك على تناول لحم الخنزير دون…