محمد شحرور
محمد شحرور
مفكر إسلامي كاتب سوري

الإسراء والمعراج

الأربعاء ١٨ أبريل ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  مرت منذ أيام ذكرى "الإسراء والمعراج" أعادها الله على الناس بالخير واليمن والبركة. وإذ يحتفل المسلمون المؤمنون بالرسالة المحمدية بهذا اليوم، يسترجعون ذكرى حادثة تناقلتها الثقافة الإسلامية عبر العصور، ويستذكرون تفاصيلها لترسخ في الأذهان صورة لا تقبل النقاش عن معجزة خارقة لا يمكن للعقل تفسيرها. وفي التفاصيل أن جبريل عليه السلام قد جاء للرسول (ص) ليلاً و"همزه بقدمه وأخذه من عضده" وحمله على البراق إلى بيت المقدس في فلسطين حيث وجد الأنبياء فصلى بهم، وعرض عليه جبريل إنائين أحدهما فيه لبن والآخر خمر، فأخذ اللبن وترك الخمر، ثم لما فرغ عرج فيه جبريل إلى السموات السبع حيث رأى الملائكة والأنبياء ورأى الجنة والنار، وفرضت عليه الصلاة، ثم وصل إلى باب منسوج من الذهب وراءه الله وفي الروايات: "ما زال يقطع مقاماً بعد مقام وحجاباً بعد حجاب حتى إنتهى إلى مقام تخلف عنه فيه جبريل، وقال جبريل يا محمد ما منا إلا له مقام معلوم لو دنوت أنملة لاحترقت، وفي هذه الليلة بسبب احترامك وصلت إلى هذا المقام وإلا فمقامي المعهود عند سدرة المنتهى ، فمضى النبي صلى الله عليه وسلم وحده حتى تجاوز سبعين ألف حجاب، وبين كل حجاب وحجاب مسيرة خمسمائة سنة، فوقف البراق عن المسير فظهر له رفرف وذهب به إلى قرب العرش…

من هم أمة “لا إله إلا الله؟”

الخميس ٠٥ أبريل ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  اعتدنا كشعوب عربية "مسلمة" على اعتبار أن كل من لا يشاركنا إسلامنا هو "كافر بالله" ومصيره "جهنم وبئس المصير"، ونظرنا إلى الشعوب الأخرى بتناقض، ما بين شعور الكثيرين بالدونية تجاه الغربي "المتحضر"، وشعور بالفوقية تجاه غيره، لكن هذا لا يمنع أن كليهما سيحظى بعذاب الله وسخطه وسيجد نتيجة عمله في الآخرة "هباءً منثورا"، وإذا كانت الدول المتقدمة تنعم بالرخاء والسعادة فلأن الله "يمدهم في طغيانهم يعمهون"، و"لهم الدنيا ولنا الآخرة" لأننا أتباع "لا إله إلا الله"، ولأن الدنيا دار فانية والآخرة دار البقاء فنحن لا نطلب السعادة في الدنيا، ونرضى الشقاء فيها، ونسخر في قرارة أنفسنا من طموحهم وعلمهم، على أساس أن الله سخرهم لنا لينتجوا ونستهلك حصيلة علومهم. لكن نظرة فاحصة للتنزيل الحكيم تدحض كل هذه المسلمات، ما عدا أن من يتخذ من "لا إله إلا الله" شعاراً سيحظى برضى الله في الدنيا والآخرة، ونحن كأمة محمد (ص) رفعناه شعاراً لكننا لم نطبقه فعلاً، بل على العكس جعلنا لله شركاء في الوحدانية والثبات، فالله واحد وكل ماعداه متعدد، والله ثابت وكل ما عداه متغير، والتاريخ يسير إلى الأمام ونحن نريد أن نعيده إلى الوراء، وننتصر إلى الآبائية فنشرك به سبحانه، والأنكى من هذا أن شركنا جماعي كمجتمعات لا كأفراد، لذلك تأخذ مجتمعاتنا بشكل عام…

“إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً”

الإثنين ١٩ مارس ٢٠١٨

خاص لـ (هات بوست) : ينبئنا التنزيل الحكيم أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم بعد أن سواه وأهله بموجب نفخة الروح ليكون خليفة على الأرض، وعندما أبدى الملائكة تحفظهم على موضوع الاستخلاف قال تعالى {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة 30)  والله جل وعلا علم أن البشر الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء سيتطورون بعد نفخة الروح تدريجياً، وسيستطيعون بمساعدته الوصول ليكونوا مؤهلين للترقي على سلم الحضارة والعيش من دون رسالات سماوية، وسيسبرون أغوار الكون الذي سخره الله لهم، وسيظهر منهم من يكون جديراً بأن يباهي الله به خلقه وتسجد له الملائكة. فالإنسان هو وجود فيزيولوجي (بشر) مضافاً له كم معرفي (الروح)، وهذه الروح هي التي ميزته عن باقي المخلوقات، فكلما زاد الكم المعرفي زادت إنسانية الإنسان وابتعد عن المملكة الحيوانية، وكلما قلت المعرفة تقزمت الإنسانية ليصبح صاحبها جسداً بلا روح ومن ثم لا يستحق هذه الهبة من الله. وبرحيل "ستيفن هوكينغ" منذ أيام فقدت الإنسانية عملاقاً، اضمحل جسده طوال سنين لكن روحه بقيت متوقدة، فقدم من العلم ما يشكل قفزة معرفية تنير طريق الإنسانية لقرون قادمة، فاكتشف لا محدودية الكون، وفسر الثقوب السوداء، وأثرى العلم بشهادات حضورية عن عظمة الخلق، تضاهي ما قدمه العلماء أمثال نيوتن أو داروين أو آينشتاين، ناهيك عن مواقفه الأخلاقية من الحروب في فيتنام والعراق،…

بين الأعراف والإسلام

الإثنين ٠٥ مارس ٢٠١٨

خاص لـ  (هات بوست) :  لا يحتاج المرء بذل جهد كبير ليكتشف الفرق بين الإسلام الذي جاء في التنزيل الحكيم وبلّغه محمد (ص)، وبين الإسلام الذي يعرفه الناس اليوم في شتى بقاع العالم، فالأول هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، بحيث يتم التعامل فيما بينهم وفق القيم الأخلاقية العليا، وعلى أساسها تتم صلتهم مع الله ووفق ما يتناسب مع مللهم المتنوعة، والثاني هو إسلام شرق أوسطي يختلف باختلاف المناطق، حيث اختلطت به العادات والتقاليد، ودخلت عليه قيم المجتمع العربي كالشرف والمرؤة والنخوة وغيرها، وأصبح هناك إسلام مصري وإسلام سعودي وإسلام باكستاني، وانطلى ذلك على الناس الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن دينهم، فأصبحت جرائم الشرف بالنسبة للكثيرين مرتبطة بالدين، وشكل اللباس كذلك، وتم اضطهاد النساء بشكل عام باسم الإسلام لا باسم المجتمعات القبلية الذكورية التي حافظت على أعرافها منذ قرون خلت وحتى اليوم. وأن تأمر بالعرف وتنهى عن المنكر لا يعني أن تحرم ما أحل الله، فالمحرمات محدودة ومعدودة، ولا تتغير لا بالزمان ولا بالمكان، فقتل النفس حرام في الصين وسورية وكندا منذ ألف وأربعمائة عام وحتى قيام الساعة، وكذلك عقوق الوالدين وارتكاب الفاحشة وشهادة الزور والغش والسرقة والربا والتقول على الله ونكاح المحارم، أما في الطعام فالخيارات متعددة ولا قانون يجبرك على تناول لحم الخنزير دون…

عيد الحب

السبت ١٧ فبراير ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست :  مضى منذ أيام ما يسمى "عيد الحب" وتناولته مجتمعاتنا بقدر كبير من الاهتمام، يتجاوز ما هو عليه الحال في مجتمعات أخرى، ما بين مستهجن ومعاد من جهة ومحتفل من جهة ثانية. والاستهجان ينطلق غالباً من خلفية دينية على اعتبار أن هذه الأعياد "للكفار" وأنها تشبه بالغرب، ودخيلة على مجتمعاتنا، الهدف منها التشجيع على ارتكاب الفواحش، ويدخل الاحتفال بها ضمن "البدع"، لنصل إلى أن "كل بدعة كفر" وبالتالي يصبح كل من اشترى وردة أو ارتدى اللون الأحمر في هذا اليوم قد دخل في دائرة الحرام. ووفق ما أعلم فإن "عيد الحب" هو عيد القديس "فالنتاين" الذي عمد إلى تزويج الجنود سراً بعد أن منعهم الإمبراطور من الزواج، وأجد في هذا عملاً نبيلاً في كل العصور والأمكنة، ولا أرى في مبالغة مجتمعاتنا بالاحتفالات أحياناً سوى انعكاس لمدى حاجتها للخروج من القوالب التي أغلقت عليها خلال قرون عدة، لتعاني اليوم من مخاض البحث عن هويتها في كل المجالات، بعد أن تقهقرت الشعارات القومية والوطنية، واصطدمت القناعات الدينية بجدار طالما تخفى تحت ستار الوسطية والاعتدال ليكشف وجهاً مظلماً عرّته داعش ومن لف لفها، ناهيك عن حجم المآسي التي تتعرض لها شعوبنا من قتل ودمار وتشرد، بحيث أصبحت تبحث عن  وميض من فرح في لجة كل هذا العتم. وقد يكون…

الإسلام وخيارات الإنسان

الخميس ٠٨ فبراير ٢٠١٨

خاص لـ (هات بوست) اختصرت الثقافة الإسلامية الموروثة الإسلام بخمسة أركان، تبدأ بالاعتراف بوحدانية الله ورسالة محمد، وتختص الأربعة الأخر بالشعائر، بحيث يضمن أداؤها للمسلم دخول الجنة، ويتكفل الركن الأول بدخول غير المسلم النار، ولا يكمن الأثر السلبي لهذا الانحراف في تعريف الإسلام بمدى اعترافه بالآخر المختلف وعلاقته به، بل يتعداه إلى تشويه الرسالة المحمدية ومسخها، بحيث اختفت أهم خواصها وهي الرحمة والخاتمية والعالمية، لتحل محلها رسالة أخرى لا تمت لما أنزل على محمد (ص) بصلة. وكون الرسالة المحمدية هي الخاتم فلا بد لها أن تحمل ما يكفي الإنسانية لإكمال مسيرتها دونما رسالات، ومن يتدبر التنزيل الحكيم ملقياً عن كاهله ما حمله من أفكار مسبقة عن الإسلام، يجد أن الله تعالى قد وضع كتاباً يحتوي على إجابة عن أسئلة الفلسفة الكبرى، وقوانين في فلسفة التاريخ، قوامها "لا إله إلا الله"، فالوحدانية لله فقط وهو "الصمد" وكل ما عداه مختلف متبدل، وهذا الاختلاف يحتم على الناس قبول بعضهم البعض، للعيش سوية على هذه الأرض، حيث كل أحادي غير الله زائل لا محالة، والبقاء للتعددية والاختلاف. والله تعالى إذ اصطفى آدم ليكون مؤهلاً للخلافة على الأرض، زوده بنفخة الروح، فأصبح من خلالها إنساناً يملك حريته، وأهّل له ما في الكون لينسجم مع هذه الحرية، فجعل كل ما أمامه ضمن خيارات {وَكُلَّ شَيْءٍ…

ما هو الإسلام؟

الأحد ٢١ يناير ٢٠١٨

حصريا لـ هات بوست :  يعتقد المسلمون من أتباع محمد (ص) أنهم الوحيدون الذي يسيرون على الطريق الصحيح، وأن لهم الجنة، ويعتقد أتباع المسيح مثل ذلك، واليهود أيضاً،وينطبق هذا على أتباع كل الملل والأديان، فكل يقتنع أنه يمتلك الحقيقة دون غيره، وتتفاوت القناعة بين معتقد وآخر، وفرد وآخر، بين أن أختلف معك وأتركك في شأنك وأنا واثق أنك على خطأ، أو أن أختلف معك وأدعو لقتلك إن سمحت الظروف، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أين إسلام التنزيل الحكيم من هذا؟ فالإسلام الذي رسخ في أذهاننا، ولقنّاه لأبنائنا كما تلقيناه من آبائنا ومدارسنا وكتبنا هو ذو الأركان الخمسة، يسبقه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقضاء والقدر خيره وشره، وعليه أصبح كل من لا يقيم الصلاة أو لا يصوم في رمضان "كافراً" خارج الإسلام، لا تجوز الصلاة عليه ولا دفنه في مقابر المسلمين، حتى لو شهد أن "محمداً رسول الله"، وبانتظاره جهنم وبئس المصير، ومن باب أولى أن تكون بانتظار من لا يؤمن بمحمد أصلاً. ولا يحتاج الإنسان إلا قليلاً من الجرأة ليسأل أين الرحمة للعالمين في ما سبق؟ إذ من غير المنطقي أن الله الذي وسعت رحمته كل شيء خلق الناس ليعذبهم وليجدوا ما عملوا من الصالحات هباءً منثورا، لكن إذا بحثت في التنزيل الحكيم لن يلبث هذا التساؤل أن…

التنزيل الحكيم والناسخ والمنسوخ

الأحد ٠٧ يناير ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : يعتبر التنزيل الحكيم كتاب "المسلمين" الذي أرسله الله لهم، ولا يقبلون بالطبع ما يشكك بقدسيته، ويعادون أي طرح يضعه تحت مجهر التمحيص أو البحث، حتى أنهم لا يمسون الورق الذي طبع عليه ما لم يكونوا بكامل طهرهم، ويزينون بنسخه مكتبات بيوتهم، ويتفاخرون بتوزيعه في الأفراح والأحزان، وقد تبدو هذه الأمور كلها محمودة، علماً أن وضعه موضع التمحيص لا يقلل من شأنه بل على العكس يثبت مصداقيته، لكن كل هذا التكريم الشكلي الذي يعبر عن احترامهم لهذا الكتاب،يتناقض مع اعتمادهم قواعد وعلوم تشكل الحجر الأساس للفقه الموروث برمته، كأطروحة الناسخ والمنسوخ مثلاً، أو "علم أسباب النزول". فالمسلمون لا يجدون حرجاً في اعتبار أن الله تعالى قد بدل رأيه (حاشاه) وأعطاهم في كتاب واحد حكم ونقيضه، إذ يرون مثلاً أن قوله تعالى {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 106) أو قوله {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} (النساء 92) قد نسختهما الآية {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (التوبة 5)، وبالتالي بموجب فهم مغلوط وعم تمييز بين النبأ والخبر وبين القصص القرآني التاريخي والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، حولوا رسالة الرحمة إلى رسالة قتل وذبح، والأمثلة كثيرة، ولم يجدوا حرجاً في القول أن هناك آيات برمتها…

التشريع بين الفقه والتنزيل الحكيم

الأربعاء ٢٠ ديسمبر ٢٠١٧

خاص لـ هات بوست : ينص الدستور في معظم الدول العربية على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع"، عدا عن أن "دين الدولة الإسلام" أو "دين رئيس الجمهورية الإسلام" في حالات عدة، وتعتمد "الشريعة الإسلامية" بدورها على مصادر أربعة هي كما وردت في الفقه: القرآن الكريم - السنة - الإجماع – القياس. واعتبر "المسلمون" على مدى عقود من تاريخ إنشاء الدستور في دولهم أن هذا حق طبيعي بصفتهم الأكثرية، فالإسلام بالنسبة لهم هوية في ظل التباس شاب تحديد هذه الهوية ما بين الوطن والقومية والأمة، ومن ثم فإن اعترافه بأركان الإسلام الخمسة "المزعومة" تحدد أهلية الفرد لاعتلائه أعلى منصب في الدولة، ولا أهمية هنا للمرجعية الأخلاقية، واعتمدت القوانين لا سيما في الأحوال الشخصية والجنايات على أحكام "الفقه الإسلامي" وألزم بالتالي الناس على التعامل مع ما رأه الشافعي أو أبو حنيفة مناسباً لمجتمع العصر العباسي، كرهاً أو طواعية، فحتى من شعر بالظلم فإن "الله" قد أراد ذلك، ولا يملك اعتراضاً أمام حكم الله. فإذا عدنا للتنزيل الحكيم وجدنا بداية أن {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة 256) والإكراه عادة بيد من يملك أداته، وهو السلطة، و "لا" نافية للجنس، أي لا سلطة للدين، وحكم الله هو محرماته التي تشكل القيم الأخلاقية المتراكمة عبر آلاف السنين من تطور الإنسانية، ابتداءً من بر…

النفاق والتدين الجماعي

الثلاثاء ٠٥ ديسمبر ٢٠١٧

خاص هات بوست : استفاق العرب و"المسلمون" منذ برهة، ليجدوا أنفسهم في مواجهة خطر محدق بهم، في عقر دارهم وخارجها، لا يقتصر على تهديدهم كمجتمعات ودول، إنما يرتكب باسمهم الجرائم بحق شعوب العالم، وتراكضوا ليحاربوه بشتى الوسائل، دونما تعمق في مكامن الخلل، الذي يتطلب المعالجة وإلا سيطل برأسه كلما أتيحت له الفرصة، ورغم أن اعترافنا بوجود المشكلة يضع قدماً على طريق الحل، إلا أن الكثيرين يأبون الاعتراف بها، فالموضوع برمته بالنسبة لهم لا يعدو كونه "مؤامرة على الإسلام"، باعتبار أن مجتمعاتنا متدينة باعتدال، ولم يعرف عنها دعوتها لعداء الآخر، والعيش المشترك مع الملل الأخرى هو السمة الغالبة. ولكن لب المشكلة يكمن هنا، في "المجتمعات المتدينة"، فما وجدنا عليه آباءنا هو ما نحن عليه منذ ألف وأربعمائة عام، وعلاقتنا مع الله تحكمها الشعائر الجماعية، وتقييمنا كأفراد يتأتى من خلال التدين الجماعي حتماً، فالإنسان يقيّم من خلال الشعائر، فيصبح من يقيم الصلاة في المسجد هو بالضرورة صادقاً أميناً مؤدباً، وبالتالي يستطيع أن يشهد زوراً بكل أريحية، وتصبح الفتاة "المحجبة" هي العفيفة، بينما السافرة قابلة لأن توصف بأقذر الصفات، حتى لو كانت عالمة ذرة، أما من يصم رمضان فهو التقي الزاهد، بينما المفطر "دمه دم الخنازير"، وبالتالي أصبح المجتمع منافقاً، نفاقاً اجتماعياً كاملاَ، تهمه مرضاة من حوله لا مرضاة الله، ومن ثم انحسرت…

هل حرفنا رسالتنا؟

السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧

خاص لـ : هات بوست  يعتقد كثير من "المسلمين" أن الملل الأخرى قد حرفت الرسالات التي جاءتها وبدلتها،فانتابها الشرك أو البعد عن الرسالة الحقيقية، في حين أن الإسلام هو الرسالة الوحيدة الصافية التي لم يخالجها الخلط والتبديل، ولكن لا يصعب على المتدبر في التنزيل الحكيم أن يرى مدى انحراف الإسلام الذي نشأنا عليه ونقدمه للعالم، عن إسلام التنزيل الذي حمله الرسول محمد بن عبد الله (ص) بخصائصه الثلاث الرحمة والعالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) والخاتمية {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الأحزاب 40) و {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة 3). فالرسالة المحمدية رسالة رحمة، رفعت عن كاهل الناس الإصر والأغلال، وأحلت كثيراً مما حرم في سابقاتها، وخففت العقوبات إلى الحد الأدنى، وتكمن عالميتها في تطابقها مع الفطرة الإنسانية لأهل الأرض، بحيث يمكننا التحقق من "صدق الله العظيم" في مدى انسجام ما يطبقه معظم الناس مع تعاليمها، وضمها للناس جميعاً تحت لوائها وفق معيار التقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات 13)، أما أهمية خاتميتها فتكمن في إعلانها صلاحية الإنسانية للعيش دون الحاجة لرسالات…

لا أعبد ما تعبدون

الأحد ٠٥ نوفمبر ٢٠١٧

خاص ل هات بوست : لا يكاد يمر أسبوع إلا ويسقط فيه ضحايا أبرياء في مكان ما من هذا العالم تحت شعار الإسلام، وآخر حادثة قبل كتابة هذا المقال جرت في مانهاتن في الولايات المتحدة، ناهيك عن ضحايا في سوريا والعراق واليمن ومصر يسقطون دون ضجة تذكر، ونجد أنفسنا كمسلمين في موقع الدفاع عن النفس وتبرير الأفعال، ويخرج علينا فقهاء الفضائيات ليستنكروا ويبرؤا الإسلام من تهم الإرهاب وترويع الأبرياء. وإذ ألفي نفسي متهماً بشكل أو بآخر، فأنا كاتب هذه السطور لا أرى أي عامل مشترك بيني وبين هذا الشخص الأوزبكي في مانهاتن، وأستطيع القول بكل راحة أني بريء منه ومن دينه، مهما كانت جنسيته، فهو لا يمت لي بأدنى صلة، وإلهه ليس إلهي، وأستطيع أن أقرأ عليه قوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}(الكافرون) فما أعبد هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، وسعت رحمته كل شيء، لم يأمرني بقتل أحد، بل أعطاني مثالاً صريحاً عمن يخاف رب العالمين منذ بدء الخلق وقبل ارتقاء الإنسانية لتصل كما يفترض إلى أعلى سلم القيم {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ…