محمد شحرور
محمد شحرور
مفكر إسلامي كاتب سوري

حرام أم حلال؟

الأربعاء ١٠ يوليو ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست : تأخذ برامج الفتوى حيزاً لا بأس به من الفضاء الإعلامي، المرئي والمسموع، الإلكتروني وغيره، وتشترك جميعها بمبدأ أساسي هو السؤال عن الحلال والحرام، وفيما ينشغل العالم بالحروب والاحتباس الحراري ومشاكل الفقر والجوع، ننشغل نحن بمدى حرمة نمص الحواجب أو الوشم، وأسئلة مشابهة كثيرة، يدور جلها حول مواضيع لا تحتاج لأكثر من قليل من المنطق. ويبدو هذا الأمر طبيعياً أمام الكم الهائل من الأحاديث الموروثة التي تجعل من الحياة اليومية مجموعة من المحرمات، يرتكبها الإنسان كيفما تحرك، ومن ثم على المؤمن أن يكون حذراً، يتأكد ليلاً نهاراً من أنه لا يتجاوز الخطوط الحمراء، أو تراه خاضعاً لعقدة الذنب، فهو عاصٍ، وشاء أم أبى لن ينجو من أن تمسه النار، فالله كما صورته لنا كتب التراث هو (حاشاه) إله يعد على الناس عثراتهم ويهوى تعذيبهم، وسيكويهم بدرجات في نار جهنم، وسيعلق النساء من أثدائهن وشعورهن، فصور الجحيم أقسى من أن يمكن تصورها. لكن المفارقة تكمن في كون ما ورد في التنزيل الحكيم مختلف تماماً عما ورد في الموروث الفقهي، فالله رؤوف رحيم، يغفر ذنوب عباده، ولم يخلقهم ليعذبهم، بل رحمته وسعت كل شيء، ورسالة محمد (ص) التي اكتمل الإسلام بها، هي رسالة رحمة، رفعت الإصر والأغلال التي سبقتها، وخففت الخطوط الحمراء وقلصتها، لتغدو محدودة معدودة، تقبلها الفطرة…

الإسلام والحاكمية

الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست:  يعرّف الدين بأنه الانقياد والطاعة دونما إكراه، تحكمه سلطة الضمير فقط، فأنت كإنسان تسمح لدينك أن يتدخل في حياتك الشخصية بكل أريحية، وكمسلم مؤمن بالرسالة المحمدية تمتنع مثلاً عن أكل لحم الخنزير بموجب إيمانك برسالتك، وتعلم أن الله يراك، ولا سلطة لسواه عليك، وإلا أصبحت مكرهاً، سواء كنت تحت ضغط الأسرة أم المجتمع، سيما في الأمور الفردية غير المقوننة، وبناءً على ما يمليه عليك ضميرك ستستحق الثواب أو العقاب، وهذا ما اختصره قوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة 256). ورغم أن المنظومة الفقهية الموروثة حاولت التحكم برقاب العباد، شأنها شأن تدخل الكنيسة في حياة أتباعها في مراحل تاريخية سابقة، إلا أن الإسلام الذي حمله التنزيل الحكيم يختلف تماماً، فهو يمنح الإنسان مطلق الحرية في اختيار ما يشاء من ضمن مجال واسع الطيف، في شتى المجالات، والخطوط الحمراء محددة ومعدودة، تتلخص في محرمات أربعة عشر، يتفق على معظمها أهل الأرض، وتنسجم مع الفطرة الإنسانية، ورغم ذلك فأنت حر بالتزامها أو الخروج عليها وتحمل مسؤولية اختيارك، وربما تعاقبك القوانين في الدنيا، أما في الآخرة فالله وحده معني بذلك، وعلاقتك بالآخرين تتمحور حول القيم الأخلاقية، بينما معتقداتهم لا شأن لك بها، ويفترض ألا يتدخل القانون فيها، والله تعالى ترك لنفسه هذا الحق {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ…

لنعد إلى كتاب الله

الجمعة ٣١ مايو ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست: يعد شهر رمضان موسماً للمسلم المؤمن برسالة محمد (ص) كي يتقرب من الله ويعزز علاقته به سبحانه، سواء بالصيام أو بالصدقة أو بالصلاة بمعناها الشامل، كصلة مع الله وذكر ودعاء وصلوات شعائرية، إضافة لقراءة التنزيل الحكيم وتدبر ما جاء فيه. ودرج المؤمنون على تلاوة الكتاب وختمه في رمضان وهي عادة محمودة ولا شك، لكن ما يغفل الكثيرون عنه هو "تدبر ما جاء فيه" ومنحه ما يستحق من الاهتمام بما يتجاوز التلاوة والحفظ، إلى القراءة بما تحمله الكلمة من معنى، أي العملية التعليمية، "تتبع المعلومات" ثم القدرة على استقراء نتائج منها ومقارنتها بعضها ببعض، فقد عُلمت الأجيال المتعاقبة أن فهم التنزيل الحكيم للخاصة لا العامة، وأن من غير المطلوب فهم معاني الآيات، فليس من اختصاصك، وإن كان ولا بد فعليك بالتفاسير التي تجدها في الحاشية، لا أكثر، وهي مع احترامي لمؤلفيها لا تتعدى تفسير الماء بالماء، إن لم يكن تفسيراً يجافي الحقيقة أصلاً ويحرف المعنى تماماً، أما "علوم القرآن" فيمكن تسميتها ما نشاء إلا "علوم"، وهي تختص بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والتجويد، بينما تتجنب التدبر والتفكر والتفقه، وإن كان أصحابها اجتهدوا مشكورين وفق الأرضية المعرفية التي سمح بها عصرهم، فإن ما أنتجه عصرنا في هذا المجال هو معاهد وجوائز لحفظ القرآن، وطبعات فاخرة من المصحف، تكرس الاهتمام…

الإسلام رسالة رحمة

السبت ١٨ مايو ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست : نبدأ يومنا وأعمالنا وأقوالنا ب "بسم الله الرحمن الرحيم"، ونكاد نردد هذه الآية عشرات المرات في اليوم الواحد، ونحن نقر برحمة الله التي رجحت على عذابه، ونقرأ قوله {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء107) لندرك أن الرسالة التي حملها محمد بن عبد الله (ص) لا تخصنا وحدنا كأمة، وإنما هي رسالة عالمية، ختمت الرسالات جميعها وأكملتها، في إعلان عن أهلية الإنسانية للعيش دونما رسل جدد يوجهون مسارها. ولطالما واجهت سؤالاَ من قبيل: "ألم نكن سنصل إلى ما نحن فيه دونما رسل وأنبياء؟" والجواب: بالطبع لا، فالإنسانية مرت بمراحل عديدة في ابتعادها عن المملكة الحيوانية، كانت الرسالات خلال هذه المراحل هي الدليل الذي يصحح المسار بما يتناسب مع التراكم الحضاري والأخلاقي التدريجي، حتى جاءت الرسالة المحمدية لتكمل الإسلام الذي ابتدأ مع نوح وتختم الرسالات وتعلن صلاحية الإنسانية لتلمس طريق الرشد بنفسها دونما تدخل مباشر من الخالق جل وعلا، وفق هدى من القيم الأخلاقية التي تتناسب مع فطرة الناس جميعاً، وما نراه بديهياً اليوم لم يكن كذلك على مر العصور، وكما تراكمت القيم تراكمت الشرائع، والرحمة التي حملتها رسالة محمد تتجلى في تخفيف العقوبات عن الناس وتحويل أحكام الشريعة من حدية لا مرونة فيها، إلى حدودية تتحرك بين حد أدنى يبدأ بالعفو إلى حد أعلى، يبلغ الإعدام…

نوتردام وخطاب الكراهية

السبت ٢٠ أبريل ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست :  يحدث للوهلة الأولى أن يتفاجىء المرء بردود الأفعال على احتراق كاتدرائية نوتردام في باريس، فرغم التعاطف الكبير، إلا أن نسبة ليست بالقليلة من تلك الردود كانت تمتلىء بالتشفي والحقد، لأسباب عديدة مختلفة، من شرائح متنوعة الأعراق والملل والعقائد، لكن المفاجأة سرعان ما تتبدد أمام ما نراه من تطرف وعنصرية يتغلغلان في المجتمعات، فيما يشكل ظاهرة لا بد من مواجهتها بتروٍ، سيما وأنها تحرف تدريجياً الإنسانية عن خط سيرها باتجاه التعايش والتسامح، وما حادثة مسجدي نيوزيلندا إلا مثال قريب إلى الذاكرة عن هذا. وإن كنا كمسلمين مؤمنين بالرسالة المحمدية لسنا معنيين مباشرة بالأسباب التي أدت لتطرف غيرنا تجاه هذه الحادثة، إلا أننا معنيون بشكل أو بآخر، بالبحث فيما يخصنا من أسباب، فرسالة الرحمة التي يفترض أننا نحملها لا تتماشى مع الكم الهائل من الكراهية الذي يبثه بعض ممن يشاركوننا بحملها، والأنكى أنهم يتصدرون للتعبير عنها، بحيث تختزل صورة "المسلمين" تدريجياً بهؤلاء القلة الغوغاء الذين يشوهون صورة الإسلام، ابتداءً بتعبير في غير محله، وانتهاءً بأعمال إرهابية إجرامية. ويرتكز التشفي الواضح على محور أساسي هو العداء لأصحاب الملل الأخرى، فهم قدأخرجوا تلقائياً من الإسلام ، وفق الثقافة الموروثة التي اختزلته بأركان خمس، من أخل بها خرج منه، وخرج من ثم من رحمة الله، ولن يقبل "دينه"، ولا يقف…

المعجزة والعقل

الإثنين ٠٨ أبريل ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست : يسمي الإنسان ما يعجز عن وضع تفسير معقول له "معجزة"، وفي بداية الأنسنة كانت ظواهر الطبيعة معجزات، فالشمس والقمر والرعد والبرق والمطر كلها ظواهر لم يكن بمقدورالإنسان وضع تفسير معقول لها، فاتخذ من بعضها آلهة أحياناً، ثم تدرج في الوعي شيئاً فشيئاً، وتزامن الأمر مع إرسال الله لأنبيائه ومرسليه ليصححوا المسار ويشذبوا المعتقدات، وكان لا بد أن يؤيدهم الله بما يبهر ويمنحهم مصداقية أمام أقوامهم، ولم تكن هذه البينات إلا من ضمن قوانين الطبيعة حتى لو شكلت قفزة زمنية فيها، فاستطاع إبراهيم تحمل النار التي ألقاه بها قومه، فكانت برداً وسلاماً عليه، وتمكن موسى من تقديمعرض من البينات الحسية من العصا واليد والجراد والقمل والضفادع وغيرها، ثم شق البحر بعصاه فأغرق فرعون، وأحياالمسيح الموتى وشفاالأكمه والأبرص، وكل هذه معجزات مادية سبق فيها عالم المحسوس عالم المعقول. وإذ تدرجت الإنسانية في الوعي تناقصت المعجزات تدريجياً، حيث أصبحت المحسوسات لها تفسير على أرض الواقع، ويمكن للعقل أن يدرك حيثياتها، ولأن الرسول محمد (ص) حمل الرسالة الخاتم التي ستستمر إلى قيام الساعة، فإنه لم يؤت معجزات مادية قد لا تصمد يوماً أمام العقل، وإضافة لكونه افتتح عصر المساواة والتعددية، افتتح أيضاً عصر العقلنة، فلم تحتو رسالته على ما لا يقبله العقل، وإن كنا نجد غير ذلك في التنزيل…

جريمة نيوزيلندا

الثلاثاء ١٩ مارس ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست :  تعكس جريمة نيوزيلندا حجم التطرف الذي يصيب العالم، في شتى أرجائه، وإذ بدا أن الإرهابي المنفذ لم يكن وحده، وأن هناك تيار من المناصرين له في كل مكان، فإن الإنسانية تحتاج للوقوف أمام حصيلة إنجازاتها فيما يخص مدى قبول الآخر. فقد يبدو لنا المشهد العام جميلاً ما قبل الجريمة الأخيرة، لكنه ليس كذلك، لا قبلها ولا بعدها بالطبع، رغم ما يوحي به من أن العنصرية هي الاستثناء والتعايش والتسامح هما القاعدة، إذ لا تلبث مصطلحات معينة تطفو على السطح، لتهتز معها الصورة، فهذا أبيض وذاك أسود، وهذا مسلم إرهابي وذاك مسيحي صليبي، وهذا أوروبي متحضر وذاك آسيوي متخلف، ولا تقف القضية عند المصطلحات بل تتعداها كثيراً لتصل إلى القتل كما شاهدنا، قتل على أساس الاختلاف، فيتم الحكم على الآخر المختلف بالموت، نتيجة تحميله وزر انتماء لماض لا ذنب له فيه، أو لحاضر لم يرتكب فيه أي خطأ، وثمة دائماً مستفيد من تأجيج نيران الكراهية، يحقق من خلالها غايات ما. ومجرم مساجد نيوزيلندا بالتأكيد لم يقرر بين يوم وليلة ارتكاب هكذا جريمة، لكنه خطط لها طويلاً، بناء على تهيئة فكرية حرضت لديه كراهية "المسلمين"، اعتمدت على وقائع تاريخية وغذتها بحوادث عصرية، أي هناك عقيدة فكرية معينة تلقنها، جعلته يرى في هؤلاء الأبرياء أعداء يجب قتلهم، ربما…

ليس للإنسان إلا ما سعى

الإثنين ٠٤ مارس ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست : ثمة أقوال مأثورة حفرت في العقل الجمعي العربي وتبادلها الناس فشكلت أساساً في تعاملهم، بعضها يصنف ضمن الأحاديث، دون التمحيص في مدى صحتها، كحديث "الجنة تحت أقدام الأمهات" الذي كثيراً ما يتداول في مناسبات تخص الأم، ورغم عظمة دورها وعدم شكنا بثوابها، إلا أننا لسنا متأكدين من كون الرسول (ص) قد قاله أو لا. وفي سياق آخر يعتبر القول "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرىء ما نوى"حديثاً "صحيحاً"، اعتمده الناس في حياتهم كقاعدة تشكل مخرجاً لا بأس به لراحة الضمير، على أساس أن النوايا الحسنة تكفي لنؤجر ونثاب عليها، بما معناه أنه يمكنني أن أنوي التبرع بمائة ألف دولار للفقراء كل ليلة قبل النوم وأعد نفسي بالأجر والثواب بناء على ذلك، ويمكن لسارق إقناع نفسه أن نيته من السرقة هي إنجاز مشروع يعود بالخير على المجتمع، لكن ما ينطبق عليه برأيي هو أن "طريق جهنم مفروش بالنوايا الحسنة"، والمثال الأكثر وضوحاً في تاريخنا المعاصر هو ما جرى في حرب 67، حيث كانت نية جمال عبد الناصر في منتهى الطيبة والصدق لكنه تسبب في خسارة الضفة الغربية بما فيها القدس إضافة لسيناء والجولان، ولم يحاسبه أحد بل اعتبر قائد عظيم لأن الأعمال بالنيات. ووفق التنزيل الحكيم الأجر يأتي جزاء لعمل {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ} (التوبة…

إسلام كامل

الأربعاء ٠٦ فبراير ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست :  يعرف الكمال بأنه تمام متقطع، أما التمام فهو كمال مستمر، فنحن نكمل ما بدأناه بعد انقطاع، لكن نتم العمل حين ننهي ما اتصل منه، فإذا صمنا من الفجر إلى المغرب نتم يوم صيام، وإذا صمنا أيام شهر رمضان كلها، نكون قد أكملنا الصيام. فإذا وقفنا عند قوله تعالى في التنزيل الحكيم {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة 3) نتبين أن الإسلام الذي ابتدأ مع نوح {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ---* ---إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس 71 – 72) ونادى به كل الرسل اكتمل بالرسالة المحمدية الخاتم، وتمت النعمة التي أنعهما الله على عباده بما حملته هذه الرسالة من رحمة، فخففت عنهم الإصر والأغلال، وأعلنت صلاحية الإنسانية لبدء عصر جديد، يحمل سمات مغايرة لما قبله، حيث لا فرق بين ذكر وأنثى، ولا رق ولا تمييز بين الناس، والفطرة التي يقبلها كل أهل الأرض هي الأساس في قياس الأمور، مع حنيفية بين حدود مرنة، يبلغ اتساعها ما يضم اختلاف الأهواء عبر الزمان والمكان. قد يظن القارىء أني أبالغ، لكن هذا الكلام تجدون مصداقيته في كتاب الله، وربما أو من المؤكد لن تجدوه فيما بين أيديكم من أمهات كتبنا وأدبياتنا التي اعتمدناها لننهل…

أي “علماء” نريد؟

الأحد ٢٧ يناير ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست : عندما أطلق الاتحاد السوفيتي أول مركبة فضائية حول الأرض عام 1957، وجهت أكاديمية العلوم السوفيتية الدعوة للعلماء في دول العالم لحضور هذا الحدث الهام، ومن بينها سورية، حيث وصلت الدعوة لرابطة علماء الشام، وأعضاؤها علماء الفقه والشريعة، ومع احترامي لهم، لكنهم ليسوا المعنيين بالموضوع، ولا أعتقد أن ما جرى في الدول العربية الأخرى يختلف عن ذلك، والالتباس هو في التسمية، فكلمة "علماء" في عالمنا العربي تخص "علوم الدين" فقط لا غير، وطلاب كليات الشريعة هم فقط طلاب العلم، و"هيئة كبار العلماء" وما شابهها هي أبعد ما تكون عن علوم الفيزياء والرياضيات والطب والهندسة. قد لا يستحق الأمر الوقوف عنده لو أنه يقتصر على التسميات، لكنه يتعدى إلى سلسلة طويلة من الأمور تعكس ما نحن عليه منذ قرون. فالعقل الجمعي العربي تتلمذ على يد أبي حامد الغزالي الذي أحيا علوم الدين وسفه الفلسفة، في حين تمت تنحية علماء وفلاسفة ذاك العصر، وكانت إشارة البدء لعصور من الانحطاط يبدو أنها ما زالت مستمرة، حيث استكان ذاك العقل للنوم ليحل مكانه النقل، ويتصدر الأولويات، فما زلنا حتى اليوم لا نناقش النصوص، ولا نتجرأ على التفكير بها، بل نقدس تلك العنعنة، وإذا كان الإيمان بالله هو المسلمة الوحيدة التي يفترض أن يقبلها المؤمن، أضحى التسليم معمماً على كل الإرث…

كل عام وأنتم بخير

الجمعة ٠٤ يناير ٢٠١٩

خاص لـ هات بوست : منذ أيام ابتدأ عام جديد، وسادت الاحتفالات في العالم لاستقباله، على أمل أن تتحقق الأمنيات خلاله، واحتفلنا نحن العرب أيضاً وأملنا كغيرنا أن يحمل العام الجديد السلام والخير لبلادنا وأهلنا. لكن الاحتفالات على اختلاف حجمها، تلقى دائماً بعضاً من الرفض لأسباب عديدة، أولها فيما يخصنا هو "الحرام"، وفي حالة العام الميلادي فالحرام يغلف الاحتفال من كل جوانبه، على اعتبار أنه مناسبة تخص المسيحيين ولا تخصنا، وأن التقويم الغربي لا يعنينا، عدا عن أن الفرح في ثقافتنا أمر منبوذ. والتقويم الغربي هو تقويم اعتباري لرأس السنة، يعرّف العام بأنه دورة كاملة للأرض حول الشمس، تعتمده أغلب دول العالم، ونحن المسلمين المؤمنين بالرسالة المحمدية، نعيش منتشرين في أصقاع الأرض، كغيرنا من الناس، نؤرخ بما يؤرخ الناس حولنا ونعد سنين عمرنا كما يعدون، لا يمكننا أن ننفصل عنهم في شؤون حياتنا اليومية، ولا يفترض بنا ذلك، لنا تقويم هجري معتمد نحتفل ببدايته وكل ما يتبعها من مناسبات خاصة بنا، أما تعاملاتنا في المدارس والجامعات والمراسلات والعلاقات الخارجية والاقتصادية فتتطلب اعتماد ما يسهل أمور حياتنا، دون أن نرتكب "حراماً"، وهذا يجرنا إلى مواضيع متشعبة عدة، منها أن الحرام شمولي أبدي بيد الله وحده، لا يزيد ولا ينقض، وتختصره محرمات محدودة معدودة لا تتجاوز الأربعة عشر، تتعلق بتعاملنا مع الغير،…

كيف سنخرج من المستنقع؟

الأحد ٢٣ ديسمبر ٢٠١٨

خاص لـ هات بوست : خلق الله الكون ووضع قوانينه وترك للإنسان القضاء في الموجودات ضمن هذه القوانين وتماشياً مع المعرفة، فكلما زادت معرفته زاد قضاؤه، دون أن تتغير قوانين الوجود، فقانون الجاذبية مثلاَ لا يمكن أن يتبدل، وسقوط طفل وعجوز من شاهق إلى الأرض سيؤدي إلى النتيجة ذاتها، ومن القوانين الأساسية لهذا الكون قانون التغير، فلا ثابت إلا الله، وضمن هذا القانون تسير الإنسانية إلى الأمام، وتتقدم يوماً بعد يوم، فالطب اليوم لا يقارن بما كان عليه قبل مائة عام، والتكنولوجيا حدث ولاحرج، ورغم ما يراه البعض إنحلالاً أخلاقياً إلا أن القيم الإنسانية ما زالت ترقى وإن بنسب متفاوتة بين مجتمع وآخر. وإن كنا كأمة نحاول اللحاق بركب الحضارة، عبر استهلاك آخر منتجاتها على جميع الأصعدة، إلا أننا فكرياً ما زلنا نعيش في الماضي، نتغنى بأمجاد زالت، ونناقش أحقية زيد أم عمرو بالخلافة، ونتحزب لهذا أو ذاك، ونتجادل في مدى صحة معايدة النصارى، فلا وقت لدينا لاكتساب المعرفة ولا يهمنا القضاء في الموجودات، وكلنا ثقة بأن الله قد سخر لنا "الكفار" ليخترعوا ويكتشفوا ما يفيدنا بينما نحن نيام، فنحن أمة عصية على التغيير، ومجتمعاتنا قروية بامتياز، لا بالمعنى الجغرافي للقرية، إنما بالمفهوم الاجتماعي ذي اللون الواحد الثابت، لا نقبل التعددية ولا الاختلاف ولا تجاوز ما كان عليه آباؤنا، ولا…