مصطفى النعمان
مصطفى النعمان
كاتب و دبلوماسي يمني

ماذا تعني نهاية صالح؟

الأربعاء ٠٦ ديسمبر ٢٠١٧

لم تمض أيام ثلاثة منذ أطلق الرئيس السابق علي عبدالله صالح دعوته للخروج ضد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء وشمالها، حتى لقي حتفه بالطريقة التي تمرس عليها الحوثيون مع خصومهم بالتنكيل بهم والتمثيل بجثثهم، وهي أفعال تشابه صنيعا كان يمارسه الأئمة مع الخارجين عليهم بتعليق رؤوسهم في أماكن عامة، ولكن الوقت لم يكن في مصلحته فواجه مصيرا لم يحاول الفرار منه كما فعل آخرون ممن صنعهم ثم خذلوه وتركوه وحيدا، وأمس جاءت كلمة زعيم الحركة الحوثية لتعطينا تعبيرا فاضحا عن النفسية التي يحملها وأنصاره ضد كل من خالفهم ووقف ضد مشروعهم المذهبي، وحاول بكلمات ناعمة إظهار ترفع عن الرغبة في الانتقام، مع أن الجميع يعرف دون تردد أن إنسانا بحجم علي عبدالله صالح لا يمكن التعامل معه بتلك الطريقة غير الأخلاقية ما لم يكن بأمر مباشر منه انتقاما للحروب التي خاضتها الدولة ضد جماعته بين 2004- 2010. تمكنت جماعة الإخوان المسلمين (الإصلاح) عبر وسائل إعلامهم التي تتشابه في أساليبها إعلام الحوثيين من شيطنة صالح منذ 2011 ثم مواصلة تزييف للوقائع ونشر للدعايات الموجهة إلى العامة خاصة من أنصارهم، وهذه الجماعات تستخدم نفس ما سرده جورج اورويل في روايته (1984) عن أهمية التركيز على تزييف الوعي وتغييب العقل في تناول القضايا وحتى تعديل الحقائق التاريخية في مناهج التعليم، وكذا أهمية القبول…

الإسلاميون بين الدعوة والسياسة

السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧

منذ بدايات نشأتها ركزت الجماعات التي تلبس عباءات الدين غطاء لطموحات قياداتها السياسية، على استغلال الإحباط الذي عانت منه المجتمعات نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية وغياب الحريات العامة والشخصية، ووجهت نشاطاتها نحو الشباب تحت مسميات مثل (الصحوة) و(الإسلام هو الحل)، وكان التأثير الإعلامي عاملا مساهما في زيادة تغلغلها في مؤسسات المجتمع عبر الخدمات التي كانت تقدمها في الأرياف تحديدا. في نفس الوقت كانت قيادات هذه الجماعات مرتبطة بعلاقات وثيقة مع الحكومات، خصوصا في البلدان التي كان الحاكم يصل فيها فجأة إلى السلطة خارج صندوق الانتخابات حين يكون ساعيا لتحالفات وأدوات تساعده في ترسيخ بدايات صعوده، فحاربوا معه لتثبيت سلطاته، وشاركوا في مفاصل الدولة مكافأة لما بذلوه من جهد وما قدموه من مشورة ورجال. لكن الأوضاع سرعان ما تتبدل حين يزداد الحاكم قدرة على العمل بمفرده معتمدا على الآليات التي صنعها بنفسه وأغدق عليها وقربها منه ومنحها جزءا كبيرا من المواقع التي كانت الجماعات الدينية قد تبوأتها، فتبدأ عملية إقصاء طبيعية وتدريجية تنتهي بهم إلى السجون أو في أحسن الأحوال إلى صفوف معارضة لم تكن خيارهم الأول ولم يكن ذلك من أجل أهداف وطنية ولكن لأسباب ذاتية صرفة. تمكنت جماعات الإسلام السياسي من ملء الفراغات التي أحدثها هروب الناس إلى الغيبيات بعد أن ضاقت عليهم مجالات العمل وتزايد البطالة وإغلاق منافذ النشاط…

الحوثيون والعبث المدمر

السبت ١٤ أكتوبر ٢٠١٧

مثل اقتحام ميليشيات الحوثيين العاصمة، بعد الاستيلاء على مدينة عمران واغتيال القائد العسكري حميد القشيبي، نقطة تحول فاصلة في تاريخ اليمن الحديث انقلبت فيها كل الموازين التي حكمت المجتمع خاصة بعد 26 سبتمبر 1962 التي سقطت عنده حق فئة واحدة بالحكم الذي كانت تراه حكرا عليها بموجب نظرية ابتدعوها تتحدث عن أحقيتها سلاليا ومذهبيا إدارة شؤون البلاد والعباد، واستكمل الحوثيون الإمساك بكل مفاصل الحكم المدنية والأمنية والعسكرية ونصبوا على رأسها من انتمى إليهم نسبا وصهارة وواصلوا إزاحة كل من كان غير قادر ولا مقتنع لتقديم الولاء والطاعة المطلقة. لم يكتف الحوثيون بالسيطرة على العاصمة والمناطق الواقعة شمالها جغرافيا فبدأوا بتحريك ميليشياتهم جنوبها بسرعة فائقة بلغت أقصاها بعد اعتقال الرئيس والحكومة، في يناير 2015، بالوصول إلى عدن مرورا بتعز والبيضاء تحت شعار (محاربة الدواعش)، واستعانوا بمعسكرات الجيش هناك والتي نقل قادتها ولاءهم من الدولة إلى (الجماعة)، فأثارت هلعا مذهبيا ومناطقيا متسببة بنشأة مقاومة محلية استثارها الهوس المذهبي والإهانات التي تعرض لها المواطنون على يد من أرسلتهم لإخضاعها، كما حصلت على دعم من بعض القوى المحلية التي تنتمي لها سلاليا، فتسببت في خلق شقاق محلي في مناطق تعايش الناس داخلها عقودا طويلة دون إحساس بتميز وتمازجت الأسر بسلام وطمأنينة، ففجرت بذلك مخزونا تاريخيا من مشاعر الكراهية والأحقاد وبدأ الناس يستعيدون معاناة وقهر…

الثورة حدث أم إنجاز؟

السبت ١٦ سبتمبر ٢٠١٧

قامت أغلب الثورات العسكرية في العالم العربي بإذاعة بيان «أول» ذكر مبررات «الحدث»، وكان أغلب ما سرده يدور حول فساد الأنظمة الحاكمة المنقلب عليها وتسلطها وقمعها للحريات، ولكن الالتفاتة البسيطة لمثالين لا نزال نعيش آثارهما تثبت أن المسـألة لم تكن إلا تعـطشاً للاستيلاء على الحكم انتهى بكوارث حلت بتلك البلدان ودمرت مقدراتها وضربت جذور العيش المشترك داخل حدودها وشردت الملايين من مواطنيها في أصقاع الأرض وعبثت بالثروات الهائلة في مغامرات داخل وخارج أراضيها. عندما استولى معمر القذافي على السلطة في ليبيا بالقوة مطيحا بالملك إدريس السنوسي ظل يصر طوال سنوات حكمه الأربعين على أنه قائد ثورة شعبية وحول بلاده إلى مزرعة خاصة حرم المواطنين فيها من الاستفادة من ثرواتهم وأنشأ نظاما أمنيا شديد القسوة حد قتل معارضيه جماعيا داخل السجون وملاحقة كثيرين خارج الحدود، ولم يتوقف هلع السلطة عند حدود تثبيت الحكم بإرهاب الناس، بل بدد كل مداخيل ليبيا للإنفاق على مغامرات عبثية دون هدف وطني، فاشترى سياسيين وحزبيين في كل قارات الأرض، ووزع أفكاره الساذجة التي سماها (الكتاب الأخضر) في كل أركان المعمورة بعد ترجمته إلى كل لغة مقروءة. وكان من الطبيعي أن تكون نهايته مأساوية محزنة بقدر ما صنعه في بلاده وبحجم ما خلف من أحزان ودمار. لم يكن نظاما (البعث العربي الاشتراكي) في دمشق وبغداد أقل كارثية…

بين السياسي ورجل الدولة

السبت ١٩ أغسطس ٢٠١٧

تنتشر في اليمن ظاهرة عجيبة هي إطلاق الألقاب المضخمة للذات على شخصيات في مواقع الحكم المختلفة، ولكن صار الأكثر ابتذالا هو استخدام تعبير (رجل دولة) الذي ينعت به المعجبون بعض الساسة لمجرد إطلاقهم تصريحا يتسم بأداء مسرحي وانفعالات مبالغ فيها واستخدام لغة تساعد على إظهارهم كما لو كانوا أصحاب مواقف صارمة معتمدين على ضعف الذاكرة من ناحية وحاجة الناس إلى من يخاطب غرائزها، ولاحظت في الفترة الأخيرة أنه كثيرا ما اختلط على الناس الفارق بين السياسي ورجل الدولة. يقول الكاتب الأمريكي جيمس فريمان (١٨١٠-١٨٨٨) إن «السياسي هو الذي يفكر في الانتخابات القادمة بينما رجل الدولة يفكر في الأجيال القادمة»، وهو هنا يضع مسافة كبيرة بين الصفتين إذ إن الأول يحتاج إلى صفات لا علاقة لها بالمستقبل وإنما تركز علـى الحاضر وكيفية إرضاء غرائز الناس وإظهار قدراته على تأجيج مشاعرهم حتى وإن كانت المعطيات التي يطرحها غير صحيحة ولا قابلة للتنفيذ، وتزداد شعبيته كلما زاد إحباط الناس من واقعهم، فنجدهم يتمسكون بقشة حتى وإن علموا أنها لن تنقذهم من الغرق، بينما رجل الدولة يقف على مسافة بعيدة عن السياسي إذ إن خطابه يكون في الأغلب مسكونا بهموم المستقبل القريب والبعيد ويكون أبعد ما يكون عن تحقيق مصلحة ذاتية، ومن الطبيعي أن نجد سياسيا يقف في مصاف رجال الدولة كما أن هناك…

اليمن: الحرب والنواب

الأحد ٠٢ يوليو ٢٠١٧

لم يعد مخفيا أن الحرب الدائرة في اليمن يمكن اختصارها بصراع حول السلطة بعيدا عن مصالح الغالبية العظمى من المواطنين الذين وقعوا في مصيدته دون أن يكون لهم دور ولا رأي فيه، واليوم بعد مرور ٢٨ شهرا تواصل أطراف الحرب اليمنية التشبث بمواقفها. الأطراف الحاضرة هي: الطرف الانقلابي الذي احتجز الرئيس هادي، ورئيس الوزراء بحاح، وعددا من أعضاء حكومته في ٢٠ يناير ٢٠١٥، يدعي أنه يمثل سلطة «أمر واقع» في العاصمة صنعاء، وفي الطرف الآخر يتزعم هادي معسكر (الشرعية) مستندا إلى دعم خارجي مستمر والمبادرة الخليجية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وأخيرا ظهر طرف جديد هو (المجلس الانتقالي) الذي تزعم قيادته أنها تمثل الجنوب وتعبر عن إرادة سكانه. لكل طرف مؤيدوه، بعضهم عن قناعة بالهدف المعلن للأطراف، وآخرون وهم الأكثرية مستفيدون من استمرار الحرب، ولكن المواطن البسيط بعيد عن صراعاتهم التي يدرك أنها لا تتجاوز التشبث بالسلطة واقتلاع الآخر حتى وإن كانت النتيجة استمرار النزيف والأحقاد والكراهية والدمار النفسي. منذ أن ارتكبت جماعة (أنصار الله – الحوثيين) حماقتها الكبرى باحتجاز رئيس الدولة ورئيس الحكومة، دخلت البلاد في أتون حرب أهلية لم تنج منها أية رقعة جغرافية، وسالت الدماء، فصار في كل بيت يمني أسرة شهيد أو معاق أو مفقود، ورغم الارتفاع المذهل في الحصيلة اليومية إلا أن ذلك لم يدفع قادة…

شرعية مجلس النواب

السبت ١٧ يونيو ٢٠١٧

توقف مجلس النواب اليمني عن ممارسة الدور المناط به بموجب الدستور الساري، ونتيجة للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية تعطل عدد محدود من مسؤولياته، وأضحت أغلب قراراته تتم بالتوافق لا التصويت، وإذا ما أضفنا إلى هذا أن المجلس الحالي هو الأطول عمرا إذ تم انتخابه عام ٢٠٠٣ وتم التمديد له عام ٢٠٠٧ لعامين إضافيين مكافأة لأعضائه نظير قبولهم تعديل الدستور الذي منح الرئيس السابق علي عبدالله صالح فرصة الترشح مجددا لانتخابات الرئاسة عام ٢٠٠٦ التي فاز بها على منافسه الراحل فيصل بن شملان بعد أن كانت مدته الدستورية على وشك الانتهاء، ومرة أخرى جرى تمديد إضافي عام ٢٠٠٩، ثم دخلت البلاد في دوامة «الربيع» واستمر المجلس ولا يزال بمسوغ دستوري هو عدم إمكانية إجراء انتخابات نظرا لأوضاع البلاد الأمنية والاجتماعية وبهذا صار المجلس رغم عجزه المؤسسة الدستورية الوحيدة القائمة. خلال الفترة التي تلت انقلاب ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ الذي استولت فيه جماعة (الحوثيين) على العاصمة ودخول البلاد في جحيم حرب أهلية مستمرة حتى اليوم، توزع أعضاء المجلس بين مقيم بدون عمل؛ لأن الانقلابيين حاصروا مقره وأوقفوا نشاطه تماما، وبين مهاجرين في أصقاع الأرض مع أسرهم خشية التعرض للأذى والملاحقة، وبقي الخمول يخيم على الأعضاء في الداخل والخارج ولم يلتفت أحد إلى ضرورة النأي به عن الصراعات والحفاظ على تماسكه، ولكن فجأة دبت الحياة…

إعادة الهيكلة

السبت ٢٧ مايو ٢٠١٧

تواجه الأجهزة الحكومية في العديد من الأنظمة شرقا وغربا حتمية الانتباه إلى عملية النقد المؤسسي والإعلامي لأدائها خصوصا إن لم يحدث تغيير ممنهج في سياسات الدولة لمواجهة المتغيرات المتسارعة والتي تؤثر على تسيير المؤسسات الحكومية وترهلها وتقلل من قدرتها على المنافسة والصمود أمام التحديات المتجددة، كما تقوم المؤسسات الخاصة الكبرى بعمليات مشابهة لتتمكن من مواكبة الوظائف الجديدة للمجتمع واحتياجاته، وفي مجمل الأحوال يكون الهدف هو الحصول على ثقة المواطنين في حالة الدولة والمستهلك في حالة القطاع الخاص والتصدي لحالات فقدان المصداقية وانقطاع التواصل بين المؤسسات والمجتمع. يزعم البعض أن المجتمعات التي تمر بحروب طاحنة يجب أن تخضع إلى أن (لا شيء يعلو فوق صوت المعركة) وتحت هذا الشعار يبتكر المنتفعون لافتة أخرى هي (عدم شق الصف) وباستخدام هذين الشعارين يتم قمع كل الأصوات الناقدة (لا أقول معارضة) وتوجيه الأبواق إليهم لإسكاتهم، ومع مرور الوقت قد تخفت الأصوات فيزداد العبث وينتشر الفساد فيترهل نسيج الدولة وتضعف قدرتها على المواجهة والتعامل الجاد والصارم مع الحاضر وتفقد رؤيتها للمستقبل، وهذا يحدث أيضا في جسد حركات التحرر التي يطول زمن معاركها وتبقى قياداتها على كافة المستويات ثابتة في مواقعها فتتشكل لهم مصالح مادية ضخمة تصبح مسيرة لقراراتهم وأفعالهم. أثناء الحرب الأهلية في اليمن عام ١٩٦٢ - ١٩٧٠ وخصوصا في مراحلها الأولى تشكلت أكثر من…

المواطن بين الواقع والوهم

السبت ٢٢ أبريل ٢٠١٧

في كل لقاء تجتمع فيه النخب بكافة توجهاتها الفكرية، تدور حوارات ونقاشات يغلب عليها المنحى النظري، مبتعدين عما يدور على الأرض، ومرد هذا عائد بطبيعة الحال إلى مستوى الوعي عند الأغلبية الساحقة من المواطنين، لذا نجد أن ارتفاع مستويات الوعي والتعليم في الدول الغربية بالذات تجبر ممثلي الناخبين؛ سواء أكانوا في الحكومات أو المجالس النيابية، على زيارة دوائرهم الانتخابية بصورة منتظمة ويلتقون بمن منحوهم الثقة للوصول إلى المواقع التي يحتلونها والاقتراب من الواقع مباشرة دون وسطاء، ينقلون ما يريح الأعصاب لأصحاب القرار حتى إن لم يكن حقيقيا، والواقع أن تفشي قلة الوعي السياسي والتفكير المتعمق في القضايا بدون تجميل وتلمسها في منبعها يجعل الفجوة عميقة بين أغلبية المواطنين وبين المؤسسات الرسمية ويستدعي ردمها عملا جادا يشعر معه الناس بمصداقية وصدق القائمين عليها ورغبتهم في الإنجاز، ومن غير المفاجئ أن المواطنين في كل دول العالم لا يثقون كثيرا بما تقوله الحكومات بل إنهم يميلون طبيعيا لكل من ينتقدها ويشكك في إنجازاتها ــ إن وجدت، ولنقض هذه الصورة النمطية يكون من الواجب اختيار من يثق بهم الناس أولا ولم يصبهم وحل الفساد. إن شرعية الحكومات في العالم يمكن انتزاعها عبر وسائل متعددة، فإما مشروعية وطنية تستند إلى رضا المواطنين بالحاكم ومنجزاته التاريخية عموما والاقتصادية تحديدا، وقد تكون عبر انتخابات مقنعة للناخبين، وربما…

اليمنيون بين وهم الطائرات والقطارات

السبت ٠٤ مارس ٢٠١٧

من اليقين أن آخر أماني اليمنيين اليوم هي كذبة إنتاج طائرة بدون طيار أو خديعة إنشاء محطة قطارات، فهذا ترف لا يعبر عن حقيقة الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعانون منها، ولكن الأمر يضيف مؤشرا جديدا على الخفة التي يتعامل بها المسؤولون مع القضايا الوطنية وكيفية تحويل الأنظار عن القضايا الكبرى واستبدالها بما لا يفيد الناس ولا يعنيهم وهم الذين يعيشون أوضاعا أمنية واقتصادية ومعيشية غاية في السوء. التقارير شبه اليومية التي توردها وكالات الأنباء عن تزايد معدلات الفقر والمجاعة لم تعد تثير حزنا وغضبا عند السلطات القائمة، بل كأن حالة من التبلد أصابتها أو ربما حالة من اللامبالاة، وصار التنافس بين السلطات منحصرا في المزيد من الجباية غير الشرعية التي لا يعلم أحد مصيرها النهائي في ظل غياب الأجهزة الرقابية، وكنت قد سمعت قصصا من رجال أعمال يواصلون جهودهم لتوفير المواد الغذائية والأدوية إلى داخل الأسواق رغم المعاناة والمتاعب والابتزاز، ولكنهم يشكون من عدم إمكانية استمرار هذا الحال لأن الكلفة غير الشرعية المضافة إلى الأسعار الحقيقية لا تسمح لهم بالبيع، ما سيعرضهم إلى خسائر فادحة، وسيؤدي هذا إلى مضاعفة متاعب المواطنين. القضايا الحقيقية التي يجب السعي لحلها مثل توفير الغذاء والدواء وتأمين المطارات والموانئ كلها مسؤولية أخلاقية ووطنية على السلطات القائمة، ومن الواجب الحرص على تحييدها من الصراع لأن الثمن…

الحاج عبدالله عثمان

السبت ٢٥ فبراير ٢٠١٧

لا يعرف أغلب اليمنيين الشباب والكهول الحاج عبدالله عثمان ولم يسمعوا اسمه ولم يتناول أحد تاريخه المضيء وكفاحه النادر. الحاج عبدالله عثمان يمني من قرية بني غازي بقضاء الحجرية في محافظة تعز، التي كانت المنبع الرئيس لمعظم رجال الأعمال الذين ساندوا الحركة الوطنية، وكان -رحمه الله- يدير شركة الباصات بعدن في الأربعينات، وكان يخصص جزءا كبيرا من أرباحها للإنفاق على حركة الأحرار اليمنيين التي كان يتزعمها النعمان والزبيري، ولم يكن هدفه من ذلك الجهد النبيل الحصول على مردود مادي ولا اللهث وراء موقع له أو لأبنائه، ولابد من ذكر أسماء رجال بقامته قدموا مالهم في سبيل نهضة اليمن، فهناك الشيخ جازم الحروي وعبدالعزيز الحروي والحاج أحمد عبده ناشر والحاج سيف عبدالرحمن والحاج هائل سعيد أنعم وكثيرون غيرهم، رحمهم الله جميعا، ومع هؤلاء علي محمد سعيد أنعم، أطال الله في عمره، الذي كان يقتطع من دخله وهو شاب صغير للاشتراك في صحيفة (صوت اليمن) التي كانت تعبر عن نشاطات حركة الأحرار اليمنيين، والواقع أن هذه المجموعة من الرجال لم يتكرر ما صنعته، فقد تشكلت طبقة من التجار المنتفعين الذين كانوا يفضلون دفء الحاكم وفساده وإفسادهم له على أن يكون لهم صوت إيجابي في الأوضاع بل على العكس - وأنا شاهد حال - كأن أغلبهم يحاولون تبرير كل أخطائه ولا يتورعون عن…

اليمن: أفكار للنقاش

السبت ٠٤ فبراير ٢٠١٧

تقترب الحرب اليمنية من نهاية عامها الثاني ولا شك أن موازين القوى على الأرض قد تبدلت ولم يعد للانقلابيين القدرة على التمدد، وتقلصت المساحات التي يسيطرون عليها مقارنة ببدايات تحركهم المسلح السريع من صعدة إلى صنعاء عبر عمران ثم الانطلاق إلى جنوب اليمن عبر تعز، لكن هذا الوضع الجديد لم يكن كافيا ليجبر الحوثيين وحلفائهم على إعادة النظر في مخططاتهم وتعاملهم مع المتغيرات الميدانية، بل إن ما حدث كان النقيض تماما، إذ لم يتوقفوا عن الدفع بالمزيد من المقاتلين شبابا وأطفالا إلى جبهات القتال وواصلوا استنزاف كل ما بقي من مقدرات البلاد المالية، وزادت ضغوطهم على المواطنين في المناطق التي يبسطون فيها سلطتهم ومعها زادت معاناة الناس وتعقدت حياتهم وقلت فرصهم في الخدمات الطبية والتعليمية وسبل الحياة في أبسط صورها، وصار واضحا أن حياة الناس لا تعني لهم الشيء الكثير، بل على العكس دعا زعيمهم (السيد) عبدالملك الحوثي الى ما سماه (النفير العام) ورفد جبهات القتال بالمزيد من المحاربين. في مقابل هذا الاستهتار بالحياة وعدم الاكتراث بأعداد القتلى والمعوقين وعدم تقدير حجم الدمار الذي لحق ببنى البلاد الاجتماعية، تقف الحكومة (الشرعية) عاجزة عن إثبات أي مهارات تعينها على معالجة الأوضاع الأمنية والمعيشية في المناطق التي استعادت السيطرة عليها بفضل دعم قوات التحالف العربي، وتعالت نبرة الاحتجاجات على الفساد الذي عطل…