سمير عطا الله
سمير عطا الله
كاتب لبناني

كبار الصحافيين… كبار الروائيين

السبت ١٣ يوليو ٢٠٢٤

يحتل أدب السيرة والمذكرات المراتب الأولى من الكتب الأكثر مبيعاً في جميع الثقافات. الناس تحب أن تعرف عن حياة الروائي قدر ما تحب أن تعرف عن أبطاله. وتحب أن تعرف عن حياة النجوم بقدر ما يمثلون من أدوار. وكلما قرأت في تراجم الأدباء ترى أن أعظمهم جاء من الصحافة. أعظم شعراء فرنسا بدأ صحافياً في ثلاث صحف، ومجلات عادية. وخلال عمله هذا تعرف إلى حكايات البؤس والظلم. وتشارلز ديكنز بدأ صحافياً في أزقة لندن قبل أن يصبح أعظم كتّاب بريطانيا. وغابرييل غارسيا ماركيز بدأ حياته في صحف كولومبيا الصغيرة قبل أن يصبح أعظم روائيي أميركا اللاتينية. لم يكن المراسل أرنست همنغواي أعظم كتّاب أميركا، بل إنه أحدهم على أقل تقدير. بدأ العمل في صحيفة «تورنتو ستار» الكندية، وأصبح أشهر مراسلي الحرب العالمية الثانية، ثم انتقل من الصحافة إلى الرواية، وفي جعبته فصول كثيرة يكتبها خارج أعمدة الصحافة. جورج أورويل جاء من الصحافة البسيطة إلى الأدب الكبير. ألبير كامو في فرنسا، جاء إلى نوبل الآداب من الصحافة المحلية في الجزائر، حيث ولد وعاش شبابه. ضمن هذا الإطار والمعيار يمكن تصنيف أمين معلوف، الذي أمضى عدة سنين في الصحافة اللبنانية، قبل أن يتفرغ للرواية الفرنسية، ويصبح أحد ألمع كتّابها. ولا أنسى أن أمين كان بين أواخر المراسلين الذين غادروا سايغون بعد سقوطها…

مشكلة مرايا

الجمعة ٠٥ يوليو ٢٠٢٤

فداحة الأمر أن المأزق ليس سياسياً مهما تعددت أو اختلفت أسماؤه، جمهوري، ديمقراطي، ليكودي، بل هو أخلاقي. وفي بعض الحالات هو مشهد إغريقي من مآسي النفس البشرية التي لا حدود إلى ما يمكن أن تصل إليه من الاعتداد، عندما تصاب بالمرض الشائع الذي لا شفاء منه: الطمع والغرور. أمام العالم أجمع يتصارع ثلاثة من غير الأكفياء على أخطر منصب في العالم: الرئيس الأميركي الذي يرفض الرضوخ لواقعه الصحي المذري. والرئيس السابق الذي يرفض الإقرار بمقياس اجتماعي أو اعتباري أو قانوني. والآن، السيدة كامالا هاريس، المجهولة التي لا يعرفها أحد، والتي تعتقد أنها الحل، وأنها المرشحة القادرة على لمّ شمل أميركا المنقسمة، وتحقيق المصالحة. نحن أمام حالات مرضية موصوفة على بعد أشهر قليلة من ساعة الخيار: سيدة لم تشغل منصباً سياسياً تريد أن تصبح رئيسة مرة واحدة. ورجل يعتبر نفسه أهم من أميركا ومن الرئاسة. ورئيس لا يستطيع التمييز بين «نزلة البرد» وزلة الدماغ. أو أحكام الشيخوخة التي قال ديغول إنها «غرق». كل يوجه الإهانة، أو الاحتقار، على طريقته ومدى استيعابه لما يفعل. بعد الكلام عن إمكان ترشح هاريس لم يعد ترشح ترمب مستهجناً. لكن تبقى حالة بايدن ظاهرة بشرية لا تصدق. رجل يقع على الأرض، ثم ينهض ليعلن ترشحه. ويصاب «بنزلة برد» تفقده القدرة على التركيز، ثم يقف ليعلن أنه…

منذ 1948

الإثنين ٠١ يوليو ٢٠٢٤

منذ 1948 لم تكن إسرائيل مرة في مثل هذا الانقسام الداخلي، والفوضى السياسية، والضعف الدولي، والبلبلة العامة والخوف الوجودي. ومنذ 1948 كانت موجات الهجرة، باختلاف أحجامها، من الخارج إلى إسرائيل، والآن أكبر موجة هجرة من إسرائيل إلى الخارج، وبالمعايير النسبية، تشهد أسوأ حالة شلل اقتصادي. فالموظفون يقاتلون في غزة بدل أن يكونوا في أعمالهم وشركاتهم. وتعيش إسرائيل أسوأ مرحلة من علاقاتها مع الولايات المتحدة، منذ اعتراف هاري ترومان بها بعد 13 دقيقة من إعلانها. ومنذ 1948 لم يحدث أن اتَّهم رئيس وزراء سابق، رئيس وزراء حالياً بالخيانة العظمى، كما فعل إيهود أولمرت مع بنيامين نتنياهو. ولا حدث أن كانت المظاهرات الداخلية ضد رئيس الوزراء في هذا الحجم والعنف والإلحاح. منذ 1948 لم تتخذ الصحافة المعارضة مثل هذا الموقف التخويني من رجل الحكم. وتطعن الصحف الرئيسية، مثل «هآرتس» في أهلية وكفاءة وقدرة نتنياهو، ويدعو كتابها كل يوم إلى استقالته وإجراء انتخابات جديدة تنهي حكمه الأطول في تاريخ إسرائيل. للمرة الأولى منذ 1948 يدور الجدل، في هذه الحدة وفي مثل هذه العلانية، حول الخوف على وجود إسرائيل. وللمرة الأولى يحدث تمرد واسع في جيشها، ويرفض جزءٌ منه القتالَ في حالة حرب. للمرة الأولى منذ 1948 نرى نصف الحكومة الإسرائيلية في واشنطن، ونصفها في تل أبيب، خصوصاً وزير الدفاع. ترتبط حالة التفكك غير…

دائرة واحدة

الخميس ٢٧ يونيو ٢٠٢٤

أصبح العالم دائرة انتخابية واحدة. أي في الدول التي تجري فيها انتخابات حقيقية، يقترع فيها الناخب في «الغرفة السرية». وليس الشرطي في المخفر. ولذلك نرى أن انتخابات فرنسا لا تجري في مدنها و«مقاطعاتها عبر البحار» فقط، بل في الكثير من بلدان العالم أيضاً. انعكاسات نتائجها سوف تؤثر على وضع اليمين السياسي في معظم البلدان. وكذلك، بدرجة أقل بريطانيا، لأن مشكلة الأقليات فيها ليست في خطورة الوضع الفرنسي، أو في حدته، وامتداداته. دعك طبعاً من انتخابات الرئاسة الأميركية، التي قد تهز الاستقرار في مناطق كثيرة، خصوصاً إذا عاد دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. قضايا العالم أصبحت واحدة. ليس فقط في الأوبئة التي لا تتوقف عند مركز الجمارك على الحدود، بل في حركات المال، والاقتصاد، والسياسة، وخصوصاً، الهجرة التي بلغت أرقاماً ونسباً اجتماعية مزلزلة في دول عدة، من أميركا إلى أوروبا. وهذه الهجرة تغير لون الهويات القديمة فعلاً، كما قال زعيم اليمين البريطاني لافارج (هولسيم). وليس مشهداً عادياً أن يكون رجل هندي البشرة والجذور والثقافة، على رأس حزب المحافظين المترهل في المعركة، هو الذي يحاول إعادة حزب تشرشل، وماكميلان، وثاتشر إلى الصدارة. يجب أن يكون أحدنا ألمانياً في برلين، أو إيطالياً في روما، أو إسبانياً في مدريد لكي يعرف مدى الاضطراب في العلاقات الاجتماعية الذي أدى إلى تحول العامة نحو اليمين. وهو…

الجزء الرابح من الحرب

الإثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤

كان المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، كما أشرنا هنا غير مرة، من كبار الغربيين المنبهرين بالإسلام. واعتبر البعض أنه اعتنق الإسلام فعلاً، وأنه لم يعد ممكناً أنه ظل كاثوليكياً بعد كل ما أشهره عن تعلق بالدين. لم تكن لمواقف ماسينيون (ونشاطه) أهمية معنوية فقط، بل أهمية سياسية أيضاً بسبب نفوذه لدى المسؤولين الفرنسيين وقادة أوروبا. وأبرز هؤلاء كان بابا الفاتيكان بيوس الثاني عشر. وعندما بدأت المواجهات الأولى بين العرب وإسرائيل، ذهب ماسينيون إلى البابا يحاول إقناعه بإصدار بيان حول المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. فقال له الرجل: مَن سوف يصغي إلى ما أقول، فلا العرب ولا اليهود يعيرون كلامي أي أهمية. أعاد المستشرق أمام صديقه الكلام الساخر الذي قاله ستالين ذات مرة: «كم كتيبة مدرعة يمتلك الفاتيكان؟». فقال ماسينيون، إن الدفاع عن الحق لا يحتاج إلى كتائب مدرعة، بل إلى ضمائر كبرى. المرة الوحيدة التي انفعل فيها نتنياهو منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) كانت عند صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية بإحالته إلى المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. لا مدرعات لدى الدكتور نواف سلام، رئيس محكمة العدل الدولية، ولكن في هذا المناخ الأممي العاجز والمعيب، يمكن للمجتمع الدولي، على الأقل، أن يشير إلى المرتكب والضحية. إذا كان من الصعب ردّ همجية القوة، فقد أمكن على الأقل تدوينها في دفاتر العار الإنسانية.…

سرّ القادة: ديغول في قراءة كيسنجر

الأربعاء ١٩ يونيو ٢٠٢٤

لم أتفق مع أفكار وسياسات ومواقف هنري كيسنجر في شيء. غير أن أستاذنا في القراءات السياسية ممدوح المهيني جعلني في مطالعاته أعيد النظر في البحث وليس في الموقف. ورأيتني للمرة الأولى أقدّر تقييم كيسنجر لاثنين من القادة الذين بُهرت بمواقفهم الأخلاقية، خلال عملي الصحافي، كونراد أديناور، وشارل ديغول. خصوصاً في مفهوم القيادة عند «الرجل الذي كان فرنسا». عرف ديغول غريزياً بأن النجاح السياسي والفشل مترابطان، وأن التاريخ سيكون القاضي النهائي لكليهما. يميز كيسنجر في كتابه الأخير عن القيادة بين نوعين مثاليين من القادة: رجال الدولة، والأنبياء. رجال الدولة «يزيدون في الحذر». ويستدعي «الأنبياء» ويرى نظرة متعالية للعالم. ما الضوء الذي تلقيه هذه الفروق على قيادة شارل ديغول، ما يجعل ديغول مثيراً للاهتمام بشكل خاص. إنه قبل أن يظهر كزعيم وطني في عام 1940، كتب على نطاق واسع عن طبيعة القيادة. يستشهد كتابه «حدّ السيف» (1932) بعدد كبير من مفكري السلطة، بما في ذلك غوته، بيرغسون، بيكون، تولستوي، روسو، وشيشرون. نظرة ديغول للقيادة قاتمة. يجب على القائد الناجح أن يزرع الغموض والحيلة. إنه يفرض «الانضباط الذاتي الدائم». والمخاطرة المستمرة، والنضال الداخلي الدائم. يحتاج القائد إلى الأعصاب القوية وضبط النفس الحديدي. تأثر ديغول بشكل عميق بكتابات هنري بيرغسون، وجادل بأن القائد يجب أن يجمع بين التفكير والحدس والذكاء التحليلي، والشجاعة الأخلاقية. كتب…

ملح وبهار في البروفانس

الثلاثاء ١١ يونيو ٢٠٢٤

منذ أسابيع وصاحبي يعدنا بـ«هذا المهرجان». كل شيء هنا، مهرجان، لا أقل. فأنت في مقاطعة البروفانس، الجزء الأجمل من فرنسا، والذي كان ذات يوم الجزء الأجمل من روما القديمة أيضاً، فكيف لا يكون مهرجاناً. لذا فمَا من مطعم من مطاعم البروفانس شيء عادي، إنه جزء من الحياة الجميلة التي من أجلها أقيمت فرنسا ولقبت بلد العيش. وقد قرأ صاحبي كل ذلك في الكتب والروايات وحكايات الفنانين والأدباء التي يهيم بها منذ شبابه. فلا نمر في شارع أو قرب حديقة إلا ويتوقف مثل الرواة، محدثاً وخطيباً أحياناً. وزيادة في التفاخر، يستخدم ما تجمّع لديه عبر سنين، من تعابير لا يستخدمها إلا الأرستقراطيون الفرنسيون، والطارئون عليهم. ويخيّل إليّ أن هذه الطريقة تعطي البروفانس شيئاً من حقوقها في التميز على سائر الجماليات التاريخية، الممتدة ما بين فرنسا المعاصرة، وبلاد الغال القديمة. ومثل كل شيء آخر في هذه المساحات الرائعة يتداخل القديم والحديث في آثار لا نهاية لها من بقايا الحروب والتوحش. وطالما يحيرك كيف أمكن لهؤلاء الناس أن يكونوا في هذا الإطار الرائع، ولا يعرفون سوى الدماء والقلاع. كرر هذه الحكايات ونحن ندخل إلى المطعم الصغير الذي سقفه من القش والتراب. وخوف أن يكون ضيفه قد نسي، قال من جديد إن المطعم يحمل نجمة من شركة «ميشلان» التي تنظم للفرنسيين ولضيوفهم لائحة أهم…

المخل وخلانه

الثلاثاء ٠٤ يونيو ٢٠٢٤

منذ ما يقرب من العام تقدم «الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» عرضاً منقطع النظير للديمقراطية والديمقراطيين، والليكود والحريديم يقومون بدور البطولة فيه، الديمقراطي نتنياهو، والقدير بن غفير، والعالم موعود الآن بنجم نجوم السماح والحريات وأناقة المظهر ولياقة الأدب. الحقيقة أن خسارة إسرائيل الكبرى في هذه الحرب، لم تكن في غزة، بل على مدى شاشة الصراع بأعماقه جميعاً. الصراع بين الأوروبي المتمدن غانتس، والعربي الإرهابي الهمجي الذي لم يمل رسامو الكاريكاتير في الغرب من تصويره، مرسل اللحية، شاهراً خنجر الظهر والغدر. الفوضى السياسية القائمة في تل أبيب سببها سقوط الدولة الديمقراطية المزعومة. فجأة تفرق الروسي والألماني والبولوني، واستقال الضباط، وفقد التوازن، واهتز الهيكل برمته. في امتحان خارج قليلاً عن المعهود، تخلعت مظاهر الوحدة، واستفحل التوحش وسادت ثقافة الإبادات، واختفت كل لغة أخرى إلاّ لغة «الحيوانات». نتائج لم يكن العرب يحلمون بها في «صراع الحضارات». فإذا الأكثر تحضراً في إسرائيل بن غفير، وإذا منقذ الديمقراطية أفيغدور لبرمان. كان العالم في أزمة بين غزة وإسرائيل، فصار في مأزق بين متنافسي عتاة الخراب: من يدمر ويقتل ويشرد ويجوِّع أكثر من الآخر. أما ذروة ذرى الديمقراطية، فلم تأتِ من عاصمة بن غفير. جاءت من مدنية بنجامين فرنكلين وجورج واشنطن، وسائر الآباء المؤسسين. من الكونغرس، منارة الديمقراطية، بمجلسيه، الشيوخ والنواب، الذي وجَّه دعوة لنتنياهو للتحدث…

يا أيها الرفاق

الخميس ١٧ فبراير ٢٠٢٢

أيام قليلة جداً وعاد كل شيء إلى ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي. قاموس المفردات، عبارات التهديد، وطبول الحرب على أنواعها، وما هو مضحك من المبالغات، كمثل قول رئيس جمهورية دونيتسك، الموالي لموسكو، إن أوكرانيا هي التي تستعد لشن الحرب على روسيا. صحيفة «البرافدا» التي كانت جريدة الحزب الشيوعي، عادت إلى التعابير والمصطلحات والحدة نفسها. وعاد قاموس الكلمات مثل «النظام الإجرامي» و«الحقير» و«العملاء» إلى الظهور إلى جانب الغواصات النووية التي دفعت بها موسكو إلى سطح المياه. وفيما انهالت التعابير القديمة على أميركا وبريطانيا وألمانيا، حظي الرئيس الفرنسي بمديح خاص من «البرافدا» باعتباره رجلاً موضوعياً بعكس حلفائه «الأنغلوساكسونيين» الذين يؤيدون واشنطن. في النص: يُظهر الرئيس الفرنسي بجميع الوسائل وخلافاً لحلفائه الأنغلوساكسونيين، الكثير من سياسات النضوج والمنطق ورجال الدولة. وأي فارق بين الرئيس الفرنسي الذي يبدي تفهُّماً للوضع كما هو متوقّع من رئيس دولة، وبين الحلفاء الهستيريين، الذين يهجّرون حول العالم شعوباً بأكملها، ويطلقون الأكاذيب في مجلس الأمن الدولي، ويقومون بغزو دولة ذات سيادة تحدِّياً للقانون الدولي (العراق) وينجوْن بجرائم الإبادة الجماعية. إن هذا الثنائي كان منخرطاً في تدمير ليبيا وإعادتها من أكثر الدول تقدماً في أفريقيا إلى العصر الحجري، وتدمير خزاناتها من مياه الشفة وشبكة الكهرباء. بالنسبة لـ«البرافدا» فإن ضم جزيرة القرم والاستعداد لمهاجمة أوكرانيا، جزء من الأكاذيب. وما حماس جو بايدن…

سيكولالا!

الثلاثاء ١٥ فبراير ٢٠٢٢

يعدّد المعنيون الأسباب التي أدّت إلى أفول الصحافة الورقية من دون التنبه إلى المتهم الأول «كوفيد - 19»، وما لحقه من متحولات ومتحورات أعطيت كلها أسماء يونانية. بعد ظهور «كوفيد»، أو «كورونا»، أو «أوميكرون»، أو «دلتا» بفترة قصيرة، قيل إن الورق ناقل خطير للوباء. ولذلك مُنعت الصحف والمجلات من الطائرات وصالونات المطارات وصالات الانتظار ومراكز توزيع المطبوعات الإعلانية والمقاهي وسائر الأمكنة التي تقدم للقارئ الصحف بدون مقابل، مثل عيادات الأطباء وصالونات الحلاقة ومحطات النقل. وأدّى هذا المنع إلى خفض شديد في المبيعات، الذي أدّى بدوره إلى إغلاق عدد كبير من أكشاك الصحف التي اعتادها زبائنها منذ عشرات السنين. وبالتالي تأثرت عادة القراءة الورقية لكي يعتاد المسافر، أو رواد المقاهي، المزيد من الركون إلى وسائل القراءة الجديدة. اعتدت منذ سنوات عدّة تقليداً ممتعاً يمكن تسميته قراءة المطارات. وتبدأ منذ دخول المطار بالذهاب إلى المكتبة بحثاً عن الجديد، ثم قراءة الصحف في صالة الانتظار، وما تبقى نقضي به وقت الرحلة. وكنت تكتشف في عملية بسيطة أنك تقرأ في ساعات السفر أكثر من أي وقت آخر، من دون أن يكون بالضرورة أفضل ما تقرأ. كل هذه المتعة أصبحت ممنوعة على ملايين المسافرين الذين انخفضت أعدادهم أيضاً. ولم تعد تجد على الطائرة من صناعة الورق والعمل الصحافي سوى دليل المبيعات. ولا أعرف لماذا لا…

ابتسم لو سمحت

السبت ١٢ فبراير ٢٠٢٢

ما الذي يتغيّر في السعودية؟ أمضيت شهرين في جدة، وعشت حياتها اليومية مع الأصدقاء والزملاء، وتعرفت إلى أناس لا أعرفهم، وذهبت إلى بعض المتاجر والمكتبات وقمت بزيارة الدكتور غازي الحبيب مرّات عدة في المستشفى، ووصلت إلى/ وغادرت من أحدث مطار في العالم، وذهبت إلى أبحر حيث سمعت من بعيد صوت موسيقى وغناء من أحد المطاعم، ومررت بالضواحي الجديدة، ولمحت عن بُعد، وعن قرب، الأبراج التي تعلن أن البلاد صارت رأسية أيضاً وإلى درجة مثيرة، وطبعاً دخلت عدداً من المطاعم، منها ما تملكه وتديره سيدات من عائلة واحدة، ومنها ما تستقبلك فيه سيدة بعباءة وابتسامة. لم يعد أمراً مثيراً للاستغراب أن تقول إنك قادم من بيروت إلى جدة من أجل الفحوص الطبية الإلزامية. عادي، كما يقولون هنا. وخلال ما عاينت في بلاد الله لم أرَ طبيباً أو «ديكتاتوراً» في دقة الدكتور غازي. والأطباء عادة أنت «تراجعهم»، إلا هو، فيطاردك ويتأكد في الصباح والمساء أنك نفذت الأوامر وحفظت الواجبات. في نهاية أي يوم عادي، يعيشه أي إنسان من سكان «عروس البحر الأحمر» يخطر لك أن تتساءل: «ماذا تغير في السعودية؟»، وفي عودة متأنية إلى الماضي، فالجواب هو: السعودية «المتغير الأساسي ليس ناطحات السحاب، وإيقاع الحياة، ومستوى المعيشة، بل الحيوية التي يتخذها شكل الحياة ومناخها الاجتماعي الحديث». وما من أحد إلا ويسألك «كيف…

بكل قلب وجبين

السبت ١٥ يناير ٢٠٢٢

عملاً بمبدأ «أجمل السخرية هي السخرية من النفس» كتبت أمس عن «متلازمة العمر» التي يصاب بها الكتّاب (ومعظم القوم) عندما يصبح العاشق من قرن والمعشوقة من آخر. وقبل ثلاثة أسابيع استبدلت بمقالي في «النهار» ترجمة نص لكاتب برتغالي عن وقوعه في حب يائس مع مذيعة الوطن الأولى. وأذكر أنني ما تلقيت في حياتي تعليقات قدر ما تلقيت ذلك اليوم، كلها من نوع «مذهل» و «رائع» أو «رهيب» كما كتبت أديبة عزيزة. أمس الجمعة صدرت الزميلة الكبرى «عكاظ» وفيها لقاء من صفحتين أجراه الزميل علي مكي، يقدمني لقرائه على أنني «آخر حراس الكلمة» ومن «آخر العمالقة في العمود الصحافي». ومن «النص البرتغالي» وردوده، إلى ردود «تويتر» المذهلة على لقاء «عكاظ» مروراً بـ «قللوا من مشاهدة التلفزيون»، اتصل بي قاضٍ سابق من لبنان ومعه أطرف التعليقات. قال: «الآوادم عما يفلو من هالبلد. طوّل بالك. خليك عنا». وعدته بأن أحاول جهدي. والاتكال عليه تعالى، خصوصاً أن ثمة أشياءَ لم تنجز بعد، لكنني أجد نفسي في حصار طيب من «الآواخر». «آخر» الحراس و«آخر» العمالقة. مرة التقينا في لندن بمحض الصدفة، عبد الرحمن الراشد ومحمد الرميحي وأنا. فقال الرميحي بأريحيته: «هذا آخر الكتّاب الكبار». فقال الراشد «طوّل بالك عا الزلمي شوي. عايزينو». ما كنت أحلم بكل ذلك يوماً. لعبت الكويت دوراً جوهرياً في حياتي المهنية…