سمير عطا الله
سمير عطا الله
كاتب لبناني

بلادة القرن

الإثنين ٠٢ مايو ٢٠١٦

توضع القوانين، أو تصدر الأحكام، أو يبنى التحكيم عادة بناء على سابقة ماضية. لا أعتقد أن ثمة سابقة في التاريخ للقرار الروسي بالمحافظة على الهدنة في اللاذقية وضواحي دمشق؛ حيث هدوء نسبي، وتركها مشتعلة في زلازل حلب. وتقضي الأصول الأدبية واللياقة الصحافية في هذه الجريدة، ألا نستخدم كلمة «وقاحة»، فيأذن لي الزميل رئيس التحرير: سابقة بسابقة. وقاحة قبيحة ليست أسوأ منها سوى الطلب الأميركي من الرفيق بوتين، السهر على الهدنة حيث أمكن! ربما أيضا حلب إذا تكرمتم أيها الزعيم الإنساني الكبير. في مثل هذه الكوارث والفواجع أيها السيد أوباما، لا تناشد الدول «الشريك المفوض». تناشد الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتدعو إلى اجتماع طارئ، وليستخدم بوتين الفيتو ومعه الصين، فماذا بقي من سوريا منذ الفيتو الأول؟ ومن بقي من السوريين؟ على الأقل في إمكان السيد أوباما التظاهر بأنه مطلع على ما جرى في سوريا، وأنه يتجرأ ويطلب من قسيسه جون كيري أن يطلب من الحائط الإسمنتي لافروف تخفيف معدل القتل والدمار والرماد وردم الأطفال في حلب من الدقيقة إلى الساعة، أو أن يقنعه بمشاهدة نشرة الأخبار. أما أن يعقدا مؤتمرًا صحافيًا مشتركًا آخر، فحلوا عنا جميعكم، أنتم و«القلق» التافه الذي تمنون الأيتام به، وأنتم والدعوة السخيفة المريضة إلى التهدئة فوق ركام سوريا، وفوق جثث وجروح مليونين ونصف مليون بشري، مكفنين بالفيتو…

لغة موحدة لأوروبا؟

الأحد ١٧ أبريل ٢٠١٦

في مقاله الأسبوعي الثلاثاء الماضي أخذ الأستاذ غسان الإمام على الوحدة الأوروبية مجموعة مآخذ، بينها أنها تتحدث 28 لغة مختلفة. وهذه في الحقيقة عقبة أساسية أمام المتحدات. ويعزو البعض نجاح الفيدرالية الأميركية، أولاً، إلى أن ولاياتها تستخدم لغة واحدة، وثانيًا، أن هذه اللغة هي الإنجليزية. لغة العالم الأولى. لكن لو أردنا أن نوحد لغة أوروبا فماذا نختار لها؟ الجواب السريع هو طبعًا الإنجليزية، التي يتفاهم بها الأوروبيون في مراسلاتهم وفي تنقلهم، في أي حال. لكن هل نلغي الفرنسية وأربعة قرون من الفكر والآداب؟ هل نلغي الألمانية والآثار الفلسفية والعلمية؟ هل تهمل أوروبا الإسبانية لغة أميركا الجنوبية والوسطى، فيما عدا البرازيل؟ ماذا عن الإيطالية وجمالاتها الموروثة؟ وماذا عن اليونانية، أم الحضارة الأوروبية، مع أن مهدها هو اليوم في حالة رثة؟ قد يكون الحل في اعتماد لغة رسمية واحدة، وترك كل بلد للغته الأم. وفي هذه الحال، الإنجليزية، لكن ماذا عن كرامة ألمانيا سند أوروبا الأول؟ هل سنرغم المستشارة ميركل على مراسلة فرنسوا هولاند بالإنجليزية؟ إن مشكلة أوروبا هنا هي غناها الحضاري، وليس العكس. وحتى اللغات الثانوية، كما في بلجيكا، ترفض الانزواء. وإذا ما وقع الانفصال هناك، كما هو متوقع، فسوف تكون لغتا البلاد هما السلاح، لأن الفرنسية والفلامنكية تمثلان هويتين مختلفتين ومتناقضتين. ووفقًا لـ«النيويورك تايمز» بأن الانفصال أصبح وشيكًا مع تصاعد…

نزاع إضافي

الأحد ١٠ أبريل ٢٠١٦

يقول وزير خارجية فرنسوا ميتران، أوبير فيدرين، إن العالم قد أخفق بعد نحو قرن على قيام الأمم المتحدة في إنشاء شيء يسمى بـ«الأسرة الدولية»، فما نحن إلا في بابل مستدامة، كما يرى المفكر والدبلوماسي الفرنسي. ما من شيء يسير كما ينبغي، لا الوحدة الأوروبية، ولا التعاون الدولي. وأما الولايات المتحدة التي تغطرست حول العالم في ربع القرن الماضي، فإنها قد أحدثت بانكفائها، اختلالاً كالذي أحدثته في تدخلاتها. يركز فيدرين على حالة الوهن المنتشر في أوروبا، ولذلك، لا يتنبه إلى نقاط التفجّر الأخرى. ليس في العالم العربي، حيث الانفجار الكبير يتسع بلا توقّف، وإنما الآن أيضًا في جنوب القوقاز، حيث تشتعل من جديد الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، مهددة بالامتداد إلى سائر المنطقة. ولا يخفى على أحد أن الصراع في ناغورني قره باغ، أو قره باغ العليا، إنما هو أيضًا صراع بالواسطة بين روسيا وتركيا، اللتين تتصارعان، بالواسطة أيضًا، فوق الحلبة السورية. وكانت الجبهة هناك قد هدأت بعد الانفجار أواخر الثمانينات حول المنطقة المتنازع عليها بين أرمينيا وأذربيجان، وأدّى آنذاك إلى مقتل 20.000 شخص، وتشريد أكثر من مليون. فقط بعدها، في عام 1994، وقّع البلدان اتفاق هدنة - وليس معاهدة سلام. ومنذ 1994 إلى الآن زاد طبعًا تسلّح الدولتين على نحو مخيف. والمتغير الآخر هو زيادة الالتزامات الروسية نحو البلدين معًا. وثمة…

عصر البريد

الخميس ٣١ مارس ٢٠١٦

عندما كنت صغيراً (منذ زمن بعيد) كان ساعي البريد يأتي في الصيف إلى القرية مرتين في الأسبوع، على حصان رمادي، أشيب ومُتعب. في الشتاء لم يكن يأتي، لا أحد تقريباً في القرية، ولا ضرورة للبريد. وعندما أصبحت فتى، صار الساعي نفسه يأتي، أيضاً مرتين في الأسبوع، ولكن على دراجة بخارية يبدو أنه اشتراها مستعملة. يوم البريد، في الصيف، كان مفرحاً مثل يوم العطلة. تصل الصحف إلى مشتركيها متأخرة قليلاً، ولا أهمية اطلاقاً لذلك. وتصل أحياناً الرسائل إلى الوالهين في زمن الصبا. وهناك الرسائل التي لا تصل، لا في اليوم الأول ولا في الثاني، لا على الحصان الرمادي الساكن مثل عمره، ولا على الدراجة البخارية الصاخبة الساخطة الخارقة هدوء القرى وصمتها الطويل. عندما سافرت وأنا في العشرين، كانت أول رحلة لي إلى مركز البريد. فجأة، رأيتني وحيداً مثل سائر البشر في المدن الكبرى، وليس لي من أخاطبه سوى الأصدقاء. وجلست أكتب الرسائل، ثم أحملها إلى مكتب البريد. وسرعان ما صار وجهي أليفاً هناك. وزياراتي. فالموظفون اعتادوا على أن الغرباء في بداياتهم، تكون الرسائل صلتهم الوحيدة بالعالم. وربما أحياناً مصادفة في مقهى. الباقي زيارات صامتة إلى المكتبات العامة وجولات بلا نهاية في الحدائق. وكان لك أن تسأل، كل يوم، عاملة «الاستقبال» في النزل القديم: «هل من بريد اليوم يا مدام مولان؟». وكانت…

نظرة الروس إلى آدابهم

الإثنين ٢٨ مارس ٢٠١٦

لعل الكنوز الأدبية الروسية هي الأغنى في العالم، كما يرى الحماسيون. ولكن هل يعقل أن يكون كنز أدبي هو الأهم، حتى لو كان خاليًا من هوميروس وشكسبير وغوته؟ قرأت في «موسكو تايمس» استفتاء بين الروس حول الأدباء الأكثر شعبية. وكان في اعتقادي أن الأكثرية سوف تقترع للشاعر الكسندر بوشكين والروائي فيودور دوستويفسكي. أخطأت. تقدم الكونت ليو تولستوي لائحة العشرة الأوائل بـ45 في المائة يليه دوستويفسكي بـ23 في المائة، ثم تشيخوف بـ18 في المائة، وحل بوشكين رابعًا بـ15 في المائة، ثم غوغول بـ13 في المائة، وميخائيل شولوخوف بـ12 في المائة، وبولكاغوف بـ11 في المائة، وتورجنيف بـ9 في المائة، وماكسيم غوركي 7 في المائة، ولير منتوف بـ6 في المائة. مفاجأة؟ تقريبًا، لا. الروس يعرفون آدابهم ويتفاعلون معها أكثر من أي شعب آخر. لكنني أعتقد أنه لو أجري الاستفتاء في فرنسا، أو بريطانيا، أو ألمانيا، لكان حل دوستويفسكي في المرتبة الأولى، متقدمًا تولستوي بالنسبة نفسها. لا تشرح «موسكو تايمس» الأسباب على الإطلاق. ولا تلحظ مثلاً أن ميخائيل شولوخوف (هادئا يمر الدون) عندما أُعطي نوبل الآداب قيل إن السبب هو مسايرة الاتحاد السوفياتي. في حين لا يرد في اللائحة، تحت أي نسبة، اثنان من حملة نوبل المعاديان للسوفيات، أي بوريس باسترناك (دكتور جيفاغو)، وألكسندر سولجنتسين أشهر المنشقين على الاتحاد السوفياتي في القرن الماضي. يقال…

مأدبة في القلعة

الخميس ٢٤ مارس ٢٠١٦

دوَّن الرحالة والدبلوماسيون الأجانب، الأشياء البسيطة التي لا نعيرها اهتمامًا. المعتمد السياسي البريطاني في الكويت هارولد ديكسون (1929) سجل أدوات المطبخ في الخيام. الرحالة الدنماركي رونكاير دوّن بالتفصيل حركة السوق في الكويت أوائل القرن العشرين. البريطاني تيسيجر، سجل عادات البدو البسيطة، وتوقف عند الشيخ زايد يوم كان حاكمًا على العين، ليصف كيف يدعو جميع الناس إلى الغداء معه في «القلعة» هناك. إذا أردت أن ترسم صورة حياتية مفصلة للعالم العربي منذ القرن الثامن عشر، عليك بما ترك الأجانب من كتابات ورسائل ومذكرات. رسائل فلورانس نايتنغيل، مؤسِسة مهنة التمريض، إلى أهلها من مصر. ورسائل الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير، من إسكندرية القرن التاسع عشر. لم يصف فلوبير خلال إقامته في مصر البيوت والشوارع فحسب، بل ذهب أيضًا إلى الأماكن الممنوعة ليكتب عنها. أدب الرحلات هو أدب التاريخ والجغرافيا والجمال والأسطورة والحياة. لولا الرحالة والكتّاب والمستكشفون والرسامون، لكان ثلاثة أرباع العالم، على الأقل، مجهولاً بلا أثر. طالما حلمت منذ أن انتقلنا إلى العيش في لندن، أن أجمع لوحات روبرتس وإدوارد لير عن الشرق، لكنها كانت أبعد من أحلامي بكثير. وذات مرة رأيت لوحة ضخمة وشهيرة لإدوارد لير معروضة في إحدى واجهات بوند ستريت، فذهبت إلى صديق مقتدر وقلت له هذه أجمل لوحة عن لبنان. لكنه لسبب عنده، لم يتحمس كثيرًا للفكرة. لا أعرف…

مجزرة بروكسل

الأربعاء ٢٣ مارس ٢٠١٦

قال شاب تونسي لمراسل «نيويوركر» إن «داعش» سوف تحكم العالم اجمع بالعدل والانصاف، وتنشر السلم في جميع الأنحاء. لكن يبدو أنه حتى ذلك الحين، سوف تحرق الطيارين في الأقفاص، وتقطع رؤوس الرهائن على الشواطئ، وتسبي النساء، وتسخّر الأطفال، وتفجّر المطارات والقطارات والمترو. الرسالة في تفجيرات بروكسل كانت متعددة: أولاً، ضرب أوروبا في قلب عاصمتها. وثانياً، القول إن اعتقال منفذ انفجارات باريس مجرد صفر، لأن الإرهابيين النائمين سوف يستيقظون في اليوم التالي إلى ما هو أكثر همجية وعدمية. لم يعد ممكناً النظر إلى حرب الرعب إلا بمنظار كوني. فأول ما خطر لي حين سماع نبأ بروكسل، هو أن هذا تصويت آخر إلى جانب دونالد ترامب، وإرغام لفرنسا على تمديد حالة الطوارئ، والمزيد من رفع الأسوار عالياً في وجه اللاجئين. لدينا مجموعة مطالب ومظالم وشكاوى من الأنظمة العربية، وعهود الركود والتخلّف والفقر، وبدل أن نطلب حلها في بلداننا، نريد أن نحلها في أوروبا. وبدل أن نحمل مسؤوليات افشال نصف قرن، نريد أن يفشل الآخرون ايضاً. واسوأ معالم هذا النحر والانتحار الجماعيين، هو ردود فعل المتملقين ومتسولي الإطراء، الذين لا يرون أي خطأ إنساني في الدفاع عن العنف والقتل والسلوك الهمجي. هؤلاء يؤلبون على العرب جميع الناس. ويساهمون، مثل جزاري باريس وبروكسل ومدريد، في رسم صورة جماعية مقيتة، للملايين من الناس العاديين والعاقلين…

ليست مزحة

الأحد ٢٠ مارس ٢٠١٦

تحظر جمعية أطباء النفس الأميركية على أعضائها إعطاء الرأي في أي شخصية عامة، باعتبار أنه يساوي أحيانًا الحكم بالإعدام على إنسان لم تعالجه عن قرب ولم تصغِ إليه ولا تعرف عنه سوى ما يقال. طُرحت المسألة مجددًا بعد صدور أحكام عامة على دونالد ترامب وتصرفاته وأدائه المثير للسخرية والخوف والتقزز معًا. كثير مما يفعله ترامب يقع تحت باب «البروباغندا»، أي الدعاية الفاقعة مدحًا لنفسك وذمًا لخصومك. وبعض البروباغنديين يذهب إلى درجات قصوى في الكذب من دون التوقف عند أي رادع أو قاعدة، خصوصًا في الدول لاغية القوانين، كما في بعض العالم العربي. وإذا كان توفيق عكاشة قد شكّل ظاهرة مثيرة ومحيرة في رحلاته الذهنية غير المحدودة، فإن بعض القنوات «الجديّة» تحولت إلى مصانع يومية لتسفيه الحقائق ونشر الأفكار الهابطة، من دون أي محاسبة. وتحت ستار «حرية الرأي» تشن التلفزيونات حملات مدمرة خالية من أي ضابط أخلاقي. وحتى الصحف الكبرى تسمح لكتّابها، أو محرريها، بإطلاق النعوت الرخيصة ما دام الشخص المعني «لا يخيف»، خارج القانون أو داخله. وفي لبنان تلجأ القنوات على اختلاف مقاييسها في الحرية والقانون، إلى مقدمة سياسية لنشرات الأخبار، يقال فيها كل ما يقال وما لا يقال. ولعل قنوات لبنان هي الوحيدة في العالم التي لها «مقال افتتاحي» أسوة بالصحف المكتوبة. ولا تخضع هذه «الافتتاحيات» لمعايير ومفاهيم المقال…

صورة المثقف مثقفًا

الجمعة ١٨ مارس ٢٠١٦

قبل أسابيع أعطى جورج طرابيشي مقابلة إلى مجلة «أثير» بعنوان «ست محطات في حياتي». وفي إحدى هذه المحطات يقول إنه ترجم شابًا أعمال سيغموند فرويد عن الفرنسية، وليس عن الأصل الألماني، والآن يرغب في العودة إلى تنقيحها بعدما تحصل عبر السنين الماضية على مزيد من العلم والمعرفة! تلك صورة عفوية عن رجل أمضى عمره يحفر في ثقافات العالم، مثل عالِم آثار، لا يترك حبة رمل أو حجرًا أو حرفًا للصدف. اختار طرابيشي الجزء الأكثر صعوبة في العمل الأدبي: الفكر والبحث والجدل. واختار، صامدًا، الجزء الأقل شعبية في العمل الثقافي، كاتبًا ومترجمًا. واختار، خصوصًا، الجزء الأكثر علمًا والأقل شعبية ودخلاً. ومن بين نحو 300 كتاب في التأليف وفي الترجمة، لم يخرج عن القاعدة يومًا. رأى البعض أن المفكر السوري، الذي نفى نفسه إلى باريس منذ أربعة عقود، أضاع كثيرًا من الوقت في متاهات لا ضرورة لها، منها النزاع الفلسفي الحاد مع المفكر المغربي محمد عابد الجابري. وقد أخذ الجابري الخلاف إلى مسالك شعبوية خارجة على أي سياق فكري. تاركًا لطرابيشي المرارة والخيبة، بما كان يعتقده حوارًا فكريًا سوف يترك أثرًا دائمًا في بحيرات الركود العربي. تنقل طرابيشي مثل معظم أهل جيله في مراحل كثيرة من القلق والتحولات. وبدأ حياته بعثيًا، لكنه خرج من التجربة مبكرًا. ثم خرج من سوريا إلى لبنان،…

«مبادئ» أوباما

الثلاثاء ١٥ مارس ٢٠١٦

النص المطول الذي نُشر في مجلة «أتلانتك مانثلي» تحت عنوان «مبدأ أوباما» يحتاج إلى دراسات ومناقشات كثيرة لأنه يضيء على نفسية وسلوك رجل يرأس الولايات المتحدة منذ عقد تقريبًا. سوف أكتفي في هذه المساحة ببضع ملاحظات: الأولى، أن رئيسًا لأميركا مقتنع في ذاته بأن في الإمكان القول، «وداعًا للشرق الأوسط» لأن هذه منطقة مشاكل معقدة، ولا بد من استبدال آسيا بها، بلاد المستقبل والفرص المليئة بالوعود. ويجدر بالذكر أن هذه كانت قناعات أوباما منذ البداية. لا جديد إلا في التوسع بالشرح. والملاحظة الثانية، أن هذا أول رئيس أميركي يستخدم عبارة مبتذلة مرتين رغم توافر البدائل اللغوية: فالحرب الليبية ليست «هراء» بل ما يشبه ذلك صوتيًا ولا يجوز نشره. وفي مرة ثانية يلجأ إلى الكلمة نفسها بدل المتوافر القابل للنشر. المحامي السابق، وأستاذ القانون، وعضو مجلس الشيوخ، وعضو حركة الحقوق المدنية، ورئيس أميركا يقول بالحرف، إن على السعودية وإيران أن «تتقاسما» المنطقة. لم أقرأ مصطلحًا استعماريًا إمبرياليًا فجًا من هذا النوع حتى في حملة دونالد ترامب. هذه المنطقة المعقدة التي ورثها أوباما عن أجداده، يوزعها مناصفة بين السعودية وإيران، ويذهب مرتاح الضمير إلى التقاعد حيث ينصرف إلى وضع الكتب المدرَّة لثروة العائلة. الحقيقة أن الرجل لم يفعل شيئا آخر خارج الصياغات الأدبية التي يهواها. رحلة طويلة إلى البيت الأبيض، وصور للعائلة،…

مكتبة البرج

الأربعاء ٠٩ مارس ٢٠١٦

كان غسان تويني مفتونًا بكل ما يذكّره بلبنان الذي عرفه. ولبنان الذي عرفه كان مدنًا وقرى صغيرة. وكل مدينة أو قرية فيها «ساحة». وفي هذه الساحة يلتقي جميع السكان. وأجمل وأهم ساحات لبنان كانت «ساحة البرج»، قلب بيروت. فيها كانت فنادق العاصمة وقيادة الشرطة. ونصب الشهداء، ومحطات الباصات القادمة من المناطق، ومحطة الترامواي الموزِّعة. وفيها يتجمع باعة الصحف بأعلى أصواتهم. ومن حولها دور المسارح والسينما. ومن حولها أسواق اللحوم والخضار ودور الصحف. عندما أنشأ غسان تويني دارًا كبرى لـ«النهار» «عاد» بها إلى ساحة البرج. وفي الطابق الأرضي من المبنى، أنشأ مكتبة حضارية سماها «البرج». ثم أصدر عن «دار النهار للنشر» مجلدًا رائعًا عن ساحة «البرج» شارك فيه كبار الكتّاب والمؤرخين والرسامين، نفدت نسخ الطبعة الأولى والثانية منه، وللأسف، لم تصدر طبعات أخرى. الأسبوع الماضي أعلنت شادية غسان تويني نبأ صعبًا عليها وعلى أولئك الذين كانوا يعدون زيارة مكتبة البرج جزءًا ممتعًا من حياتهم في بيروت. المكتبة، مثل جمالات كثيرة أخرى، سوف تغلق أبوابها. مَعلم آخر في وسط بيروت، يترك الساحة للفراغ. الوسط الذي كان يلتقي فيه اللبنانيون والعرب بدأ في النزع منذ أن احتله «حزب الله» وحزب التيار العوني تحت شعار «الاعتصام». وقد استمر ذلك «الاعتصام» عامين، نسي خلاله الناس «الوسط»، وتذكروا فقط كلمة تاريخية قالها في نهايته النائب العوني…

خواتم باكية

الثلاثاء ٠٨ مارس ٢٠١٦

ليس هناك من اسم لامع في المسرح الكوميدي المصري إلا وكان خلفه سمير خفاجي، منتجًا أو مخرجًا. من عادل إمام إلى شريهان، أو أي اسم آخر يخطر لك. لذا، سوف يخطر لك أيضًا أن مثل هذا الرجل صنع ثروة طائلة ما دام الأجر الذي يتقاضاه أي من نجومه يفوق الأرقام الستة. لكن خفاجي الذي يتحدث بمرارة في مقابلاته الصحافية، يشكو من العقوق، ومن القلّة، ومن الشلل النصفي الذي هدّه. ويتذمر من أن أحدًا من نجوم مداره السابق لا يسأل عنه، فيما عدا شريهان. لا أعرف ماذا يحدث ولماذا يصل كبار أهل الفن إلى هذه النهايات البالغة الصعوبة. فقد كانت أمينة رزق، على مدى عقود، «النجمة الكبرى»، لكن سنواتها الأخيرة كانت فقرًا وبؤسًا. و«شرير» الشاشة توفيق الدقن (أحد اكتشافات خفاجي) مات بائسًا رغم سنوات النجاح الطويلة. وشكا كثيرون مثله أوضاعهم إلى نقابة الفنانين. وفي لبنان غاب في السنوات الماضية عدد من الفنانين والفنانات في حالات محزنة بلا حدود. طبعًا، يُفترض أن لا أحد في نجاح سمير خفاجي المالي، أو لا أحد يمكن أن يفهم كيف أن نجمة مثل سعاد حسني تصل إلى ما وصلت إليه في سنوات لندن التي انتهت بخاتمة مأساوية وغموض أليم. هناك حالات لم نعرف عنها. وهناك في المقابل الفنانون المتهمون بـ«الحرص الشديد» مثل أم كلثوم وعبد الوهاب…