سلطان فيصل الرميثي
سلطان فيصل الرميثي
كاتب إماراتي

الموبايل في جيب الميت

الجمعة ١٣ مارس ٢٠١٥

قصة حقيقية سأحاول إخفاء بعض تفاصيلها، والتغيير في ترتيب أحداثها حفاظاً على خصوصية أصحابها، في البداية يُقال إن السعداء هم من يرحلون عن هذه الدنيا بأمان، لتبقى ذكرياتهم الجميلة معنا لفترة من الزمن ثم مصيرهم للنسيان كحال من سبقوهم، ورغم قساوة الفراق إلا أن الإنسان يعيش متصالحاً مع نفسه متى تقبل فكرة الرحيل، ولكن تصور أن الأجل داهمك وفي جيبك الأيمن هاتفك المحمول، فمن له الحق في أخذه، فتحه، والنظر في محتوياته؟ هذا المشهد يحتاج في بدايته ألحاناً لموسيقى حزينة تعيش معها أجواء الفقد، ولكن مع وقوع «موبايل» الفقيد في يد زوجته الأرملة ستتبدل الألحان بموسيقى مسلسل رأفت الهجان، وكما لن ينفع الفقيد إلا عمله الصالح عند وفاته، لن ينفعه كذلك «الباسوورد» الذي وضعه لقفل «موبايله»، فهذه هي الأرملة الحزينة فور رحيل المعزين ستتحول «لهكرز»، وتتوصل لكلمة المرور «سماري 1985» ، فمن هي «سماري»؟ هذا ما ستكشفه لها سجلات المكالمات الواردة والصادرة والرسائل النصية، وألبومات الصور، ثم «الواتس أب». هل ستصدقني - عزيزي القارئ - إذا قلت لك إن صديقي الميت كان «online» في نفس ليلة وفاته؟!! ولأنني أعلم أن الميت لا يمكنه الاستمتاع بباقات اتصالات للبيانات، لم أسأله عن حاله أفي الجنة هو أم في سواها، بسرعة راجعت آخر المراسلات بيني وبين الفقيد، لا شيء يدعو إلى القلق، إذا…

السؤال الأول في القمة الحكومية

الأربعاء ٠٤ فبراير ٢٠١٥

أيام وتنطلق الدورة الثالثة للقمة الحكومية، في هذه الفعالية عشرات المحاضرات ومئات الخبراء المتخصصين في كل ما يتصل بالحكومات وعملها، قدموا من ثقافات عدة، وعملوا مع حكومات ذات خصائص مختلفة، وبحكم العادة السائدة في مؤسستنا الحكومية سيبحث بعضنا عن موضوعات تتعلق بالإبداع والابتكار والتنافسية، وآخرون سيكون تركيزهم على الخدمات الذكية وما يتصل بالموارد البشرية، وبعيداً عن كل هذه الموضوعات والمصطلحات التي رغم شيوعها وأهميتها النسبية فإن فهمها النظري وتطبيقها العملي يبقيان في دائرة الشؤون التنظيمية الداخلية للحكومات. في اعتقادي أن على الموظف الحكومي المشارك في القمة الحكومية القفز من فوق كل تلك الأسوار التنظيمية للعمل الحكومي، ومناقشة الفكرة الأبسط حول مفهوم الحكومة الجيدة، عندها سيجد القائلين بأن الحكومة التي توفر خدمات متميزة وتعمل ضمن نظام سليم وتنفذ برامج اجتماعية واقتصادية، هي الحكومة المتميزة، كما سيجد المدارس الأخرى التي ترى أن الحكومة هي الممثلة لإرادة الشعب بإدراكها لأفكار الناس والاستماع إليهم، وبين المنهجين الحكوميين فلسفات عميقة تتناول جوانب العدالة في توزيع الحقوق والواجبات على الشعب من خلال قوانين تخدم مصالحهم، غير أن النظرة قد تكون مختلفة نسبياً في الحكومات المعتمدة في إنفاقها على الضرائب المدفوعة، لتجد أن مفهوم الحكومة الجيدة تحور نحو الممارسات المشجعة لعرض وجهات النظر المختلفة، ومن ثم إفساح المجال للمشاركة في العمل من دون ممارسة الوصاية على اختيارات…

«زوربا» يُخفي وجهه

الأربعاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٤

إذا دخلت غرفة النوم تبحث عن شيء، وفي منتصف الغرفة نسيت الشيء الذي جئت تبحث عنه، فتأكد أنك مصاب بعسر التفكير، أصابتني هذه الحالة الثلاثاء الماضي، لم أرسل مقالتي الأسبوعية إلى «الإمارات اليوم»، أعتقد أن عسر الكتابة لا يزيله إلا إنسان ملهم كصديقي «زوربا»، ذهبتُ أبحث عنه في سوق السمك، حيث اختلطت رائحة الأسماك برائحة عرق الباعة مع رائحة الأرضيات المغسولة بماء البحر، وجدته يقف في زاوية متلثماً، بالكاد تعرفت إليه من حاجبيه الكثيفين، وعلبة السجائر التي تطل من جيبه الأمامي. سألته: لِمَ هذا التخفي يا «زوربا»؟ أجاب: هي محاولة مني لأغلق فمي، فالساكت عن الحق شيطان، والناطق به شيطان أيضاً! شكوت له عسر التفكير، عقلي توقف عن اصطياد الأفكار. فكَّ «زوربا» لثامه: ستجد الأفكار من حولك في السوق، سنختار إحداها ونناقشها، بشرط ألا يكون نقاشنا سفسطائياً، فكم أكره الجدل الذي صار صنعة الجميع! كم أمقت التلاعب بالألفاظ بقصد الإقناع! أخبرته أنني أرثي لحال العاملين في بيع الأسماك، ملابسهم الرثة تنم عن بؤسهم. قاطعني «زوربا»: هؤلاء هم التجار الحقيقيون، لا تغتر بالمظاهر، ستصادف خارج السوق أصحاب السيارات الفارهة والساعات الثمينة، أولئك هم من يستحق الشفقة، عبدة المظاهر، هم لا شيء، مجرد قوالب مزيفة تبحث عن الاحترام بلباسها، تدّعي الغنى، في داخلها خواء، نصيحتي لا تكتب عن المظاهر الخادعة، نصيحتي لا…

عصا «السلفي» حلال

الأربعاء ١٠ سبتمبر ٢٠١٤

بينما كنت مع زميلي نستعرض صور حساباتنا وصور المتابعين على الـ«انستغرام» تجادلنا حول ظاهرة إغراق الـ«انستغراميين» لحساباتهم بالصور، ومن رأي مؤيد إلى آخر معارض، سألته عن صوره أيام الدراسة الجامعية، فتبسم قائلاً: أَوَما تعلم أن التصوير حينها كان حراماً؟! تعود قصة زميلي إلى أوائل فترة التسعينات أو ما يعرف بفترة «الصحوة الإسلامية»، التي دفعت الشباب للتدين، حينها أفتى له أحد الشباب «الخيِّرين» بحرمة تصوير ذوات الأرواح، وساق له الأدلة الشرعية التي نصت على حرمة التصوير، ثم سألته عمّا حدث بعدها، ولماذا تراجع عن رأي كان يؤمن به؟ فكان رده بأني رأيت صور كل من أفتى بحرمة التصوير تتصدر الصحف والمجلات! هذه القصة بها دلالات مهمة، أولها أن بعض الناس ــ من باب حرصها ــ تقوم بنقل الفتاوى دون التحقق من المقصود منها، وثانيها أننا نأخذ تلك الفتاوى ممن ظهرت عليهم علامات التدين من دون التحقق من سعة معرفتهم، خصوصاً أن العلم الشرعي من أغزر العلوم وأعقدها ــ لا كما يظن البعض ــ لا يحوزه إلا من وفّقه الله عزّ وجل للدراسة على أيادي العلماء، والأمر الأخير يتعلق بتبدل قناعات زميلي الذي تحول من رأي إلى آخر بعدما شاهد صور أهل العلم وطلبته الذين لم يجدوا حرجاً في التصوير الفوتوغرافي، الأمر الذي يعني أن تقديم القدوة قد يغني عن الفتوى، ولعل…

الحب لا يعرف الغسيل

الأربعاء ١٨ يونيو ٢٠١٤

مبتعث خليجي للدراسة في أميركا لم يفكر في الزواج 30 سنة، إلى أن التقى في الجامعة بشبيهة «هيذر توم»، نجمة مسلسل «جريئة وجميلة». بعد البحث والتحري عرف أنها فتاة محافظة وابنة سيناتور، ولأنه «ابن ناس» أيضاً، فقد قرر دخول البيوت الأميركية من أبوابها. الخطيبة دعته إلى عشاء السبت العائلي ليتعرف إلى العم والعمة، في تلك الأمسية الجميلة تحدث صاحبنا عن أصله العربي وفصله، وعن أحلامه المهنية وإيمانه بقداسة الحياة الزوجية. وفي نهاية الأمسية قام العم بجمع الصحون من على طاولة العشاء وتوجه إلى المطبخ لغسلها، هنا انتفض صاحبنا من مكانه ولحق به قائلاً: ماذا تفعل؟! فأجابت الأم وابنتها: اليوم دوره في غسل الصحون والأطباق. حينها ضاقت الدنيا على صاحبنا وتخيل نفسه يغسل الصحون في موطنه بعد أن يقترن بخطيبته. بعدها أنهى صاحبنا علاقته بشبيهة «هيذر توم» قائلاً لها: نحن لا نصلح لبعضنا بعضاً لأننا من ثقافتين مختلفتين. قصة حقيقية من مجتمع غربي يتشارك فيه الرجل والمرأة المسؤولية تجاه البيت لتصير المشاركة عرفاً قائماً لا يعيب الرجل والمرأة، وكل العذر للطالب المبتعث الذي نشأ على أعراف مجتمعية تبالغ في تكاليف الزواج بداعي الفرح والاحتفال، وتبذر في الطعام تحت مسمى إكرام الضيف، وتعتمد على الخادمات والمزارعين والسائقين لأن شؤون البيت ليست من أختصاص الزوجين! ولأن العرف يشمل الممارسة الشائعة بين الناس بحكم…

سهرة مع كفار قريش

السبت ٣١ مايو ٢٠١٤

ترددت كثيراً في كتابة هذه المقالة، خوفاً من أُوصف بالأفاك لو ادعيت أن أمسية جمعتني برهط من كفار قريش، لكنني وبشجاعة قررت الكتابة لأمرين: أولهما أنكم - كقراء - تستحقون عيش التجربة المذهلة التي عشتها، وثانيهما أن بعضاً ممن شهد الأمسية شخصيات حقيقية، يمكنكم الرجوع إليها لو أردتم معرفة تفاصيل ما حدث تلك الليلة. بداية عرّف الضيف بنفسه قائلاً: إنه الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، أحد أشراف قريش وكبير ساداتها، وصف نفسه بـ«الوحيد»، لأن قريشاً كانت تكسو الكعبة عاماً، وهو وحده من يكسوها في العام التالي، ثم تفاخر بكرمه في مواسم الحج، التي كان يذبح فيها للحجيج كل يوم 10 من الإبل طوال 40 ليلة. أثنى أحدهم على ذكاء الوليد وفطنته، مستشهداً بالآية القرآنية: «إِنّهُ فَكّرَ وَقَدّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدّر»، ثم سأله آخر متعجباً: كيف لإنسان بهذا العقل الكبير أن يلحد معطلاً عقله عن الحق؟! هنا أجاب الوليد: أتذكر ذلك اليوم جيداً؛ فبعد أن سمعت الحق يتلى، لقيني أبوجهل في طرقات مكة، ذكّرني بمكانتي بين قومي وعظم شأني فحرك كبريائي، فأعملت عقلي لأتهم دين محمد وأصدَّ عنه. هنا عقّب زميلي بأن الجاهلية التي تعيشها العقول منبعها إعجاب الناس بسعة معرفتهم، فتضخمت في داخلهم «الأنا»، ليطأوا كل الثوابت والمبادئ، بهدف الانتصار لذواتهم، اكتفى الوليد بعبارة: الدروس لا تجدي نفعاً الآن؛…