يحيى الأمير
يحيى الأمير
إعلامي سعودي

فقه التغيير .. قيم المواطنة

السبت ١٠ أغسطس ٢٠١٩

أغلقنا ربما كل الملفات التي ظلت تمثل قضايا يستخدمها العالم ضدنا ويصفنا بها كأبرز ما كنا نختلف به عن العالم. لقد ظلت قضايا مثل الولاية وقيادة المرأة للسيارة تفتح بابا لوصم هذا الكيان الكبير العظيم بأوصاف التشدد والقوانين التي لا أساس لها، وهو ما مثل ملعبا كبيرا للخصوم وأسلحة مجانية نضعها في أيديهم. إن أفضل وصف لتلك الفترة هو ما جاء على لسان سمو ولي العهد بأنها الحقبة التي لا يمكن تبريرها. كل ما يحدث اليوم لا علاقة له بالغرب ولا بمواقفه ولا بتلك التناولات الإعلامية لتلك القضايا، فالهجوم على المملكة وتربص الخصوم بنا لا علاقة له بالحريات ولا بالمرأة ولا بالمساواة ومهما حدث من تطورات ستظل تلك الهجمات قائمة وستبحث لها في كل مرة عن موضوع جديد. لكن العامل الأبرز والأهم لكل هذه الخطوات التحديثية الجبارة التي تشهدها المملكة هو استكمال بناء المواطنة وتعزيز قيم ومعاني الدولة الوطنية المدنية الحديثة التي وصلت زمنياً واجتماعياً وإقليمياً لذلك الاستحقاق. حالة من النضج والتنوع والانفتاح الواعي، وقيادة لديها من الخبرة في قراءة التجربة السعودية من بدايتها، ولديها الشباب والشغف والطموح والإيمان بالمستقبل، والقيادات السياسية الواعية هي التي تستشعر المراحل وتؤمن بإحداث التحولات وعدم الوقوف عند نمط أو مرحلة، والخروج المستمر من الثبات والجمود إلى التغيير والتحديث، وكل القيادات، التي صنعت واقعا ومستقبلا…

الدولة والأخلاق .. نظرية الدولة الملتزمة

السبت ٢٧ يوليو ٢٠١٩

بعد سقوط الإمبراطوريات ونشوء الدولة الوطنية كانت الإشكالية الكبرى تتمثل في شخصية الدولة وقيمها، فالدولة الوطنية قائمة على التنوع والاختلاف في العقائد والمذاهب والتوجهات القيمية اجتماعيا وسلوكيا. ومرت الدولة الوطنية، وبخاصة في الدول الناشئة، بمراحل يمكن تلخيصها في التالي: مرحلة الدولة الدعوية القيمية، أي الدولة ذات العقيدة المهيمنة على رؤيتها والمؤسِسة لشرعيتها وبخاصة في الوسط الاجتماعي الذي نشأت به تلك الدولة. إن غياب الوعي المدني في تلك المجتمعات وانتشار البداوة والقبلية وهيمنة الأعراف الاجتماعية تجعل من اتخاذ السياسي لعقيدة ما أمرا حتميا وضروريا لأنه يمثل لحظة الالتفاف والإجماع الذي تتوحد عليه تلك الشرائح الاجتماعية المختلفة، فلا يمكن لقبيلة أن تحكم بقية القبائل، ولا يمكن لعرف ما أن يخضع له الجميع، لكن وجود مؤسسة جديدة وإطلاق مسمى الدولة والتمسك بعقيدة يؤمن بها الجميع مثل القاعدة الكبرى لنشوء الدولة والإدارة الأنسب لتلك الفترة. الواقع يؤكد أن الدولة الوطنية الحديثة لا يمكن أن تعتمد سياسة واحدة في كل مراحلها ولا نمطا سياسيا واحدا يهيمن على كل أزمنتها، بل إن الدول التي فعلت ذلك لم تستطع الصمود ولا مواجهة التحديات الكبرى سواء في الداخل أو الخارج. يمثل استيعاب الوعي الاجتماعي العام أمرا محوريا لدى السياسي، والحقيقة أنه ليس الناس على دين ملوكهم، بل الملوك أوسع استيعابا للناس ولما يريدونه من الدولة قيميا واجتماعيا وثقافيا…

الدولة الوطنية في الشرق الأوسط

السبت ١٣ يوليو ٢٠١٩

الخلفية الثقافية والاجتماعية لكل دول المنطقة تشير بوضوح إلى أن نشوء الدولة الوطنية مثل عامل التحول الأكبر وعنصر الإنقاذ الأول لهذه الجغرافيا وحماها من أن تظل منطقة للصراع والتشرذم والتطرف والبداوة أيضا. خلفيات ثقافية تشتمل على قيم ليس بإمكانها بناء سلام أو مستقبل أو ازدهار، بل إن كل هذه المفردات ليست أصلا في قاموسها، قيم قبلية وعنيفة أو دينية طائفية متشددة أو صحراوية متنقلة لا يمثل المكان بالنسبة لها قيمة لتهتم بإعماره وتنميته. المنتج الحضاري السابق للدولة الوطنية الحديثة كان الإمبراطوريات التي أثبتت أنها محور للحروب الضخمة والطاحنة، وتقوم أساسا على أفكار وأهداف توسعية تجعل منها مشروع حرب مفتوحة مع مثيلاتها أو كيانا غاصبا محتلا مع كل الجغرافيا المحيطة به، وهذا جل ما شهدته مختلف الأقاليم في الشرق الأوسط إبان حقبة الإمبراطوريات. لا تزال بعض الأطروحات في التنظير السياسي العربي تنتقد موقف بريطانيا بعد اتفاقية سايكس بيكو، وترى أنها أخلفت بوعدها بمنح العرب وطنا قوميا عربيا في منطقة سورية الكبرى، ولكن الواقع اليوم يقول إن ما حدث كان إيجابيا لمستقبل المنطقة، ومدخلا لتمكين ونضوج الدولة الوطنية من خلال نماذج مختلفة ومتنوعة. تتخذ الدولة الوطنية من الجغرافيا أساسا أولا للكيان والهوية، وهو تحول ضخم من ثقافة البداوة القائمة على الترحال وانتفاء أي ارتباط بالمكان ليتحول إلى ركيزة أولى ومحورية. تنتفي في…

الأيام الأخيرة للأزمة الأسوأ في العالم

السبت ٢٢ يونيو ٢٠١٩

ربما يكون السيناريو الأفضل الذي يتمناه العالم كالتالي: تزايد الضغوط الداخلية على النظام الإيراني وتتزايد الاحتجاجات وتتحرك المعارضة المدنية ويسقط النظام وتمر البلاد بمرحلة انتقالية يأتي بعدها نظام جديد وبدستور جديد يتخلص من نموذج الحكم الديني إلى نموذج الدولة الوطنية. لكن هذا السيناريو يبدو مثاليا للغاية وغالبا لن يسمح النظام الإيراني الحالي وبعد أربعين عاما من التمكن وبناء المؤسسات العسكرية والأمنية لن يسمح بمثل هذا السيناريو، وغالبا سيذهب لخيارات الفوضى في المنطقة والقمع والدماء في الداخل. بالعودة إلى خطاب مايكل بومبيو الذي قدمه العام الماضي بعد تعيينه وزيرا للخارجية يمكن القول إن التوجه السياسي الأمريكي تجاه طهران لم يعد مجرد تغيير السلوك بل القضية تكمن في النظام نفسه. وقال بومبيو في هذا الصدد: إن عمر النظام الذي انبثق في ثورة ١٩٧٩ ليس أبديا. الجانب الأهم يكمن في القناعة الدولية أن تغيير سلوك النظام ليس واردا إلا على سبيل المناورة السياسية فحسب، لأن كل تصرفات النظام في المنطقة ليس مجرد أخطاء أو حسابات سياسية خاطئة بل هي تجسيد واقعي لشخصية النظام ومشروعه ودستوره أيضا. عرف الشارع الإيراني محاولات متعددة للاحتجاج في وجه النظام وكانت الثورة الخضراء التي شهدتها شوارع المدن الإيرانية عام ٢٠٠٩، والتي واجهها النظام بالقمع والمطاردات والرصاص الحي. ربما يتحفز الشارع الآن لاستعادة الوهج الاحتجاجي الكامن في مختلف مكونات…

استحالة تغيير المسار الإيراني

السبت ١٥ يونيو ٢٠١٩

غالبا تدرك الوفود الدبلوماسية التي زارت طهران أو تخطط لذلك أنها لن تحرك شيئا في الأزمة الكبرى التي بات يمثلها النظام الإيراني والذي يتحفز العالم الحر اليوم للتخلص منه بعد أن أثبت طيلة أربعين عاما أنه لا يحمل للمنطقة إلا الخراب والدمار. تبحث تلك الوفود عن دور إقليمي إما للحفاظ على مصالحها كما تفعل ألمانيا مثلا وروسيا وهما العضوان الأبرز في مجموعة الخمسة زائد واحد، أو كتلك الدول التي تمثل العقوبات الإيرانية إرباكا لها ولمكوناتها السياسية كالعراق أو تلك المتورطة في تحالف جديد مع طهران كالنظام القطري الذي يشهد مقاطعة من أكبر دول المنطقة بعد دعمه المتزايد للإرهاب والعنف والفوضى. لماذا لن تقدم كل تلك الجهود أي تحول في واقع الأزمة التي تشتد يوميا؟ السبب الرئيسي يكمن في النظام الإيراني نفسه، فالعقوبات لا تريد من طهران التخلي عن جزء من أراضيها ولا مصادرة مقوماتها الاقتصادية ولا إعادة تشكيل السلطة في البلاد، كل ما تريده المنطقة من النظام الإيراني أن يوقف كل مشاريعه التوسعية الثورية في المنطقة، المشكلة أن تلك المشاريع التخريبية الثورية هي تجسيد فعلي وواقعي لعقيدة النظام وهويته وتكوينه، وبالتالي يصبح تغيير السلوك مجرد عنوان يحاول النظام أن يكسب به مزيدا من الوقت. إن أكبر خديعة سياسية حاول النظام الإيراني تسويقها عن نفسه أن لديه تيارين؛ تيارا محافظا متشددا…

كيف فعلها العاصوف ؟

السبت ٢٥ مايو ٢٠١٩

كل الجدل الذي رافق انطلاق مسلسل العاصوف كان مرده إلى عنصرين؛ الأول: أحقية من يعيد رواية التاريخ السعودي ومن يملك الحق في روايته، وبناء تلك الرواية وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية. العامل الثاني: وجود شخصية ناصر القصبي الذي يثير جدلا ويقابل بمجابهة كبرى من تيارات التشدد والتطرف، ويمكن اعتبار ناصر الفنان السعودي الوحيد الذي يحمل موقفا فكريا واضحا حملته مختلف أعماله الفنية السابقة. لم يحدث أن أصبح التاريخ السعودي الحديث مادة لعمل ملحمي درامي كما هو الحال في العاصوف، بل إن رواية التاريخ الاجتماعي السعودي ربما لم تكتب بعد، فقد تركز الاهتمام على التاريخ السياسي وظل التاريخ الاجتماعي حائرا بين روايتين. الصحوة لديها روايتها للتاريخ الاجتماعي السعودي، تتحفظ على جانب من ذلك التاريخ وتتوسع في جانب، فهي ترى أن التحول الذي شهدته السعودية منذ عام ١٩٧٩ يمثل هداية وعودة للصواب، مدافعة بذلك عن مشروعها بصفتها مرحلة يقظة ووعي ديني حمت به المجتمع من الانحراف والضلال. أعظم ما حدث أن السياسي لم يتدخل في بناء رواية خاصة بالتاريخ الاجتماعي وتُرك ذلك للمجتمع ليكتب روايته. كل التعليقات التي صاحبت الموسم الأول كانت تتمحور حول الفكرة التالية: ما يقدمه العاصوف لا يمثلنا ونحن لم نكن كذلك. لكن تلك التعليقات لا تستوعب أن الدراما لا تكتب كل التاريخ الاجتماعي وإنما تركز على شريحة وعينة واحدة…

مصير العواصم المتورطة في الفوضى

السبت ٢٠ أبريل ٢٠١٩

طهران وأنقرة والدوحة؛ تورطت هذه العواصم الثلاث في أسوأ مشروع للفوضى والدمار والذي أريد له أن يجتاح المنطقة في أسوأ طوفان عرفته العواصم العربية الكبرى، رهانات غير واقعية ومشروع لا سقف له ولا يحمل رؤية واعية وكانت حالة النشوة المؤقتة التي اجتاحت تلك العواصم قد أصابتها بجنون رفع توقعاتها. إيران كانت تتحدث عن أربع عواصم عربية تحت سيطرتها، والدوحة باتت مركز إدارة عمليات حرب في ليبيا واستخبارات في العراق ومصدر تمويل لكل تلك المشاريع ومنبرها الإعلامي، والنظام التركي بدأ يعلن نفسه مرجعاً للأمة وقائدا شاملا للمنطقة. كانت أياما حالكة للغاية وساهم تبني الإدارة الأمريكية السابقة لتلك الفوضى في إمدادها بسند سياسي ضاعف حالة الاستقواء والنشوة لدى تلك العواصم الثلاث. نظريا يحمل مشروع (الربيع العربي) في تركيبته أصلا عوامل أساسية كانت ستؤدي به إلى فشل كبير في نهاية المطاف، فالمشروع بلا رؤية ويحمل أهدافا غير واقعية على الإطلاق، ويتحرك المشروع في فضاء إقليمي وثقافي واجتماعي لا يسمح باستمرار مثل تلك المشاريع. الشارع العربي كله ينظر بازدراء للتحالفات الضارة مع القوى الإقليمية غير العربية كتركيا وإيران ويرى في ذلك خيانة غير مقبولة، وأكبر مثال على ذلك الانطباع السائد في الشارع العربي عن قطر وكيف باتت تمثل علامة على المؤامرت والفوضى والدسائس. ثانيا في ظل نموذج الدولة الوطنية الذي عاشته المنطقة منذ انتهاء…

مدنية الدولة الوطنية

السبت ٠٦ أبريل ٢٠١٩

لا تفرق إشارة المرور في أي مكان في العالم بين الذاهبين إلى المسجد أو الذاهبين إلى الكنيسة، إنما يجمعهم الامتثال لها بصفتها أداة تنظيمية لمرفق عام هو الطريق الذي يستخدمه الجميع وفق القانون الذي ينظم ذلك الاستخدام. هذا مثال رغم بساطته إلا أنه يمثل مدخلا لقراءة الفرضية التالية: لا يمكن للدولة الوطنية أن تنشأ وتستمر وتزدهر دون مسحة مدنية، وللجدل فإن التعريف الذي أنطلق منه في فهم المدنية هو ما يلي: ألا تتحكم فئة انطلاقا من معتقداتها الخاصة ببقية الفئات وتحملهم عليها، فالسيادة ليست للعقائد الخاصة وإنما للقانون والنظام الذي يساوي بين الجميع. لا القبيلة ولا الجماعة ولا أي كيان أيديولوجي يمكن له الامتثال لذلك النموذج القائم على النظام والقانون لأنها كيانات تنطلق من أيديولوجياتها بصفتها مبرر الانتماء لذلك الكيان وبالتالي فهي في خصومة مستمرة مع من يختلفون عنها وكل الحروب والصراعات التي عرفها العالم كانت تحمل بعدا أيديولوجيا ظل يمثل وقودها الفعلي. في لحظة تاريخية وتحول حضاري كبير وصلت الإنسانية لأعظم إنجاز في تاريخها المعاصر والمتمثل في ظهور الدولة الوطنية. محور الدولة الوطنية ومرتكزها الأول هو التنوع وبالتالي الخروج من زمن الأيديولوجيات الجامعة إلى زمن الوطنية الجامعة؛ الشراكة في الأمن والبناء والمستقبل والتنمية والحياة الكريمة. وفي الدولة الوطنية ظهرت وتطورت المؤسسة بصفتها الجهاز المنظم والمدير لتلك التنوعات ولتلك المصالح…

معركة المغرد السعودي.. كيف انتصرنا للتنمية والمستقبل؟

السبت ٠٩ مارس ٢٠١٩

نحن لا نؤمن بنظرية المؤامرة فقط بل نؤمن بكشفها أيضا، وكل المواقف السعودية الرسمية والشعبية في السنوات القليلة الماضية بمثابة إعلان للتصدي لكل تلك المؤامرات والمكائد التي ظلت تحاك وتنفذ ضد المملكة. كانت قضية الرأي العام السعودي وتوجيهه مشروعا كبيرا جدا وتم العمل عليه والتخطيط له وبدأت خطوات التنفيذ مبكرة. يتمثل الهدف العام في بناء وتوجيه الرأي السعودي كمرحلة أولى، وفي حال لم يتحقق ذلك يتم العمل على إيهام المجتمع أن ثمة رأيا سائدا هو الذي يمثل رغبة المجتمع وتوجهه الحقيقي. الغرض من بناء تلك المعادلة إيجاد شقاق بين توجهات التنمية والوطنية التي تقودها الدولة والنخب الوطنية وبين المجتمع. لقد شهدت هذه المؤامرة نجاحا مؤقتا تمثل في إيهامنا بالتالي: المجتمع ليس مستعدا لأي تغيير. أدت مثل هذه المفاهيم إلى تكدس كبير في الخطوات المؤجلة ووجدنا أنفسنا في واقع يتغير فيه المجتمع وتطمح الدولة للمزيد من التغيير لكن ثمة انطباع عام أن لا أحد يريد ذلك. يحقق نجاح هذا الجزء من المؤامرة فائدتين للخصوم؛ الأولى صناعة مناخ عام يوحي بأن ثمة تنافرا بين توجهات الدولة وتوجهات المجتمع وبالتالي يسهم في تقييد خطوات التطور، والفائدة الثانية تتمثل في ترويج صورة متشددة عن المملكة أنها البلاد التي تقيد الحريات ولا يسمح فيها بقيادة المرأة للسيارة وتمنع فيها حفلات الموسيقى. الخط الثاني لتلك المؤامرة…

العقيدة الإيرانية وليست التدخلات الإيرانية

السبت ٠٢ مارس ٢٠١٩

فيما لو تم تنفيذ الاتفاق الإيراني - الإسرائيلي بإخراج القوات الأجنبية من سوريا فالمنطقة كلها أمام تحول مهم للغاية؛ أشبه ما يكون بإعلان نهاية وفشل أي تدخل تقوده دولة أو جماعات أيديولوجية وفشل للتدخلات الميليشياوية المسلحة التي لم تقدم سوى المزيد من القتل والفوضى والدمار. لم تتدخل إيران في سوريا ولا في اليمن ولا في لبنان تدخلا سياسيا بهدف حماية مصالحها أو أمنها الإستراتيجي، النظام في طهران لا يفكر هكذا أصلا، إنه نظام يهتم بالمراقد والمزارات وتصدير الثورة وخروج المهدي من السرداب، وأي نظام يملك هذه العقيدة المتطرفة لن يؤمن أبدا بالدولة الوطنية ولا بالمصالح الإستراتيجية وبالتالي لن يجد شريكا له من دول العالم ولن يعتمد عليه العالم في القيام بأي دور إقليمي أمني أو اقتصادي. لا يمكن للعالم أن يستمر صامتا أمام تلك النيران المشتعلة في سوريا وبدخول روسيا لاعبا محوريا في القضية السورية، وبدخول إسرائيل في المعادلة أدرك الطرفان أن سنوات الدمار والحرب لا يمكن أن تنتهي بوجود شريك متطرف ونظام بدائي كالنظام الإيراني، وبينما تفكر روسيا في القضية السورية من خلال أبعاد إستراتيجية مختلفة وتفكر إسرائيل في القضية من زاوية مصلحتها الأمنية، يفكر النظام الإيراني في حماية المراقد! منذ عقود لم تعد إيران لاعبا سياسيا تحركه المصالح والحسابات الإقليمية كبقية الكيانات في المنطقة، لقد تحول بفعل عقيدته…

إسرائيل العلمانية أم إيران الثيوقراطية ؟

السبت ٢٣ فبراير ٢٠١٩

لا تزال المبادرة السعودية للسلام التي تحولت إلى مبادرة عربية هي المسار الأنسب ربما للتخلص من كل الآثار التي خلفتها وتخلفها يوميا القضية الفلسطينية في المنطقة وكيف تحولت من قضية شعب وأرض محتلة إلى حفلة مزايدات سياسية لا تنتهي. كل الكيانات والأنظمة التي لديها مشكلة في الشرعية جعلت من القضية الفلسطينية شعارا لها ومادة للمزيدات والبحث عن أدوار كارثية في المنطقة. ربما يكون النظام الإيراني أبرز من تاجر في قضية فلسطين، ولا تكاد تمر خطبة ولا مناسبة يتحدث فيها قيادي إيراني إلا وكانت فلسطين والقدس والتحرير حاضرة وبكثافة؛ سرايا القدس، فيلق القدس، وغيرهما من التسميات التي تم إطلاقها على فرق عسكرية إيرانية تعكس ذلك التعلق الزائف بالقضية، ومحاولة جعلها قضية وجود بحثا عن شرعية للكيان، وبينما يتطلع المواطن الإيراني لحلول لقضاياه الداخلية يجد أن كل مقدرات بلاده موجهة لإذكاء الصراعات ودعم الميليشيات الإرهابية المسلحة تحت شعار الموت لإسرائيل وتحرير الأراضي الفلسطينية. حزب الله في لبنان مثلا يجعل من المقاومة والقضية الفلسطينية مبررا لوجوده وانتهاكاته للسلطة واختطافه الدولة اللبنانية، مما يعني أن أي حل للقضية الفلسطينية يمثل تهديدا وجوديا للحزب وانشطته ومبررات بقائه. حماس الفلسطينية أيضا سيتحول كوادرها إلى عاطلين عن العمل فيما لو شهدت القضية الفلسطينية أي انفراج نحو الحل. أنظمة مثل النظام التركي والنظام القطري وفي سياق سعيها للعب…

إعادة بناء التعليم الديني

السبت ١٦ فبراير ٢٠١٩

الفقه القائم والمتداول اليوم هو وبلا جدال فقه قديم جدا، قادم من مرحلة تاريخية موغلة في القدم، إذ لم يشهد التاريخ الإسلامي منذ القرن التاسع الميلادي ظهور مصنفات وأعمال فقهية جديدة؛ جديدة في آلياتها وأفكارها وخطابها، إذ مثلت تلك الفترة تأسيسا لمنهج فكري يقوم على الثبات والأحادية وكثير من الصرامة والحدة إضافة إلى أنه مرتبط بالجغرافيا والأحداث التي ظهرت فيها. أخطر ما في تلك المراجع الفقهية أنها مراجع؛ أي أن كل ما سيأتي بعدها يجب أن يدور في فلكها شرحا وتفسيرا وتحقيقا لكن الآليات والأدوات البحثية ظلت ثابتة كما هي، وساعد على ذلك كثرة الاستدلال بالمرويات الحديثية والنقلية وتراجع كبير في قراءة وبحث النص القرآني مما توجد خطا موازيا لعملية التشريع وبناء الأحكام الفقهية تكاد تكون في جانب كبير منها مجافية لما جاء به التنزيل الحكيم. 1. إنه الفقه العربي الذي تأثر بالأزمة الكبرى التي مرت بها اللغة العربية والمتمثلة في طغيان علوم النحو والصرف على حساب علوم الدلالة وفقه اللغة، ولأن نصوص الحديث الشريف لا تحتاج تأويلا وذات معان واضحة ومباشرة فقد كانت أسهل للاتكاء عليها استدلالا واستشهادا إلى الدرجة التي ربما هيمنت معها على نصوص التنزيل الحكيم. ورافق ذلك سطوة عارمة لأسماء ومصنفات تاريخية باتت ثقافة الدرس الفقهي تتخوف من نقدها أو الدعوة لإعادة قراءة نتاجها الفقهي. ومثلما…