مازن العليوي
مازن العليوي
كاتب سوري في صحيفة الرؤية الإماراتية، ويعمل حاليا في مجال إعداد البرامج الحوارية الفضائية ، رئيس قسمي الثقافة والرأي في صحيفة "الوطن" السعودية اعتبارا من عام 2001 ولغاية 2010 ، عضو اتحاد الكتاب العرب (جمعية الشعر)، واتحاد الصحفيين العرب، بكالوريوس في الهندسة الكهربائية والإلكترونية، وبكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، لديه 3 مجموعات شعرية مطبوعة

استدراك على الكواكبي

آراء

حين توصل المفكر الحلبي عبدالرحمن الكواكبي في كتاب “طبائع الاستبداد” إلى أن سبب داء الانحطاط “هو الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية”. لم يخطر على باله أن بلاده سوف تحكم من قبل نظام استبدادي دمّر البلد لعدم تنازله للشعب بعزل مسؤول أمني في إحدى المحافظات، فضّل “المستبد الابن” إرضاءه وإغضاب شعبه لأنه ابن خالته. ومن هناك انطلقت الشرارة وكبرت الثورة التي لم يفكر لها النظام بحلول للخلاص غير القمع، إلى أن وصلت الحالة لما نراه عليها اليوم، وما زال التعنت والإصرار على القتل هو أسلوب الاستبداد من أجل البقاء مدة إضافية، لكن النتيجة الحتمية هي انتصار إرادة الشعب.

نتذكر ما قاله الكواكبي وهو يطرح أهداف كتابه الذي لو قرأه أي من الطغاة لربما راجع بعض سلوكياته وطرائق تعامله مع الشعب، يقول الكواكبي: “لي هناك مقصد آخر وهو التنبيه لمورد الداء الدفين، عسى أن يعرف الذين قضوا نحبهم، أنهم المتسببون لما حلّ بهم، فلا يعتبون على الأغيار ولا على الأقدار، إنما يعتبون على الجهل، وفقد الهمم، والتواكل… وعسى الذين فيهم بقية رمق من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات”.

بالرغم من أن الكواكبي سبق عصره بأفكاره، إلا أنه لم يتحدث في فصل الاستبداد والمال عن كيفية التعامل مع ابن خال الحاكم المستبد حين يسيطر على مال الوطن واقتصاده مستغلا قرابته من الطاغية. ولم يذكر في معرض كلامه عن ارتباط الاستبداد بتدنّي الأخلاق، بأن ذلك التدني قد يصل حد ارتكاب رجال المستبد لمجازر بالأطفال والنساء. أما في فصل الاستبداد والتربية، فلم يعرف الكواكبي أن بعضهم سوف يبتلون الأمة بمصيبة اسمها “حزب البعث”، وأن “المستبد الأب” الصاعد على ظهر “البعث” سيجعل الحزب أداة تربوية ليسيّس الشعب بأيديولوجيا يروج لها لضمان القبول، فاخترع زبانيته شيئا اسمه “طلائع البعث” لتلاميذ الابتدائية لا يتذكر منها الطفل في كبره سوى أغنيات تمجد الطاغية. واخترعوا في المرحلتين الإعدادية والثانوية ما أسموه “اتحاد شبيبة الثورة” وأهدافه كسابقه.

وهكذا يتربّى المواطن في المدارس ثم الجامعات على “عبادة المستبد”، ووصل الأمر بالبعض إلى الانتحار يوم سمعوا بنبأ وفاة “المستبد الأب”، لأن المجال التربوي كرس لهم حالة تقترب من “الألوهية” لشخصه، فصعب عليهم تقبل موته، وزاد من ذلك طرح شعار “قائدنا إلى الأبد”.. فكيف يتقبل من تشربت خلاياه بذلك الشعار وفاة مستبد اقتنع بخضوعه له إلى الأبد.

نسي الكواكبي أن يتحدث عن ادعاء المستبد حين يهب الشعب عليه بوجود “مؤامرة كونية” ضده، وأعجب ما فيها أن خلاص المستبد منها يكون بقتل شعبه وتدمير مدنه.

المصدر: الوطن اون لاين