حمود أبو طالب
حمود أبو طالب
كاتب سعودي

مزور في منصب مرموق

آراء

الخبر الذي نشرته بعض الصحف يوم السبت، وتعمدت «عكاظ» وضع إشارة له في أعلى صفحتها الأولى تقول «الإيقاع بـ5 وكلاء وزارات و620 موظفا حكوميا في حملة الشهادات المزورة»، لا بد أن يكون خبرا مزعجا وبالغ السوء وكفيلا بأن يصيب قارئه بالغثيان والاكتئاب، فإذا كنا قد اكتشفنا قبل فترة قائمة طويلة بأسماء أشخاص يحملون شهادات عليا وهمية ومزورة، بينهم شخصبات معروفة في أكثر من مجال، فإننا الآن نكتشف أن الفضيحة أو الجريمة وصلت إلى مستويات قيادية عليا تفرض طبيعتها رسم استراتيجيات واتخاذ قرارات تنفيذية هامة. وعندما يفترض المنطق أن المشبوه يفضل أن يمشي «جنب الحيط» خوفا من اكتشاف أمره، فإن هذا المنطق لم يعد صحيحا؛ لأن المشبوهين في هذا الوقت لم يعودوا يشعرون بالخوف، بل بالثقة التي تجعلهم يزاحمون على المراكز العليا والوظائف المرموقة.

لقد وصف الخبر ما حدث بـ«الحملة»، وهذا الوصف يجعلنا بشكل تلقائي نتذكر حملات ضبط مخالفي أنظمة الإقامة والعمل، وحملات ضبط السلع الفاسدة، بل ربما ما هو أسوأ كحملات مداهمة أوكار المخدرات والفساد الأخلاقي. وكذلك فإن مفردة «الإيقاع» تذكرنا باستخدامها في أخبار القبض على زعماء العصابات الخطرة، والحقيقة أن أصحاب الشهادات المزورة في مثل تلك المناصب أخطر بكثير على المجتمع من زعماء العصابات؛ لأن بيدهم صلاحيات واسعة ومناط بهم مهام ومسؤوليات بالغة الأهمية.

وإذا كانت الجهات التي شاركت في الحملة كشفت عن 620 شهادة مزورة معتمدة في 22 جهة حكومية خلال أسبوع، فلكم أن تتخيلوا ما الذي سيتم كشفه مع استمرار الحملة وأي مصائب سنعرفها، وأما الإثارة الحقيقية فإنها تتمثل في ارتفاع شهادات الدكتوراة (234) والماجستير (330) مقارنة بالبكالوريوس (56) شهادة، ما يعني أن المزورين يرفعون شعار «إذا ضربت فأوجع» أو «إذا سرقت اسرق جمل».

النتيجة التي ذكرها الخبر هي استقالة «قيادي في منصب مرموق» وطلب تقاعد مبكر لأكثر من ألفي موظف حكومي متوقع خلال الثمانية الأشهر المقبلة، لكننا لم نعرف ماذا تم بخصوص وكلاء الوزارات الخمسة ومديري العموم وبقية القياديين المضبوطين، هل ستتوفر لهم حصانة تمكنهم من الاستمرار، أم سيتم ترتيب تسوية معهم للتقاعد وعفى الله عما سلف، وكلاهما خيار ظالم ومجحف بحق الوطن. وأيضا هل ستستمر الحملة كما هو مخطط لها، أم أنها ستتوقف بسبب تفعيل نظرية «لا داعي للفضائح ونشر الغسيل».

وانا أكتب آخر سطر في هذا المقال قفزت إلى ذهني مقارنة حامل شهادة دكتوراة من جامعة مرموقة يعمل في وظيفة هامشية بحامل دكتوراة مزورة بمرتبة وكيل وزارة في الجهة التي يعمل فيها ذلك الدكتور الحقيقي، ما هو شعوره حينما يعرف هذه المفارقة المأساوية؟

المصدر: عكاظ