نقد أدبي

منوعات الروائي العربي في منفاه اللغوي

الروائي العربي في منفاه اللغوي

الأربعاء ١١ سبتمبر ٢٠١٩

* محمد العباس: ربما يكون هاجس العالمية هو الذي دفع رجاء عالم إلى إصدار روايتها الأخيرة «سراب» باللغتين الإنجليزية والألمانية، قبل صدورها بلغتها الأم (العربية)، وليس حساسية موضوع الرواية المتعلق بقصة حُب متخيلة مستوحاة من حصار الحرم عام 1979. الأمر الذي يمكن تسجيله في خانة ازدراء القارئ العربي، على اعتبار أن الكتابة بلسان الآخر الغالب هي أقصر الطرق إلى العالمية. وهذا اختيار طوعي غير مدفوع بأي عوامل قسرية، كما حدث لبعض كُتّاب المغرب العربي، الذين كتبوا تحت وطأة لغة المستعمر، كما عبر عن ذلك مالك حداد بقولته الشهيرة «الفرنسية منفاي»، أو كما يستذكر الروائي الكيني نغوغي واثيونغو عذابات من يتكلم لغة «الغيكويو» في المدارس التبشيرية في أثناء الحقبة الاستعمارية، حيث الضرب والسحل لمن يتحدث أو يكتب بغير اللغة الإنجليزية. أحمد أبو دهمان أيضاً كتب روايته «الحزام» باللغة الفرنسية، قبل أن يصدرها باللغة العربية. وهو ينحدر أيضاً من فضاء مكاني لم يخضع للاستعمار الفرنسي، وبالتالي لم يكن مرغماً على التعبير عن حضوره الروائي بلسان الآخر، خصوصاً أن الرواية تتحدث عن قرية آل خلف المسترخية على قمة جبال السروات في السعودية، ولا صلة لها بالفضاء الباريسي. وبالتالي فهي تنتخب، بشكل آلي، قارئها المحلي، والعربي على أكثر تقدير. ولكن يبدو أن كاتبها أراد أن يخاطب الآخر البعيد، قبل أن يلتفت إلى قارئه المحلي.…

آراء

«ساق البامبو» العودة إلى الجذور

السبت ٢٣ أبريل ٢٠١٦

إنها رحلة التيه، بحثًا في الأسماء عن الاسم، وفي الطرقات عن الحقيقة وفي الأسئلة المتجردة عن الذات. هي تنطلق بصاحبها من ذاته وإلى ذاته مدفوعا بنوع مختلف من الجنون. ذلك الجنون الذي يتقاذف الروح كما يفعل مركب يصارع الموج في لجة من تيارات وعادات وتقاليد تكاد تتشابه في كل مكان على هذه البسيطة. تلك التعقيدات من أعراف لا تمت للدين ولا الانسانية بصلة والتي يمكن أن تحول أي شخص إلى ما هو أقل من الإنسانية، تلك التعقيدات التي تحول ملامح الوجه المنتمية إلى عرق مختلف إلى وجه باهت الملامح في دستور القبول المجتمعي. المشكلة إذن ليست في الأسماء بل بما يختفي وراءها. اسم يختاره شخص او اثنان ويقرر مجتمع بأكمله أن يتجاهله، ولا يشفع له القانون الذي يحفظ حقا أو يسقطه. الحكاية في «ساق البامبو» لكاتبها سعود السنعوسي، حكاية رغبة في التقارب الإنساني قبل الجسدي، وحكاية وعد قطعه الواجب قبل أن تقطعه العاطفة. حكاية هرب من جحيم يعيش فيه البشر باختيارهم أو رغمًا عنهم، جحيم يخلق نسخًا بشعة بثمن أو بدون ثمن. هي حكاية حب هزمته التقاليد ولفظه المجتمع لأسباب تعددت، حب لم تنجح الثقافة في الدفاع عنه ولا حقوق الانسان التي يؤذن بها حملة الشعارات الرنانة، وياللمأساة يصادرونه بعد أن يترجلوا عن صهوة الحقوقية. وهنا حيث لم تنجح الكتب…

آراء

ميتاشعرية ما قبل النفطي: محمد الثبيتي حدثاً شعرياً

الثلاثاء ٢٩ مارس ٢٠١٦

يمكن مقاربة المشروع الجمالي للشاعر السعودي محمد الثبيتي (1952-2011) بتحليل «نصوص الذروة الشعرية» في ديوانه، وهي النصوص التي أحدثت اختراقات فنية ألهمت تجربة الطليعة الشعرية، وشغلت اهتمام الخطاب النقدي وجمهور الشعر على حد سواء، إلى أن أصبحت علامة على التجربة الثبيتية وشعر الحداثة في الجزيرة العربية، ومن المعالم الرئيسة للحركة الشعرية الحداثية في العالم العربي، حين يُكتب لها تاريخ منزوع العقد والأساطير يقيها من تجمدها في لحظات تفوق فوق تاريخية من شأنها أن تعزز خطاب مركزيات موهوماً. إن إيجاد موقع مستحق للذات في سردية قاهرة، تعميمية، وتنميطية هو بالضبط (الحدث الشعري)، بتعبير جوديث بالسو، الذي يؤسسه مشروع الثبيتي، الذي تم تكثيفه في آخر الثبيتيات الكبرى: (موقف الرمال موقف الجناس). في كتابها Affirmation of Poetry الصادر بالفرنسية في 2011، والمترجم إلى الإنكليزية في 2014، تجادلبالسو، الفيلسوفة، الكاتبة الفرنسية، وأستاذة الشعر في الكلية الأوروبية للدراسات العليا EGS، حول الأهمية القصوى للشعر بوصفه «حدثاً فكرياً»، وبالتالي فهو يقدم لنا «فلسفة» من نوع خاص. إن «فلسفة» الشعر ليست في «التعبير عن فكرة ما»، بل في «التفكير بشكل شعري». إن قدرة عملٍ ما على إنتاج حقيقة من داخل الحدود والقيود، التي هي دائماً لغوية، يحوله إلى ما تسميه الكاتبة بـ«الحدث الشعري». إن الحدث الشعري هو نص، أو تكوين شعري يتكون من مجموعة أعمال شعرية، ويدل…