خاص لـ هات بوست: يتندر السوريون كل يوم منذ سقوط النظام البائد بأننا أصبحنا نعيش في أفغانستان، على سبيل المزاح تارة، وبشكل لا يخلو من الجد تارة أخرى، يختلف لونها وفق رضا الجماعة عما يحصل، فيرى البعض عدم إلزام الناس بأي سلوك حتى الآن هو مدعاة للاستهزاء بمن يتوقع “الأسلمة”، بينما يرى البعض الآخر بانتشار أصحاب اللحى وسيطرتهم على المشهد العام ما ينذر بالخطر.
ربما يكون الوقت ما زال مبكراً لقراءة الصورة بدقة، ومن ثم الحكم عليها، إنما ما يبدو جلياً هو حجم الإنقسام المجتمعي الحاصل، على أصعدة مختلفة، لا يتسع المجال للإلمام بها هنا، لكن ما يعنيني في هذه العجالة هو الجانب “الإسلامي”، إذ نجد أنفسنا اليوم وجهاً لوجه أمام تعابير مثل “هؤلاء لا يمثلون الإسلام”، و “نحن السُنّة”، و “أولئك كفار يجوز قتلهم”، فيما تكاد الهوية السورية تغرق عميقاً، لصالح أخرى دينية تطفو على السطح.
وإذ لا يختلف إثنان على مسؤولية استبداد عمره يتجاوز خمسة عقود عن كل ما يحصل، إلا أننا اليوم بصدد إيجاد الحلول لإصلاح كل هذا الخراب، ولكي نعيد البناء على تربة صالحة لا بد لنا من إعادة النظر في الثوابت، أو ما نعتبره “ثوابت”، حيث “لا يمكن أن نصل لنتائج مختلفة ونحن نسلك الطرق ذاتها”.
بداية ثمة تساؤلات يجب أن نطرحها قبل أن نتفاجىء بتصرفات “المتشددين”:
هل كتابنا المقدس هو المصحف أم صحيح البخاري؟
هل كل من أقر بالأركان الخمسة هو مسلم وكل ما عداه يصبح خارج الدائرة؟
هل المسلم هو من ولد لأبوين مسلمين؟
هل كل المذاهب مقبولة؟ من هو المخول بالقبول والرفض؟ هل لدى أحد اليوم توكيل من رب العالمين لفرز الناس؟
ماذا عن حديث الفرقة الناجية؟ هل باقي الفرق كفار عليك مهمة إيصالهم إلى مثواهم الأخير؟
إذا سألت جموع المسلمين السؤال الأول سيقولون لك كتابنا هو المصحف أولاً، ثم تأتي “الصحاح”، لكن التطبيق فعلاً يوحي بعكس ذلك، مما يحدد الإجابة على الأسئلة الأخرى.
فالإسلام في المصحف هو الإيمان بالله الواحد بشكل رئيسي، ثم الإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح، وبمجرد كونك تؤمن بالله فأنت لك صلة معه، تناديه “يا رب” عندما تضيق بك السبل {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت 33). أي أن الإسلام أكبر من أن تحصره بأركان خمس، لا تحوي عملاً صالحاً.
فإذا كنت مؤمناً بالمصحف فأنت مؤمن برسالة محمد (ص)، وإضافة للعمل الصالح هناك أركان لهذا الإيمان هي شعائر خاصة بك كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، وكلها تقربك إلى الله وتجعلك من المتقين، وهي علاقة خاصة بينك وبين الله عز وجل، لا يحق لأحد التدخل فيها، أو الحكم عليك من خلالها كما يجري في مجتمعاتنا، كذلك التزامك بالمحرمات من عدمه، فالقوانين تحاسبك على تجازوها أما عصيانك لأوامر الله فهذا شأن آخر يحاسبك عليه أو يعفو عنك دون تدخل من وسيط.
ووفقاً لما هو قائم فإن الأديان والملل والطوائف تنتقل غالباً بالولادة، وكونك ولدت لأبوين مسلمين فأنت مسلم وقد يعرضك ذلك لاضطهاد في بلد عنصري ما، وقس على ذلك باقي الأديان، باختلاف الزمان والمكان، رغم تشدق القوانين باحترام الحرية الشخصية بما فيها حرية العقيدة، والأمر كذلك بالنسبة للطوائف والمذاهب، فكل جماعة تعتقد أنها تحتكر الحقيقة وأن كل من سواها على خطأ، وتنوس المواقف في مجال عريض، بين من يكتفي بالاختلاف والخلاف، إلى القتل على أساس طائفي باسم الله وفي سبيله، مجاهداً ضد “الفئة الباغية”.
أما حديث الفرقة الناجية “ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة”، فيبقى كلاماً لا يقدم ولا يؤخر، لولا أن هناك من يعتبر نفسه مخولاً بإرسال أتباع الفرق الإثنتين والسبعين إلى النار سريعاً.
قد يبدو للقارىء أن الكلام نوع من المبالغة، لكن توظيف أحاديث كهذا وغيره يتم بسهولة، تحت شعار الجهاد، لأهداف سياسية، فيجري تجييش المقاتلين وزجهم في معارك وحشية، ليقتلوا “الكفار” وينالوا رضا الله، فإذا قتلوا في المعارك فهم “شهداء” تنتظرهم جنات عدن، وهذا ما حصل طوال السنوات السابقة، من قبل النصرة وداعش وحزب الله، وما حدث في الساحل مؤخراً بتجاهل تام لقاعدة أساسية ثبتها الله تعالى في كتابه الكريم تنص على {لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} (الأنعام 164).
الحديث طويل ومتشعب، لكن لا بد لنا ونحن في طور بداية جديدة، أن نسعى لثورة فكرية تعيد تأصيل الأصول، تعرفنا بالإسلام وتعرفنا بالآخر، وتكرس قبوله، والرسول محمد (ص) حين أقام دولته في المدينة ترك فيها الجميع، فحوت أتباعه المؤمنين من المهاجرين والأنصار، إضافة للنصارى واليهود والمنافقين، حيث الاختلاف سنة الله في خلقه {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود 118) والله تعالى يقبل الجميع وحسابهم عليه {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (الحج 40)، فإما أن نراجع مفاهيمنا أو سنبقى عرضة بين وقت وآخر لمواجهة جماعات متطرفة أو في أفضل الأحوال للتبرؤ منها ومن أفعالها.
خلاصة القول في بلد شديد التنوع كسورية علينا أن نعي حقيقة “إما أن نعيش معاً كأخوة أو نموت معاً كأغبياء”.