التنافر الاجتماعي

آراء

  خاص لـ هات بوست:

   الأصل في الإنسان أنه كائنٌ اجتماعي؛ فالتواصل مع الآخر جزءٌ أصيلٌ في تكوينه، وأساس وجوده في الأرض. ولعل فكرة منصات التواصل الاجتماعي تعزز هذه الحقيقة بشكلٍ ما، مع ما يقتضيه هذا من تواصل إيجابي وبنّاء.

     غير أن المراقب لما يحدث عبر هذه المنصات يصطدم بمفارقة مؤسفة في جزءٍ كبيرٍ منها؛ فلا نكاد نرى منشورًا – بغض النظر عن محتواه – إلا ونجد تحته العديد من الردود الجارحة، والتعليقات الساخرة، والألفاظ النابية، والتصريحات والتلميحات الخادشة. والأسوأ هو التواطؤ الجمعي على هذا القبح، إما بالمشاركة الفجّة أو غض الطرف، في تطبيعٍ مخيف للتنمر والإيذاء الإلكترونيين! حتى باتت الكلمة التي تعيب على هذا المسلك تكاد لا تُرى!

     المعالجة القانونية لهذه المشكلة موجودة بالفعل من خلال قوانين الجرائم الإلكترونية في كل دولة، ولكن ماذا عن المعالجة الأخلاقية المعطَّلة؟!

ماذا عن الضمير والرقيب الذاتي؟!

ماذا عن أخلاق العرب التي نتفاخر بها في المجالس، بينما تتضاءل وتتوارى حتى تكاد تختفي في الفضاء الرقمي؟!

ماذا عن نظرتنا لأنفسنا واحترامنا لذواتنا بعيدًا عن عين الرقيب؟!

كيف اختفت قيمة الترفّع عن الدنايا والتي هي من صلب الأخلاق العربية؟!

كيف أصبحت الأخلاق موسمية، بحيث تُلبَس أمام الناس، طلبًا للرضا المجتمعي، ثم تُخلَع خلف الشاشة، في انفصامٍ قيميٍّ يعكسُ أزمةً أخلاقيةً أعمقَ مما نتخيل؟!

     ما الذي يجعل موبقاتٍ عظيمة – مثل فُحش القول والقذف ورمي الأعراض والبهتان – تمرُّ بكل بساطة دون أن يعلو صوتٌ، أيُّ صوت، ويقول بكل وضوح: عيب .. وحرام؟!  ناهيك عن ازدواجية المعاير، حيث يتم تطويع مكارم الأخلاق حسب مزاج المتحدث وموقفه من الطرف الآخر، فإن كان على خلاف معه فلا بأس أن تُنحَر الشهامة وتُوأد مروءة الأخلاق وعفة اللسان، وكل ذلك بحجة النقاش والرد!

هنا يبرز السؤال:

     هل أخلاقنا حقيقية بالفعل؟ أم أنها مجرد ديكور زائف؟!

     إن القيم الأصيلة لا يفترض أن تكون مشروطة؛ فالالتزام الأخلاقي يظهر في كل الوقت مع كل الناس في كل المواقف، لأنه ببساطة نابعٌ من ذات المنبع الأصيل، أما تلك الازدواجية فهي في حقيقتها تواري أزمات داخلية واعتلالات نفسية تجد في الفضاء الرقمي بيئة خصبة للتنفيس عن توحّشها؛ فالشعور بانعدام القيمة والعجز في الحياة الواقعية يدفع المرء لتمثيل واقعٍ تعويضي مغاير في الفضاء الإلكتروني، بالإضافة إلى الاضطرابات الشخصية كالنرجسية والسادية التي تتلذذ بإيذاء الآخرين وتجد في الإساءة لهم متعة مجانية، ناهيك عن أن عدم التواصل البصري المباشر يوحي بأننا غير مرئيين، فإن تضافر هذا الإيحاء مع ضعف الوازع الأخلاقي برز هذا الانفلات الأخلاقي.

     والنتيجة: بدلًا من أن تكون هذه المنصات للتواصل الاجتماعي الفعّال والنافع، فقد أصبحت مواقع للتنافر والتطاحن!

وآخِر القول:

لا مبرر لسوء الأدب إلا سوء الأدب.