مازن العليوي
مازن العليوي
كاتب سوري في صحيفة الرؤية الإماراتية، ويعمل حاليا في مجال إعداد البرامج الحوارية الفضائية ، رئيس قسمي الثقافة والرأي في صحيفة "الوطن" السعودية اعتبارا من عام 2001 ولغاية 2010 ، عضو اتحاد الكتاب العرب (جمعية الشعر)، واتحاد الصحفيين العرب، بكالوريوس في الهندسة الكهربائية والإلكترونية، وبكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، لديه 3 مجموعات شعرية مطبوعة

“الجورنيكا”.. وحلم الديمقراطية

آراء

قليلة هي اللوحات الفنية التي دخلت التاريخ، ولعل في مقدمتها لوحة “الجورنيكا” لبيكاسو. وهناك الكثير من الأمور التي يمكن الحديث عنها في “الجورنيكا”، فهي اقترنت باسم بيكاسو كواحدة من أشهر أعماله التكعيبية، كما أنها تبقى شاهدا على جرائم النازية بتصوير المجزرة التي نتجت عن قصف الطائرات الألمانية لقرية “جورنيكا” الإسبانية بأطنان القنابل، فقتل عدد كبير من أبنائها قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بسنتين. وللوحة ارتباط بالدكتاتور الإسباني فرانشيسكو فرانكو وهو من زعماء الحرب الأهلية الإسبانية وقيل إن له ارتباطا بالمجزرة.

في “الجورنيكا” اقتحم بيكاسو السياسة التي كان ينأى بنفسه عنها.. حين حرّك الموقف المأساوي أعماقه، فلجأ إلى ريشته ليفضح بها الطغاة والدمويين الذين يسعون للحكم على حساب دماء الأبرياء. رسمها بالأسود والأبيض وقليل من التكوينات الرمادية، وربما يشير في ذلك إلى المواقف السياسية التي تغيب عنها الألوان.

في الزاوية العليا اليمنى من “الجورنيكا” تظهر صورة المستغيث، مثل من نراهم كل يوم على الشاشات يستغيثون في سورية. وفي الزاوية السفلى اليسرى يلوح شبح الموت مخيما على اللوحة مثل بقايا المدن السورية التي دمرتها الآليات والأسلحة الحربية الثقيلة.. ويرمز الثور في الزاوية العليا اليسرى للوحشية، فيما يمثل الحصان وسط اللوحة الوطن المتألم.
“الجورنيكا” التي دارت عددا من دول العالم، ووصلت في محطتها قبل الأخيرة إلى متحف الفن الحديث في نيويورك، عادت في محطتها الأخيرة إلى إسبانيا ضمن احتفالية كبيرة عام 1981، تلبية لوصية بيكاسو بأن تستقر لوحته في بلاده إذا عادت الديمقراطية إليها. لتصبح اللوحة بذلك رمزا لاستقرار الديمقراطية في إسبانيا، فكم تحتاج سورية من “جورنيكات” لتصبح دولة ديمقراطية، وكم سوف تتعرض مدنها وقراها لمجازر حتى ترتسم فيها الحرية التي يحلم بها شعبها.

على مساحة بارتفاع 349 سم وعرض 776 سم تمتد “الجورنيكا” لتختصر آلام وطن عانى ويلات الحرب الأهلية في صورة تسبب بها طاغية، وعلى مساحة تمتد بقدر وطن اسمه سورية تمتد آلاف المشاهد الحية الملأى بالدم معبرة بشكل يفوق آلاف اللوحات عن صورة حقيقية لأفعال الطغاة.

يروى أن ضابطا نازيا زار مرسم بيكاسو في باريس أثناء الحرب العالمية الثانية، ولدى رؤيته لصورة لـ”الجورنيكا” في المرسم وكانت قد نالت شهرتها حينها، سأله بطريقة اتهامية: إذاً، أنت من صنع هذه اللوحة. وأبت سرعة بديهة “بيكاسو” أن تغادره وقتها فأجاب: بل أنتم الذين صنعتموها. وهذه الحكاية موجهة إلى من يصنعون “جورنيكا” جديدة في سورية، حيث يحمل كل شاهد عيان فيها ريشة بيكاسو.

المصدر: الوطن أون لاين