ناصر الظاهري
ناصر الظاهري
كاتب إماراتي

كان 77

الثلاثاء ٢٨ مايو ٢٠٢٤

- يحمل الكثير من الناس ذكريات جميلة وممتعة عن كان المدينة، وكان المهرجان السينمائي، وكان الاحتفائية السنوية الفنية حيث تختلط الأزياء بالأفلام بالباحثين عن الشهرة بفنون المكياج والمجوهرات وصائدي اللقطات الفوتوغرافية، تلك الاحتفالية التي تمتد لأسبوعين حين تتقاطر على هذه المدينة، التي تنفجر أسعارها، نجوم العالم من مشاهير الفن السابع من الجهات الأربع. - هناك الكثير مما يقال عن مهرجان كان السينمائي الذي يخلق جدلاً كل عام، ويطرح فكراً إنسانياً عميقاً في هذا التجمع السينمائي الفني والفكري الإبداعي، ويخلق حالة مستنيرة لكل المشاركين والحضور وجمهوره المتابع البعيد، مهرجان كان السينمائي بلغ هذا العام من عمره 77 سنة، وما زال شاباً متجدداً، ويقرأ المستقبل للإنسان، ويوثق حضارته. - احتفاء بالمخرج المتجدد «فرانسيس فورد كابولا» الفائز مرتين بجائزة السعفة الذهبية، وخمس مرات بجائزة الأوسكار، صانع ملحمة «العراب» الثلاثية، وهو في منتصف الثمانين من عمره، بعرضه لفيلمه الجديد التجريبي «ميغا لو بوليس Megalopolis» الذي بلغت تكلفة إنتاجه قرابة 120 مليون دولار، ومدته ساعتان و18 دقيقة، واستغرق إنتاجه 40 عاماً، توقف مع أحداث سبتمبر الشهيرة، ويتحدث الفيلم بطريقة فانتازية عن تدمير مدينة ترمز لنيويورك، ليقوم بإعادة إعمارها بطريقة أخرى مثالية وفاضلة، مهندس معماري يجسد دوره الممثل «آدم درايفر»، عُدّ هذا الفيلم أفقاً آخر جديداً في عالم سينما الغد. - الممثل والمنتج والمخرج «كيفن كوستنر»…

«العين» كحلها الأسود والإثمد وصباحها بنفسجي

الأحد ٢٦ مايو ٢٠٢٤

- لم يكن بالأمس الفرح بنفسجياً، كان مزهواً بلون علم الإمارات، كان نشيداً جميلاً بمثابة فرح عارم للجميع، أبْرد القلوب، وأسعد النفوس، وجعل الدموع تترقرق في المآقي والعيون، جاء فرح الأمس تتويجاً لانتصارات سابقة وأعمال زاهرة متواصلة، كان فرح الأمس شأن النجاحات الأخرى التي يفرحنا ظهورها وتألقها في سماء بلادي. - بالأمس كان للجميع حق الفرح، هذا الفرح الذي يمكن أن يصنعه فرد أو يمنحه فريق أو تحظى بشرفه مدينة جميلة مثل العين، هو فرح من تلك الأفراح الجماعية التي تسمح الأيام بها، وتعطينا طعمها سكراً في الفم، فرح الأمس كان بطعم قهوتنا المعمولة للتو، بطعم هيلها وزعفرانها، بطعم حديث مَنْ زلتها وصبّتها، أخت الرجال، هو فرح من هذه الأفراح التي تشبه الغيمة المظللة، المحملة، الشرود بأغانينا وآمالنا وأحلامنا المؤجلة، ومسحة لحزن طاف علينا شهراً بطوله. - هو فرح يشبه رائحة أول تباشير النخل في مساء ممطر، معطّر، يشبه ضحكة القلب التي تأتي هكذا عفوية وبسيطة على وجه رجل نحبه، ونعضّده، وجهه وجه الخير، ومقدمه السماحة والبشارة، نتوج بفعله وأفعاله عمائم رؤوسنا.. خمسة لعيون «أبو خالد» الغالي. - فرحنا بالأمس.. يشبه امرأة نعشقها حدّ الوله، تحتل القلب، وتسكن الرأس، وحدها التي يمكن أن نناديها بـالغالية أو ماء العين والنظر. - هذا الفرح الذي كان بالأمس يشبه لهفة العائدين المسافرين أشهراً…

متفرقات

الثلاثاء ٢١ مايو ٢٠٢٤

- ليس أشد من الحزن الجماعي حين يصيب بلداً أو يلقي بثقله على مكان وأناس، جالباً الحزن الجماعي، قد يكون هذا الحزن الجماعي نتيجة عارض أو كارثة أو مما تسببه الطبيعة في تقلباتها، وساعات غضبها كما يفسره الناس، فيعم الحزن الأرجاء، مثل ثقل سحابة سوداء تحجب زرقة السماء، هكذا عشنا تفاصيل سقوط مروحية الرئيس الإيراني ومرافقيه من وزراء وعسكريين ومسؤولين طوال يومين، وكان العالم يتابع آخر مستجدات الأخبار من إيران، ليستوعب ما حدث، وكيف حدث.. كل العزاء والمواساة للشعب الإيراني في مصابهم الجلل، وحزنهم الجماعي. - كل الشكر والتقدير وجميل العرفان لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم الشارقة، على تبني فكرة إنشاء قاعة تخص الثقافة العربية في واحدة من أعرق جامعات العالم، جامعة الفارابي في «المآتا» العاصمة القديمة والتاريخية لكازاخستان، هذه الجامعة التي عمرها نحو الثمانين عاماً، وتحمل اسم واحد من علماء المسلمين الذي خلدته الحضارة الإنسانية، في هذه الجامعة العريقة، هناك قاعات كبرى للدارسين والباحثين والطلبة تخدم ثقافات عديدة في العالم مثل قاعة غاندي للثقافة الهندية، والقاعة الكورية والقاعة الفارسية والقاعة التركية، وكان ما ينقصها قاعة تخدم الثقافة العربية التي يحبونها ولهم صلات عميقة معها، فقام سموه كعاداته الجميلة ومبادراته الكثيرة، والتي تفرح النفس، وتعطيك طاقة إيجابية لسنوات للأمام، بتجهيزها وإعدادها لاستقبال…

ربَيّع بن ياقوت

الأحد ١٩ مايو ٢٠٢٤

لعله آخر الشعراء الفكاهيين الذين يضحكونك بكلامهم الجميل، ويجعلونك تبتسم في وجه أشعارهم، بعد ما سبقه قبل سنوات رحيل صديقه الشاعر «راشد بن طناف»، وغاب العرّاب بعده «حمد خليفة بوشهاب»، وبالأمس غادرنا شاعر محبوب، ظريف، وبسمة على القلب، ودمه أخف من ماء الورد «ربَيّع بن ياقوت بن جوهر النعيمي» مودعاً مدينته، وإماراته، ومحبيه الكثر من أجيال مختلفة، نساء ورجال وصغار، لأنه كان يجمع الكثير على قصيدته الساخرة الماكرة الضاحكة، والتي تبرّد الجوف وتحيي الفؤاد، لذا ذاع اسمه على كل لسان في الوطن وخارجه، ولد في عجمان عام 1928م، وتوفي عن عمر يناهز 96 عاماً، اشتهر بلقب «فاكهة الشعر الشعر الشعبي»، عاش قرابة الثلاثين عاماً من فترات شبابه المبكر في الكويت متنقلاً بين مهن شاقة، ولا تنتمي للشعر، بعدها عاد إلى الإمارات قبيل قيام الاتحاد، وعمل في المسرح مع صديقه الشاعر والممثل «سلطان بن حمد الشامسي» والذي عرف لاحقاً بـ «سلطان الشاعر»، لقد قدمت مدرسة عجمان الشعرية، والتي تعد ظاهرة في الحراك الثقافي في الإمارات الكثير من شعراء النبط المميزين على طوال القرن الماضي، وهم كثر، ومميزون في الإنتاج والإبداع والتنوع الثقافي. ولعل برنامج مجلس الشعراء الذي كان يبثه تلفزيون دبي أيام الأبيض والأسود في أواخر الستينيات، أكسب الإمارات شعراء كباراً، فقامت بينهم المرادات والمساجلات، وأغنى الساحة الشعرية، ولاحقاً في تلفزيون…

استئجار «الشو»!

الثلاثاء ١٤ مايو ٢٠٢٤

أصبحت لدينا تجارة رابحة، وموضة رائجة، تلك التي تختص بصناعة «الشو» أو البهرجة الإعلامية أو فن الفُرجة أو تسويق توافه الأشياء وروادها، في الزمان السابق كانت موجودة على نطاق ضيق، وبأجر رخيص، والاعتماد على «الكومبارس» وهم ممثلون بالفطرة، لا حظ لهم، لكنهم يتقنون أدوارهم كأحسن ما يكون الإتقان في صناعة فن «الشو»، وتمجيد النجم، وإبراز أهميته في عيون البسطاء، وكان من يطلب ذلك العمل الإعلامي المبهرج في الأساس الفنانون والفنانات، خاصة النجوم، ورجال السياسة، وخاصة المترشحون لانتخابات الوجاهة، فتجد النجم والفنانة والسياسي الطامح إذا ما حضر أحدهم مناسبة استأجر فرقة تعمل له اللازم من متطلبات «الشو»؛ سيارة فاخرة سوداء مظلمة، وأربعة أشخاص يفتحون بابها، ويظلون مثل جوقة حرس الاستقبال حتى يترجل النجم أو الفنانة أو السياسي الصغير منها، بتقديم الرجل التي ترتدي حذاء لامعاً مع بنطال مكوي بعناية فائقة أو كعب مذهل بفستان مشقوق يظهر جزءاً من تلك الساق الأنثوية التي «تَلِقّ»، ثم يعتدل ويزرر معقمة الجاكيت أو تضع الشال على كتفيها باعتدال أو يرفع السياسي، الذي لم يبلغ الحلم بعد، بتشابك يديه دليل القوة والاتحاد واللُحمة الوطنية، لينتشر «كومبارس الشو» من الأمام والخلف والجانبين، واثنان يفرشان الطريق، واثنان يمنعان الاقتراب، وثلاثة من المندسين في صفوف الجماهير المحتشدة يصيحون باسمه أو بلقبها الذي عرفت به فنياً، أو بشعاره السياسي المنفوخ،…

عجائزي الطيبات مثل وردة -2

الأحد ١٢ مايو ٢٠٢٤

متعة السفر مع العجائز تكتشفها بعد انقضاء السفر وتوديعهن، عبر حديثهن المتكرر عنه كلما التقيت بهن أو بإحداهن، أول هذه السفرات كانت قبل قرابة الأربعين عاماً، حينما حجّجت عجائزي مرتين، أيامها كان الحج مختلفاً، والمشقة أكبر، والمجاهدة أعظم، والاهتمام الصحي، والظروف المعيشية أقل، لا فنادق فاخرة، ولا رحلات منتظمة، ولا مطارات بهذا الاتساع والخدمات مثل اليوم، انضممت أنا وعجائزي الست، الوالدة والخالة والجارة، وتلك الأم البديلة التي أرضعتك وأشبعتك، وعجوز تقرب للأب، وأوصاك بها خيراً، وعجوز حلفت أنها ألقمتني من صدرها حينما كنت أزغّ؛ لأن أمي ذهبت للنخل، واستبطأتها، غير أن أمي لا تذكر هذه القصة بالذات، المهم سجلنا في إحدى حملات الحج برفقة كبيرة من الأهل والأصدقاء والمعارف، هذه الرفقة من الشواب والعجائز تجد فيها الفَرِح والمتجهم، الكريم والبخيل، السمحة والحنّانة، العفوية والمنّانة، وكعادة جماعتنا في حجهم أو تمتعهم، في جدهم أو هزلهم، يصبغون الأشياء بصبغتهم وطابعهم، ولا تخلو من بسمة وضحكة آخر الليل، فهم يتنازعون على أقل القليل، ويحلفون بالطلاق في الحج، و«يرفجون» بحياة الغالين في صحن المسجد النبوي، لا تمضي الأمور دون تعليق مضحك منهم، فالرز الذي يقدمه مقاول الحج، حلف واحد منهم أنه مثل «عيش الأمير» في الخمسينيات، أما النساء فيصفنه بأنه عيش «كرّدَه»، وأنه مثل «نفيعة البقر»، ومرة أراد مقاول الحج المسكين أن يحسن اليهم،…

عجائزي الطيبات مثل وردة -1

السبت ١١ مايو ٢٠٢٤

السفر مع العجائز متعب في بدايته، ممتع في نهايته، خاصة وأن العجائز لا يثقن بأحد، فكيف إذا كان غريباً لا قريباً، وقد جربته مرات عديدة في أميركا وفي الحج وفي رحلات بحرية، ورحلات جماعية في أوروبا وفي بلدان آسيا، منها تلك الرحلة التي كانت في منتصف الثمانينيات، يومها كنت طالباً جامعياً متحمساً للمغامرة وشغوفاً بالمعرفة وملتزماً بأخلاقيات مثالية لم أستطع التخلص منها إلى يومكم، المهم أني في تلك الرحلة كنت راغباً في زيارة الريف الماليزي والقرى، واعداً نفسي برؤية تلك المناطق البريئة والأولية في كل شيء، فنظمونا كفريق صغير تستوعبنا سيارة ذات دفع رباعي، وشملت الرحلة غداء منزلياً نشاهد فيه الريفيات وهن يطبخن في قدور مركبة على الحطب، وربما تقوم الواحدة وهي تطبخ بإرضاع ابنها الصغير، وتتشاجر مع جارتها، ورغم بدء التنغيص من أولها حيث علمت أن الرحلة ستبدأ في تمام الساعة السادسة صباحاً، وأنا ساعتي تتوقف بعد الفجر، فبداية الصباح له عشق آخر، ومتعة أخرى، وأظن أن أجملها دفء الفراش ومتعة الرقاد من دون تقلب ولا أحلام، لكن لا بأس في كسر إيقاع اليوم لمرة قد لا تتكرر، ولمكان استثنائي مثل براءة البراري الأولى للإنسان! كنت أول الواصلين، لأنني أحب دوماً أن أصل في الوقت المحدد، لا قبل، ولا بعد، لأن قبله يوجع المعدة، وبعده يؤنّب الضمير، والأمر الآخر…

في يوم توحيدها.. وعيدنا

الإثنين ٠٦ مايو ٢٠٢٤

للوطن حراسه، دروعه وتروسه، وللوطن سياجه وحجابه، وللوطن رجال لا يقولون بقدر ما يفعلون، وللوطن عيون شاخصة بالنهار، ساهرة بالليل، تتساوى عندهم الأشياء غير الوطن، ويتعالون على الأمور غير ما يخص الوطن، هم رمز الوطن ومصدر فخره وعزه، تضيع الأوطان حين يغيب بواسل الجنود، الحرّاس والدروع والتروس والسياج والحجاب، وتدخل الدول في فوضى الأشياء، وتستباح الحقوق، وتنتزع المُلكيات، وتغيب الكبرياء حين تغيب الهيبة، ويغيب الجيش، الأوطان مرتهنة بالعز، والعز لا تحميه إلا القوات والجيوش من أبناء الوطن. لقواتنا المسلحة في يوم توحيدها تحية وذكرى مناسبة غالية على الجميع، تحية للرجال البواسل الذين خاضوا التجربة والتأسيس وساهموا بالعمل حين كانت الأمور مثل ثقل الصخر، وقساوة أرض الملح، ثم تقاعدوا، تحية للأجيال الجديدة التي تواصل المسيرة، وتخطط بفكر جديد، سنوات طويلة هي تاريخ جميل ومعطر بخدمات جليلة، وإنسانية في المحيط المحلي والعربي والدولي، ونياشين من تعب وعرق وعمل الخير، والمحافظة على استتباب السلام في ربوع من مدن العالم المختلفة والمتوترة، وأوسمة من شرف لرد الجميل لهذا الوطن وأهله، ولكافّة منتسبي قواتنا المسلحة ورجالاتها الذين يسعون قُدماً، يحملون أملاً، ويحققون حلماً أن يكبروا بالوطن وللوطن. يوم توحيد القوات المسلحة.. عيد للوطن، به يشرق صباحه، ويتزين يومه، ويزيد بهاؤه وضياؤه، يوم توحيد القوات المسلحة هو عيد للجيل السابق من المحاربين الأولين، ورفاق السلاح القدامى،…

عشاق فلسفة الكسل – 2

الثلاثاء ٣٠ أبريل ٢٠٢٤

في حديثنا عن فلسفة الكسل، إنما نتحدث عن الكسل المنتج، والممتع، ولا نمجد العطالة والبطالة، ولا نرفع من مرتبة «تنابلة السلطان»، ولا الإنسان الخامل الهامل، ونعرف الأحاديث التي تنهى عن الكسل، والسور التي تقرأ على المبتلين به، لكنه كسل الحديث الفلسفي المحمود الذي يختص بأصحاب المشاريع الإبداعية الذين يحبون أن يوجهوا طاقاتهم في أعمال ابتكارية، لا أعمال كدّية جسدية، هو الكسل اللذيذ، وليس المضجر، كسل تحدث عنه الفيلسوف الألماني «نيتشه» والكسل الجذاب، وبعض فلاسفة اليونان مثل «دايوجينيز» الذي كان يدعو إلى التخلص من الأشياء المثالية والقيم، ولعودة الإنسان إلى حالته الغابية. «كارل ماركس» الذي مجد العمال، وحركتهم، زوّج ابنته «لاورا» للمفكر الفرنسي «بول لا فارغ» الذي كتب كتاب «الحق في الكسل» مؤكداً على حقيقة الفرق بين الكسل الذي يعيشه الإنسان كحالة أجبرته عليها الحياة، وظروفها المتشابكة، وبين الكسل الذي يختاره كمنهج فلسفي في الحياة ينتج من خلاله، ولا يغدو عاطلاً، إنه نوع آخر من تفسير الكسل بين مفهومي الراحة ترفاً، ومفهوم القناعة بالراحة الإنتاجية. أما الكاتب الإنجليزي «جيروم كلابكا جيروم» فقد ألف كتاب «أفكار تافهة لرجل كسول» وقدم من خلاله مفهومه الخاص للكسل اللذيد، والمقتنص من بين الأشياء في الحياة، من رتابة العمل، ومن ساعات الأيام، يقول: «إنني أعشق الكسل بلذة ممتعة، عندما لا يصح أن أكون كسولاً، لا عندما…

الإنسان.. سؤال الجسد.. جواب الروح

الأحد ٢٨ أبريل ٢٠٢٤

نولد باكين محاطين بالدهشة، وفضول المعرفة، وذاك النور الذي يغشانا، فلا نبصر إلا حينما نعرف البصيرة، وتكوين الأسئلة، نشيب غارقين في تفكيك ظواهر الحياة، وسر الوجود، تكبر أسئلتنا، ونخاف من زرقة الضوء الذي أتينا منه، وعجز ما نحمل من أسئلة أنهكت الجسد والروح، ورافقت خطواتنا الأخيرة. الإنسان بين حمل الأمانة وحرية الاختيار أوجد لنفسه مكانة عالية في هذا الوجود، وموقعاً رفيعاً بين الموجودات، أهلته ليكون الخليفة في الأرض، لكن هذه المهمة الشاقة أوجبت عليه اشتراطات وتحديات جعلت من جسده ينوء من أثقالها، وروحه تتعب من التحليق خلف نشدان المعرفة، وهو أمر طالما أقلق الفلاسفة والحكماء والأدباء منذ الأزل، في فهم تلك العلاقة التي بين الروح وبين الجسد، ولأي مدى يمكن للجسد أن يحمل الروح، ويتحملها بثقلها ذي الأسرار المعرفية، وأفراحها الكبيرة والصغيرة، وعذاباتها المؤقتة والسرمدية؟ إلى أي حد يمكن للجسد أن ينوء بمعرفة أسئلتها الوجودية الكامنة فيها؟ لعل ثمة علاقة، ورابط بين العقل والروح، فكلما كان العقل محاطاً بالمعرفة والنور، ارتقت الروح، ونشدت السمو الذي لا يأتي إلا مع الخلاص النهائي، حيث السكينة والطمأنينة والسبات الأبدي، تلك هي علاقة الروح والجسد.. وجدلية الفناء، فمن يا ترى حمل الأمانة، وقبل بالاختيار، الروح أم الجسد؟ النساك والزهاد والعباد، وهي صفات لأفعال ولأشخاص مرتبطة بالتطهر من رجس الجسد، يجاهدون لكي يسلموا الروح في…

تقتلنا قوافينا الشعرية

الأحد ٢١ أبريل ٢٠٢٤

ليس هناك مثل القافية الشعرية، أتعبت العرب، وجعلتهم يدفعون ثمن مواقفهم منها، وقد أضنتهم طوال تاريخهم الطارف والتليد، تلك القافية القاتلة التي يفرحون بها حين تقال، لكنها ورطت بعضهم في معارك صغيرة، ونزاعات، وغارات، وحروب طويلة، فحرب داحس والغبراء، لا بد لها من قافية تسير معها، وليس أقلها من أنها حرب شعواء، قامت بإشعال فتيلها عجوز درداء، وأبو القوافي «المتنبي»، كان مقتله واحدة من تلك القوافي المتعبة، رغم أن بحرها من السهل الرجز، حين تعرض لشخص يدعى «ضبّة»، فَجَرّته قافية الاسم نحو حتفه، حين قال، واختار كلمة معيبة، فقط لأنها تتبع القافية، رغم أن دونها عند العرب الدم: ما أنصف القوم ضبّة.. وأمّه الـدردحــــبّــة وما يشق على الكلـــــب .. أن يكون ابن كلبه وقيل «الطرطبة»، وكلاهما مثل شهاب الدين وأخيه، فترصد له «فاتك بن أبي جهل الأسدي»، وهو خال ضبّة، وهذا من اسمه المركب يفترض بالمتنبي ألا يقرب صوبه، ولا صوب أهله، لأنه فاتك بن أبي جهل وأسدي، فما كان منه إلا أن أخرس كل قوافي المتنبي، فخسرته العربية بموته المجاني والعبثي اللغوي، وكم شاعر عندنا من أرباب الشعر النبطي، تجده يلبس حبيبته ثوباً أحمر في عز القائلة، لأن القافية تطلبت ذاك السجع المقيت، وبعضهم يداخل بين الفصول، وينزل المطر في الصيف، لأن صاحبته ذات خد رهيف، والبعض الآخر يدنّ…

لكل مقام مقال ولكل زمان رجال

الثلاثاء ١٦ أبريل ٢٠٢٤

لم تقل العرب ذاك القول اعتباطاً، فكثير من الحلول عندهم قد لا يكون آخرها الكي، وإنما القطع والبتر أو استباق الحالات مثل قولهم: «أوسمها قبل لا تضلع»، لا أدري من هو القائل، لأن المقولة طغت على القائل، رغم أنه نُسب مرة للشاعر العباسي «بشار بن بُرد»، لكنه منسوب لمن قبله أيضاً، وهو «أبو الدرداء الأنصاري»، والبعض يردها إلى «أبي الطفيل عامر بن وائلة»، وزاد عليها «ابن عدي» قوله: «لكل مقام مقال، ولكل زمان رجال»، و«المتنبي» فصّلها وشرحها متناً وهامشاً بقوله: ووَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى. مرد الحديث أن بعض المذيعين التقليديين وكل المذيعين الرقميين، لا يعرفون التحكم في إيقاع أصواتهم، ولا يعرفون أين موضعهم من الإعراب، ولا معرفة المقام، وفن المقال، فلا يمكن أن نستمع لمذيع في برنامج صباحي وجماهيري، وهو هدّاد، وصوته عال، ومتوتر على أصغر القضايا، وكأنه أتى من منزله وهو يغلي مما حدث معه ومع الزوج المصون! مثلما لا نقبل آخر يتحدث في برنامج الصباح وهو متكاسل متثاقل، يتثاءب تخمة وعجزاً، وكأنه آت من وراء خاطره أو كأن المحطة تقبّضه بـ «التومان الإيراني!». كذلك بعض المذيعين لا يفرقون بين برنامج اقتصادي يعتمد على أرقام وأحكام ورسوم بيانية، فيظهر على الناس، وكأنه خطيب الجمعة، موعظة وعبرة وإسهاباً لغوياً، وذكر مترادفات لكلمات…