من منّا لم يلتقِ أشخاصاً يعكفون، طول الوقت، على التفاخر بإنجازاتهم وإبراز نجاحاتهم، ولا يتوانون عن الإعلان عن تفوقهم في عبارات مثل: «كنت أول من وصل إلى القمة في مجالي»، «لا يوجد من يستطيع أن ينافسني في هذا التخصص»، «لقد تخرجت في أرقى الجامعات، وعملت في أفضل الشركات»، إلخ؟
وفي الأدب، نجد في السونيتة 18 لشكسبير كيف أن جمال المحبوبة سيظل حديث البشرية عبر العصور، لأنه محفوظ في قصيدته التي يفخر بأنها ستعيش إلى الأبد. وفي هذه الأبيات الشهيرة، يتفاخر المتنبي ببلاغته وأدبه:
أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمَى إلى أَدَبي
وأَسمَعَتْ كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ
الخَيْلُ واللّيلُ والبَيداءُ تَعرِفُني
والسَيفُ والرُمْحُ والقِرطاسُ والقَلَمُ
أما ابن سينا، فقد كان يفتخر بمعرفته الواسعة في الطب والفلسفة في سن مبكرة، إذ اعتقد أنه عرف كل شيء في سن الـ16.
لكن في المقابل، نجد في المجتمعات الإسكندنافية تقليداً مختلفاً، وهو «قانون جانتي» (Janteloven) يدعو إلى التواضع والاعتدال. في هذا القانون، يُنظر إلى التفوق الفردي والتفاخر على أنهما مخالفة معيبة للروح الجماعية التي تميز تلك البلدان. وظهر هذا التقليد في رواية «عابر سبيل يقفو أثر أقدامه» للكاتب أكسيل سنديموس، حيث تصور بلدة «جانتي» الخيالية التي تفرض على أفرادها عدم التفاخر أو التفوق على الآخرين.
وقد ارتبط هذا الفكر التاريخي بتقاليد اجتماعية تقوم على المساواة والرفاهية، مثلما هي الحال في السويد والنرويج، حيث أسهمت الرعاية الصحية والتعليم المجاني في تعزيز قيم التعاون والابتعاد عن التفوق الفردي. ووُضع قانون جانتي كحاجز اجتماعي يحمي المجتمعات من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية.
ومع تقدم العولمة وظهور وسائل الإعلام الحديثة، بدأ التفاخر والانفراد بالتفوق الشخصي يشق طريقه، ما فتح الباب لظهور صراع بين القيم الفردية المروجة للنجاح الشخصي، والقيم الجماعية التي يُمثلها «قانون جانتي». ويوضح كارل ميدندورب في كتابه «جانتي لوف: نقد ثقافي» كيف يوازن قانون جانتي بين التضامن الاجتماعي والنجاح الفردي. ورغم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز ثقافة التفاخر، إلا أن الثقافة الإسكندنافية لاتزال تحتفظ بتقدير عميق للتواضع.
في النهاية، يظهر قانون جانتي ليس كقيد، بل كحارس اجتماعي على هوية ثقافية تدعو إلى التواضع والاحترام المتبادل، وتطمح إلى خلق مجتمع يتناغم فيه الفرد والجماعة في مسعى مشترك نحو الخير العام.
المصدر: الإمارات اليوم