خاص لـ هات بوست:
رمضان مبارك.. يشكل هذا الشهر لشعوب المنطقة موسماً مميزاً، على كافة الأصعدة الدينية والاجتماعية والاقتصادية، ورغم اختلاف التقاليد بين بلد عربي وآخر إلا أنها تلتقي على أن لرمضان رونق خاص به.
لا نخرج نحن السوريين عن ذلك، فلرمضاننا سماته، تزيد فيه الصدقات، ويجتمع الناس على موائد الإفطار، أقارب وأصدقاء، من كل الطوائف والملل، يتشارك الجميع مواعيد الطعام، سواء كانوا صائمين أم لا. ودرج الناس على الامتناع عن الإفطار العلني أثناء نهار رمضان، رغم وجود أماكن الطعام المتاحة، وإن حصل وارتادها أحدهم فلا يعيره الآخرون اهتماماً.
واليوم تنتشر التكهنات حول مدى تطبيق قانون يمنع الإفطار العلني، أو مدى تفعيل قانون موجود بهذا الشأن، لكن معلوماتي المتواضعة تفيد أنه لا يوجد قانون كهذا، وإن حصل وعوقب أحد فتحت بنود تتعلق بالإخلال بالآداب العامة، أو ما إذا كان إفطاره العلني مصحوباً بما يوحي بازدراء الأديان.
وباعتبار أننا نحن السوريين كنا مكمومي الأفواه، فما إن رفعت الكمامات حتى انطلقنا لندلي بدلائنا في كل شاردة وواردة، راجين الله أن تدوم مساحة الحرية هذه.
ومن هذا المنطلق، سأدلي أيضاً بدلوي حول الموضوع، ربما مستبقة لقرارات قد لا تصدر.
• بداية نحن كشعب سوري فيه المسلمون أقرب للتدين، ولسنا طارئين على الإسلام.
• نحن كمسلمين نعلم أن الإسلام هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت 33).
• نحن كمسلمين نؤمن بما جاء في التنزيل الحكيم نعلم أن الدين يؤتى طواعية، لا سلطة فيه سوى للضمير، والإيمان علاقة خاصة بين الإنسان والله عز وجل، لا إكراه فيها {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256)، حيث الإيمان بالله يوافقه الكفر بكل أنواع الطغيان، حتى الديني.
• نحن كمؤمنين برسالة محمد (ص) نعلم أن الله كتب علينا الصيام في رمضان، لعلنا نزداد تقىً، وفضل لنا اختيار الصيام عن الفدية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة 183 – 184) فالذين “يطيقونه” أي لديهم الطاقة على احتماله، يمكنهم الفداء بإطعام مسكين أو أكثر، ففي زيادة الخير خير، علماً أن الفدية هي استبدال، بينما “الكفارة” هي تكفير عن ذنب، وهنا لم يذكر الله عز وجل الكفارة، بمعنى لا وجود لذنب بعدم الصيام، إنما في الصيام زيادة في التقرب إلى الله، وما سيتبع ذلك من جزاء في الآخرة.
• نحن نصوم إيماناً واحتساباً، يفترض ألا نحتاج لمن يراعي شعورنا، بل على العكس فنحن سنزهد بمتاع الدنيا، لا يضيرنا أن نرى الطعام والشراب ولا من يأكل ويشرب، فالهدف هو ترويض الأنفس على الصبر والتحمل، ناهيك عن الخجل من كل هؤلاء الفقراء من حولنا، الذين لا يجدون ما يقتاتون عليه لا عند غروب الشمس ولا شروقها.
• يفترض أيضاً أن يتحلى الصائم بالأخلاق الحسنة، وعلى رأسها التسامح مع الناس، لاسيما من يخالفك المعتقد، حتى لو كنت تعتبرهم “جهلة” {وعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان 63)، فإن كنت قد اخترت التقرب إلى الله فهنيئاً لك، يمكنك في قرارة نفسك أن تتمنى للآخر الهداية، لا أكثر من ذلك، إنما كل إنسان مسؤول عن نفسه {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر 38) و {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} (الأنعام 164)، وبالتالي لا شأن لك بمن صام ومن لم يصم، وإلا سنعزز النفاق في المجتمع، فيدعي الناس الصيام خوفاً من بعضهم البعض.
• نحن السوريين بعد عقود من الظلم، ننشد اليوم دولة المواطنة، حيث الناس جميعهم متساوون، فإن كنا سنلتزم بمنع الطعام أثناء نهار رمضان، فعلينا الامتناع عن أكل ما هو من مصدر حيواني علنياً أثناء صيام إخوتنا المسيحيين، فهل سنفعل؟
• إذا كنا نريد احترام شهر رمضان فعلاً، الأولى بنا التزام أخلاق الإسلام، خلاله على الأقل، فلا نكذب ولا نشهد زوراً، ولا نعتدي على الناس، ولا نغش، ولا نرمي الناس بالتهم شرقاً وغرباً، ولا نرتكب المعاصي، لعل أخلاقنا تمثل أفضل طريق للدعوة إلى الإسلام الحقيقي.
• ربما أفضل ما نتحلى به خلال رمضان هو كظم الغيظ والعفو عن الناس {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران 134)، ناهيك عن فضل الإنفاق بكل أشكاله، كل وفق سعته، فالمحتاجون كثر، سواء لمال أو طعام أو علم أو مساعدة.
• بالكلام عن كظم الغيظ، من باب أولى ألا نثور ونغضب لأننا صائمون، أو أن نقصر في أداء مهماتنا لأننا متعبون، فشهر الخير يجب أن يترافق بخير أعمالنا في جميع الاتجاهات.
• لنتذكر أن نطعم المساكين من أوسط ما نأكل، وبدل أن نسرف في تجهيز الموائد الفاخرة، ربما من الأفضل لو نتقاسمها مع المحتاجين، وإلا فقد الصيام معناه تماماً.
أعتذر من القارىء الكريم لأن الدلو كبير، إنما أرجو من الله أن يعنّا على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان، ويبارك لنا في رزقنا ورمضاننا.