صورةٌ جميلةٌ أم جوهرٌ متماسك؟!

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     الزواج حلال، والطلاق حلال.

مفهومان بسيطان في أصلهما لا يحتاجان كثيرَ شرحٍ أو تأويل، وقد نظمهما القرآن الكريم بنسقٍ إنساني واقعي ورصين، لا يبخس طرفًا حقه، ولم يجعل من أحدهما ميزةً تعلي شأن صاحبها، ولا الآخر منقصةً تَصِم من وجد فيه حلًّا أو ملاذًا، بل كلاهما وضعان اجتماعيان طبيعيان.

عندما تدخلت الأعراف المجتمعية بأحكامها أصبح الزواج مرغوبًا في العرف العام باعتباره هو الحلال، وأصبح الطلاق/الخلع هو المُبغَض، استنادًا إلى رواية ضعيفة، حتى اقترب في ذهن البعض من حافة الحرام، وللأسف لم تكن هذه الثنائية بعيدة عن ثنائية (الرجل والمرأة)؛ فأصبح زواج الرجل حلالًا مهما تزوج أو عدّد، وطلب الزوجة الطلاق/الخلع مذمومًا، حتى يكاد يكون محرَّمًا لدى البعض، مهما كانت وجاهة مبرراتها، والعكس إن انقلبت الأدوار؛ فلا أحد عادةً يحاكم الرجل المطلِّق، لكنهم ينظرون – غالبًا – للمرأة الراغبة في الزواج نظرةً خالية من الأريحية تصل أحيانًا للمحاكمة!

‏        على مدى فترةٍ زمنيةٍ طويلة، جرى الاستخفاف الشديد بدوافع المرأة للطلاق، استخفافٌ مجتمعي وجد في الفكر الفقهي القديم ما يتكئ عليه؛ عندما أعلى من شأن الروايات التي تنتقص من عقل المرأة، وتذم طالبة الطلاق أو الخلع، فاتهمتها بالنفاق وحرمتها الجنة! كان هذا – في رأيي – حجر الأساس في تشكيل هذه النظرة للمرأة عمومًا، ولمن تطلب الطلاق خصوصًا! فكان الاستخفاف بأي سببٍ تطرحه، وكأنها متهمة يجب أن تنفي عن نفسها تهمة خراب البيت الزوجي، مقابل تهوينٍ شديدٍ لدور الزوج في ذلك! حتى مسألة التخبيب جرى توظيفها بطريقةٍ هزيلةٍ وهزلية، وكأن المرأة طفلةٌ صغيرةٌ تنتظر أيّ تحريضٍ حتى تهدم حياتها الزوجية! وذات الأمر بالنسبة للخلع، وكأنها تنتظر أيّ رخصةً لإنهاء زواجها!

     والحقيقة أن الواقع مختلف، والمرأة أكثر حرصًا على استقرارها الأسري، وأكثر تريُّثًا وخوفًا وتوجُّسًا أمام فكرة الطلاق لاعتباراتٍ كثيرة، لذلك يغدو مضحكًا وغير بريء ذلك الاعتقاد بأن عاطفتها وانفعالاتها هي ما تؤدي بها لطلب الطلاق، وأقول غير بريء لأن الإصرار على ترويج هذه الفكرة هو من قبيل التلاعب النفسي والتحايل الديني والاجتماعي الذي يُراد به تشكيك المرأة في حسن تقييمها لأمر نفسها، وتخويفها من مآلاتٍ غير صحيحة، والإبقاء على حياةٍ زوجيةٍ متعثّرة، كما أنه يغض النظر – تحيّزًا – عن مسؤولية الطرف الآخر في العلاقة، ويحمّل المرأة عبء الحفاظ على الزواج دون أي اعتبارٍ يراعي طاقتها على الصبر أو حدود قدرتها على التنازل.

     من زاويةٍ أخرى، نجد الكثير من الوعّاظ والمستشارين الأسريين يتعاملون مع الأمر بالمنطق ذاته، فنلاحظ لديهم أريحيةً في مباركة أي حالة زواج أو تعدد، دون التثبّت من وجود مشاكل أو مظالم محتمَلة، والكثير من التحفّظ وربما الهلع من طرح الطلاق كحلٍّ وجيهٍ لبعض الحالات، فيحاولون دفعه خوفًا من أن يُفهَم الأمر كدعوةٍ مفتوحةٍ للجميع للإقدام عليه! وكأن المطلوب هو صنع صورة أسرية جميلة بغض النظر عن جوهرها!

متى يتحوّل المرغوب إلى حرام؟

إن كان في أهدافه أو مآلاته مظنة ضررٍ وإيذاء؛ فالزواج قد يكون حرامًا – وإن صحّت أركانه – إن أقيم على نوايا فاسدةٍ أو خداعٍ أو تدليس، أو أدى إلى هضم الحقوق.

ومتى يصبح المُبغَض هو الأولى؟

إن كان فيه ضمان الحصول على الحقوق، وفيه مسار تحقيق الاستقرار النفسي؛ نعم الطلاق/الخلع قد يكون هو مكمن الهدوء والسبيل إلى التخلص من الضغوط.

     المشكلة الحقيقية هي في الفكر الجمعي أحاديِّ النظر ومُطلَقِ الأحكام، الذي يرى في الزواج خيرًا مُطلَقًا، ويرى في الطلاق/الخلع شرًّا محضًا، لذا يُعفَى عن طالب الزواج ويبارَك له حتى لو كان في هذا الزواج مَفسَدة، بينما تكون الساعية للطلاق أو الخلع موضع مُساءلة حتى لو كان في هذا الفراق نجاة وحياة.

     والحق أن الزواج والطلاق ليسا خيرًا أو شرًا في ذاتيهما، بل في مدى تحقيقهما للمقاصد والنتائج المترتّبة عليهما، ودورنا هو نشر الوعي والتشجيع على السلوك الإنساني والأخلاقي القويم، الذي يراعي الحقوق المعنوية والمادية دون بخس، ويحترم كرامة كلِّ الأطراف، سواءٌ في حال الزواج أو حال الفراق.

     نعم، ضروري بلا شك أن يكون قرار الانفصال – كقرار الارتباط – قائمًا على أسبابٍ منطقية، وتفكيرٍ متروّ،ٍ وموازنة عقلانية بين المكاسب والخسائر، لكن التوجّس المبالغ فيه يمنع البعض من رؤية دوافع القرار بشكل منصف.

وبدلًا من سياسة التخويف من تبعات ما بعد الطلاق، فالأولى توجيه الطرفين لكيفية التعامل مع هذه التبعات لضمان الاستقرار النفسي والمضي في حياتهما متعافيين.

وآخِرُ القول ..

أيّهما أولى؟

زواجٌ حقيقيٌّ مستقر أم صورةٌ جميلةٌ للعرض المجتمعي تفتقر في عمقها لأبسط عوامل الاستقرار والشراكة الفعلية؟!