محمد يوسف
محمد يوسف
رئيس جمعية الصحفيين الإماراتيين

هنا «رأس الحكمة»

الإثنين ٢٦ فبراير ٢٠٢٤

حاولت التعرف إلى أصل الاسم الذي منح لهذه المنطقة الواقعة في شمال غربي «أم الدنيا»، مصر، التي يحدثك تاريخها قبل أن تتحدث عنه، فكل موقع فيها له حكاية تحكى، ووقائع تذكر، وزمان ورجال، تسرد قصصهم لتسجل إضافة لحقب بدأت قبل التاريخ المكتوب، وستستمر. «رأس الحكمة»، تردد اسمها في الأيام القليلة الماضية، ولا أخفي عليكم أنني لم أسمع بهذا الاسم من قبل، رغم افتخاري الدائم بأنني أعرف كل شيء عن مصر، التي تربطني بها مودة ومحبة، فاكتشفت بأنها ما زالت تعلمنا، فهذا الاسم ظهر فجأة، فإذا به يكون اسماً على مسمى، وإذا بالتساؤلات تدور في الذهن، وتحتاج إلى إجابة لم أجدها حتى الآن، ومنها، إن كانت مقصودة، فالهدف من الإعلان عن المشروع المشترك بين الإمارات ومصر، حمل رسائل لا تحتاج إلى تفسير وشرح، فالاسم يكفي. وكم أسعدتنا ردة الفعل في اليوم التالي لذلك الإعلان، بين الناس ورجال الأعمال وحالة السوق، وارتفاع سعر الجنيه مقابل الدولار، وتراجع السوق السوداء، وتباشير استقرار اقتصادي يتبعه نمو، فالعمل الجاد يجذب التفاؤل، ويصحح المسار، وينتج قبل أن يبدأ، وأهل الثقة يعرفون مبادرات الموثوق فيهم، وفي أفعالهم، فالحكمة لها رجالها، ومن وقع وضخ المليارات، هو في الأصل «رأس الحكمة»، بل قمتها، رجل يقدر الرجال، ويقدم الوفاء في علاقاته مع الأشقاء، إذا وعد أوفى، وإذا قال نفذ، وهذا…

وهذه حرب تجويع جماعية

الثلاثاء ٣٠ يناير ٢٠٢٤

بعد الوصمة جاءت الصدمة، وأدار اللوبي القوي والمسيطر على السياسيين والنافذين في دول الغرب حملة بنيت على التزوير، وصدرت أحكام عاجلة دون قضاة ودون أدلة، ودون حتى إثبات تهم يتحدثون عنها وكأنها حقيقية لا تقبل النقاش أو النفي. الغرب مصدوم، فهذه إسرائيل التي فتحت ملفاتها في قضية دولية، موضوعها إبادة جماعية، وهي التي كانت حصناً منيعاً، لا يقترب منه أحد، إن خالفت القوانين لا تحاسب، وإن اعتدت لا تساءل، وإن رفضت القرارات لا تلزم، ومن تجرأ عليها؟ دولة كانت حتى 30 سنة مضت مسلوبة الإرادة والحقوق، تخضع لتمييز عنصري من أصحاب العيون الزرقاء والشعر الأشقر، أبناء المستعمرين، من يظنون أن جنسهم فوق البشر أجمعين، بقايا أنظمة نازية وفاشية، ينهبون الثروات، ويحتقرون السكان الأصليين، أصحاب الأرض، وملاك الحق، شعب جنوب أفريقيا، الذي تعرض للمذابح والتهجير والتشريد والاستعباد بحجة التميز الأوروبي، حتى أنهك أصحاب الحق من سرق وطنهم، فاستسلموا لمن نصرهم ربهم، وساندهم العالم بأسره، ولم يرضخ شعبهم، واسترجعوا ما نهب منهم، وأداروا دولتهم، ولأنهم أوفياء لم ينسوا إخوتهم، ولم يرضوا بأن يروا شعباً يقتل في أرضه أو يهجر منها، فكانت مبادرتهم، وكان القرار الذي هز الغرب كله، لأنه كان يعير العالم بإسرائيل، ويستهين ببلاد الشرق الأوسط كلها، ويذكرها في كل مناسبة بالنموذج الحضاري الذي زرعه بينهم، وكانت الديمقراطية هي الشماعة التي…

أغرتهم مشاهد الموت

الخميس ٢٥ يناير ٢٠٢٤

على الذين اندفعوا خلف طباعهم العدوانية أن يعلموا بأنهم لن يذهبوا بعيداً عن وضعهم الحالي مهما دمروا وقتلوا وأطالوا أمد هذه الحرب. أغرتهم مشاهد الموت التي خلفوها في غزة، فازداد غرورهم، وطغت كبرياؤهم على أحاديثهم التي تنطق دماً وليس كلاماً، كل «الجوقة» المتشددة تعزف على لحن واحد، لا وقف للحرب، ولا مفاوضات لوقف إطلاق النار، ولا خروج من غزة بعد اليوم، وعادوا إلى زمن بعيد، اعتقدنا بأن الأيام والأحداث قد أشفتهم من أمراضهم، وقد كنا مخطئين، وأولنا من قدم لهم غصن الزيتون بيديه ونسي الحذر والاحتياط رغم التجارب الموثقة في الكتب والأوراق، عادوا إلى مقولة أن الأرض ما بين البحر والنهر أرضهم، وهي عبارة تضرب بكل القوانين الدولية والاتفاقات الثنائية عرض الحائط. الفئة المندفعة تريد أن تحقق إحدى «خزعبلات» كتبهم المزورة، والتي يرددونها في مجالسهم الخاصة بعد أن غطوها برغباتهم في السلام، ذلك السلام الذي يخدعون به العالم ليطيلوا بالمماطلة والتسويف عمر مشروعهم، وكلنا نعلم أن تلك المقولة تخص أرض فلسطين كاملة، من البحر الأبيض وحتى نهر الأردن، وهذه فرصتهم، بعيداً عن الفئات السياسية الأخرى التي تؤيد حل الدولتين بوصفة إسرائيلية خالصة، وقد قبل به الممثل الشرعي للقضية واكتفى بما يقارب العشرين في المئة من الأرض بسيادة منقوصة! تذكرت سيدة يهودية إسرائيلية وهي تتحدث إلى محطة «بي بي سي» الإنجليزية،…

وهم النصر وديمومة السلام

الأربعاء ٢٤ يناير ٢٠٢٤

النصر لا يأتي من معركة واحدة، ولا يتحقق بالسلاح دوماً. والنصر الذي لا يحقق استقراراً ليس نصراً. وبلاد لا يشعر شعبها بالأمان، في بيته أو مكان عمله أو في الطريق، ليست مكاناً صالحاً للعيش الدائم. ومن يخرج من حرب ليفكر في حرب أخرى يبني ترسانة أسلحة ولا يبني دولة. نتنياهو في آخر تصريحاته ذهب في ذلك الاتجاه، أسقط الحل السياسي الذي تعهد به لسنوات طويلة، وقال إن دولة فلسطينية لن ترى النور ما دام هو في السلطة، وهذا يعني أن الطريق ما زال طويلاً أمام هذه المعضلة، وأن الحروب أصبحت خياره المناسب، واستشهد بما يحدث الآن في غزة، ووعد من يتبعون خطاه بالاستمرار في تنفيذ خطته حتى يحقق النصر، ولم يتعلم درساً مجانياً قدمه له «صرصور تل أبيب»، لم يتمعن في مشهد الذين هربوا من المطعم، ولم يتساءل ولو لثانية واحدة عن شعور أولئك الأشخاص الذين افتقدوا الأمن في مجتمع الحرب. ولم يرجع نتنياهو إلى التاريخ، حتى يتذكر جولدا مائير بغطرستها وموشي دايان بانتصاراته، في السادس من أكتوبر 1973، وكيف تحطمت الأسطورة على ضفة قناة السويس الشرقية، وسجلت الهزيمة الأولى المخزية للجيش الذي لا يقهر، رغم أنه لم تمر أكثر من 6 سنوات على النصر الذي حققته دولته في الخامس من يونيو 1967. ولم يسترجع نتنياهو أواخر ثمانينيات القرن الماضي،…

لن تمسح من الخريطة

الأربعاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٣

الترتيبات التي يتحدثون عنها لغزة ليست إلا مهدئات مؤقتة، قد تنفعهم لأشهر أو بضع سنوات، وبعدها ستفور الأرض من تحت أرجلهم، فالمشهد يتكرر، والوصفات المسكنة تتكرر، والاحتلال لا يتوقف عن استبداده وبطشه وبناء المستوطنات بعد سرقة الأراضي من أصحابها. لا أمن ولا استقرار ولا سلام مع الاستقواء، هكذا تقول مجريات الأحداث منذ 67 وحتى الآن، 56 عاماً مرت على احتلال الضفة وغزة، ولم يجد الغزاة من يقول لهم إنهم يغوصون في الوحل، ولا يصلون إلى بر الأمان، رغم الفرص التي سنحت لهم، فتلاعبوا عليها بدلاً من استغلالها، وها هم يرون نتيجة ذلك، حرب ودم وخراب، ومعاناة بعد معاناة، والسبب تلك الحجج الواهية التي يتحججون بها مع كل أزمة. لا تريد إسرائيل أن تعترف بأنها تواجه شعب فلسطين، لهذا تركز اليوم على حماس، وحماس هذه لم تدخل إلى غزة إلا بإذن الإسرائيليين، ولم تسيطر على القطاع إلا بعد موافقة إسرائيل وحكوماتها المتلاحقة، ولم تطل عمرها غير المخصصات الشهرية التي تصلها من «معابر» إسرائيل، 30 مليون دولار تتبع 30 أخرى كل شهر، وهذا يعني أن قادة إسرائيل لا يحاربون عدواً، بل هو صديق، أما الآلاف الذين قتلوا وجرحوا والمليون الذين شردوا فهؤلاء هم بيت القصيد. فلسطين هذه مرت بأشكال وألوان من الأشخاص، بينهم المخلص، وبينهم المتاجر بالقضية، وبينهم المبتز طالب الإتاوات، وهؤلاء…

غزة ليست حماس

الثلاثاء ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٣

رفضت الولايات المتحدة الأمريكية نداءات الأمين العام للأمم المتحدة، تجاهلتها وكأن الرجل الواقف عند بوابة معبر رفح لا قيمة له، ومن خلفه المنظمات الفرعية المختصة بتخفيف وقع الصراعات والنزاعات العسكرية على المدنيين، من يريدون إنقاذ الأبرياء، ومن يريدون إطعام الأطفال، ومن يريدون إيصال الأدوية للمرضى والجرحى، ومن يريدون إقامة معسكرات إيواء للاجئين المشردين في الخلاء! رفضت مع أتباعها أي دعوة ضمن قرارات مجلس الأمن تتحدث عن وقف إطلاق النار في غزة، هم غير راغبين في انتهاء تلك المأساة، فكان «الفيتو» يتبع «الفيتو»، لتصبح حركة المجتمع الدولي شبه مشلولة، ولا يلتفتون إلى القانون الدولي الإنساني، وهم الذين يعطوننا دروساً في الإنسانية، يكسرون القواعد، ويسمحون للعقاب الجماعي بأن يسود، بحجج واهية دمر شمال القطاع ووسطه، ومرروا لمئات الآلاف من الناجين عشرين شاحنة إغاثة فقط! غزة ليست حماس، وليست الفئة المنحرفة المسماة بالإخوان، وليست «القسام»، غزة أطفال ونساء وأبرياء لا يملكون سلاحاً، ولم يطلقوا رصاصة واحدة على أحد، غزة ليست «هنية» الذي رحل إلى مكان آمن قبل أن يعطي أوامره، وشغل وقته بعمليات التجميل التي حسنت مظهره الخارجي ولم تنظف «الشيطنة» التي بداخله، وليست «خالد مشعل» الذي باع غزة منذ سنوات واختار المتاجرة بالقضية في الخارج، وهو الذي اعترف بأن ما قاموا به في يوم «السبت الأسود» كان مغامرة، ثم أضاف بأنها «مدروسة»،…

من يُحكّم المنطق؟

الثلاثاء ١٠ أكتوبر ٢٠٢٣

الهجمة شرسة، علينا أن نعترف بذلك، تجمعت فئات مختلفة، وغير منحرفة، للدفاع عن الشواذ المنحرفين، وهي فئات تحسب على الطبقات العليا في المجتمعات الغربية، تلك التي كانت تسمى بالمخملية، أثرياء وأصحاب مناصب تنفيذية عليا، وملاك مؤسسات وشركات تتلاعب بالمليارات، تحالفوا مع بعضهم بعضاً، وقرروا شن حرب عالمية ضد الأخلاق، والظاهر أمامنا أنهم يحققون انتصارات يومية، فهؤلاء مجتمعون استحدثوا «لوبيات ضغط»، وهي قوية، بل قوية جداً، جعلت أهل السياسة يخشونهم، وأهل الرياضة، وأهل الفن، كل مشاهير العالم أصبحوا يخشون سطوتهم، ويخافون على رزقهم، حتى رجال الإعلام، حيدوا غالبيتهم، ومن خرج عن السرب أجلسوه في بيته، يحرقون أكثر النجوم تألقاً، ويحولونه إلى شخص منبوذ. ومع كل ذلك، هناك أصوات ما زالت تسمع العالم صداها، وترفع علامة «قف» في وجه المندفعين خلف مكاسبهم الشخصية، فهم يرون الأخلاق تدمر من أجل تصويت انتخابي من بعض السياسيين، ومن أجل تمديد ولاية رئيس اتحاد رياضي دولي، أو من أجل حصول ممثل أو ممثلة على أدوار في أفلام جديدة، ولهذا هم صامدون وقابلون بنتائج مواقفهم، لأنهم يدافعون عن القيم البشرية، والإنسان إن زالت قيمه التي تميزه عن سائر الكائنات لا يصبح إنساناً. آخر الذين تصدوا لتلك الهجمة رئيس الوزراء البريطاني ريتشي سوناك، وهو أمر بحاجة إلى شجاعة وجرأة، وخاصة أن يكون صاحبه سياسياً غربياً، فالحسابات هناك تصب…

ديمقراطية الفساد

الثلاثاء ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٣

الديمقراطية تعني الابتزاز والمساومة والإثراء واستغلال الفرص والإفلات من العقاب. في الغرب، هي مثل «قالب الكعك» المزين بأشكال متنوعة من المحليات والفواكه، تعطي شكلاً يلفت الأنظار ويسيل له اللعاب، ومن الداخل حدث ولا حرج، ومع ذلك تغطي المظاهر الحقيقة، فهم، وأقصد من يصلون إلى المجالس التشريعية، في الغالب يبحثون عن «صيت» يضعهم في مكانه عالية، ويرتفع مقامهم، ويكون لكلمتهم صدى يسمع من لا يسمع، ويمتلكون حصانة تحميهم من المساءلة، وتدفعهم إلى المحاباة وتمرير مشاريع تخدم من يقدمون لهم المنافع، ويكاد ذلك الغرب لا يشهد يوماً لا تكشف فيه فضيحة من حماة الديمقراطية! وترامب مثال حي، وقد تابعناه قبل الرئاسة لسنوات طويلة، ثم أربع سنوات وهو رئيس، وهذه ثلاث سنوات وهو يتحدث عن العودة، وهو ملتزم بالديمقراطية رغم أنه خصم عنيد للحزب الديمقراطي، فالمسميات لا معنى لها، حيث الكل يعمل تحت مظلتها وباسمها، وبين جدرانها الكل يتقاتل كما نشاهد، وما سيشاهده العالم حتى نوفمبر 2024، المتجبر والمتغطرس، والحاقد والمنتقم والكاره، كلهم جاهزون لاستخدام أدوات الفوز! أما في بقية العالم فالديمقراطية شيء آخر، حتى عند الذين استعاروا النموذج الغربي، لا تعجزهم الحيلة عن «اصطناع» ممرات إضافية تستخدم متى تعارضت المصالح الشخصية مع الالتزام بقيود الديمقراطية، وأمثلة انقلابات أفريقيا واضحة، و«موت» التنمية في الدول التي تدعي بأنها متمسكة بها أكثر وضوحاً، فالدول الواقعة…

«السبّورة والطبشور»

الإثنين ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٣

في موقف آخر، يتكرّر المشهد الأوروبي أو الغربي القائم على مبدأ العودة إلى الوراء، وهذه المرّة من وزيرة تعليم في إحدى الدول الاسكندنافية، بعد أن لاحظت إفراطاً في استخدام التكنولوجيا الرقمية حتى وصلت إلى الحضانة ورياض الأطفال، فهناك يعتقدون بأن الأفضل في ظل الثورة التي أحدثتها الأجهزة اللوحيّة والحواسيب النقالة أن يعتاد عليها الطالب منذ البداية، فهي بديلة للوسائل التي يعتبرونها بدائية، وقد حاربوها كثيراً في العقود الأخيرة، وأصبح التعليم والترفيه والثقافة والمهارات اليدويّة والسمعيّة مجتمعة في تلك الأجهزة، وأُلغيت «السبّورة» من قواميس التعليم، ومعها «الطبشور»، وقد اكتفوا بتطبيقات تجمع المدرّس والطالب خلف الشاشات، فلا هذا يكتب على ذلك اللوح الأسود، ولا الطالب يمسك بالقلم ويخطّ حروفه وكلماته في صفحات دفتره. تلك المسؤولة منعت «الرقمنة» عن أطفال «التأسيس»، تريدهم أن يتعلّموا المهارات الأساسية، والتي تقول إنها ضعفت نتيجة الإفراط في استخدام تقنية هي أكبر من سن الأطفال حتى عمر 6 سنوات، وهذا سيكون قرارها للعام الدراسي القادم، ولا تستبعد أن ترفع هذه السن في المستقبل، فقد أصبح المطلوب أن تعود المدارس، وخاصة مدارس الحضانة والرياض إلى البيئة الطبيعية التي يفترض أن توفّرها وهي البيئة الهادئة، والقراءة من الكتاب المطبوع، والكتابة بالقلم على ورقة بيضاء، ففي هذه الأدوات يكون التكوين الفعلي لشخصية الطفل، والتفاعل بين الطفل والمدرّس. نحن لسنا بعيدين عن…

تخلّف أمريكا

السبت ٢٧ مايو ٢٠٢٣

بعد ستة أيام، قد يمرّ العالم كله بأزمة لا يمكن التكهّن بنتائجها، وهذه المرة أزمة تصل إلى حد الكارثة، ستبدأ في الولايات المتحدة الأمريكية، الاقتصاد الأقوى والأكبر في العالم، وستخلّف وراءها «تسونامي» سيضرب أسواق المال العالمية. المتحزّبون المتلاعبون بمقدّرات شعوبهم، أوصلوا الأمور إلى حافة الهاوية، وجعلوا الكل يستعد إلى مرحلة سيئة، سيكون المتضرّر فيها هو الإنسان العادي والبسيط، كبير السن الذي سيفقد الرعاية الطبية، والمتقاعد الذي ينتظر «فتات» خدمته الممتدّة لثلاثة عقود أو أكثر، ولن يجد معاشه في أول أيام يونيو، فالدولة العظيمة لم يتفق قادة الحزبين المتناحرين على وضع حدّ لخطر التخلّف عن سداد الديون، وهما حزبا «الفيل والحمار»، فتلك شعاراتهم التي يتفاخرون بها، ديمقراطيين كانوا أو جمهوريين، فهذه فرصة قد حانت ليثبت فيها كل طرف أنه الأقوى، فولاء كل متحزّب مملوك للحزب، وليس للوطن، سواء كان الحزب متخلفاً يتبع بلداً مثله، أو كان متحضراً ينتمي إلى الدولة التي تحاسب الآخرين على سجلات حقوق الإنسان والحريّات، والتي تتضمن رعاية البلاد والعباد، وليس وضعهم في حالة قلق، مثل الحالة التي يمرّون بها الآن. بعد ستة أيام، قد يصبح للولايات المتحدة اسم آخر، وإذا لم يوافق رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب على طلب إدارة بايدن الديمقراطية، على رفع سقف الدين، ستكون «الولايات المتخلّفة الأمريكية»، لأنها ستتخلّف عن سداد المستحقات واجبة…

تقاعدهم وتقاعدنا

الأربعاء ٠٨ مارس ٢٠٢٣

الفرنسيون محتجون على نية حكومتهم رفع سن التقاعد من 62 عاماً إلى 64 عاماً، خرجوا إلى الشوارع يوم أمس في 300 مسيرة، شاركت فيها قطاعات كبيرة، مع التهديد بإضرابات عامة! نحن مستغربون من ذلك، لأننا نرى حالياً أن 60 عاماً تحتاج إلى زيادة، رغم أنها في أغلب الحالات لا تحدث فرقاً كبيراً، ونعتبر صاحب الستين شاباً وصاحب خبرة، و«مخه كبير»، ولا نلتفت إلى الحواجب التي أبيضت بعد اللحية والشوارب، ولا ننظر إلى التجعدات على ظهر كفه، ولا إلى الهالات السوداء حول عينيه، ولا نسافر في رحلات «كروز» لرؤية الحيتان والدلافين والجزر البدائية، فقد طوينا العالم في شبابنا، لا، بل منذ طفولتنا، عندما كانت عائلاتنا تقضي الصيف في بلدان ومدن ذائعة الصيت، وفي إجازات الأعياد والمناسبات الوطنية ونصف السنة الدراسية ننتقل بين دول المنطقة حتى نصل إلى القاهرة. مفهومنا للتقاعد يختلف عن المفهوم الغربي، هم يعتقدون أنهم يتحررون من ضغوط الحياة والتزاماتها، ونحن نعتقد أننا «وضعنا على الرف»، هم يعيشون حياة جديدة، ونحن بداخلنا شعور بأننا دخلنا مرحلة «انتهاء الصلاحية»، هم يضعون أمامهم خططاً لرحلات وأعمال حلموا بها في شبابهم ويعملون على تنفيذها بعد تقاعدهم، ونحن نبحث عن «عصا» نتكئ عليها، ونترك لحانا تنمو في كل الاتجاهات، ونبدأ في «العد التنازلي»، وكأننا استلمنا «تذكرة الرحيل» يوم استلمنا قرار الإحالة على التقاعد.…

المناهج ليست عصية

الخميس ٠٢ مارس ٢٠٢٣

في المدرسة تصقل اللغة العربية، بأصولها وجذورها، وبقواعدها واشتراطاتها، وبنحوها وصرفها. هناك يتعلم الطفل لغة القراءة والكتابة، ومنها يلج إلى عالم الثقافة والفكر، هناك شيء مختلف، فالبيت وضع الأساس، والمدرسة تفتح الآفاق، وتنقل الأبناء من العامية إلى الفصحى بسلاسة، حيث إن الركيزة الأساسية متوافرة، وعندما كان تعليمنا واضح المعالم، وكانت اللغة العربية في مقدمة المتطلبات، عندما كان كل ذلك موجوداً، امتلأت ساحتنا الأدبية والفكرية والعلمية برواد قادوا البدايات وتميزوا. خرجت المدارس، ومن بعدها الجامعات، من لا يحتاجون إلى كلمات أجنبية حتى يوصلوا أفكارهم، لأنهم متمكنون من لغتهم، ويعرفون أنها ثرية بالمعاني والمرادفات، بخلاف ما يحدث الآن من استعارة للوصف والتعبير من لغات أخرى، وهذا ناتج عن العبث الذي مرت به مناهج لغتنا في المدارس، والذي بدأ بفئة تلتها فئات حاولت فرض رؤيتها وقناعاتها، رغم أن بعضها كانت نواياها حسنة، ولكنهم خرجوا عن المسار الصحيح، ثم تدخلت «الاستشارات» الأجنبية فزادت الطين بلة! وقد وصلنا إلى مرحلة جدل دائم حول تدريس لغتنا في مدارسنا، من حيث المحتوى والحصص المعتمدة، فنحن لا نزال نجرب، حسب ما سمعنا من ردود مسؤولة، وهذا لا يجوز، بعد كل ما حققناه في كل المجالات من تقدم وتطور واستقرار، لا يجوز أن تكون اللغة العربية في مختبرات التجارب، بعيداً عن أهل الاختصاص، وبالتأكيد أقصد «أهل اللغة»، أولئك الذين…