محمد النغيمش
محمد النغيمش
كاتب متخصص في الإدارة

البيانات الضخمة المهدرة

آراء

كنت دائماً ما أتساءل وأنا أملأ طلب تقديم إعفاء من الفيزا البريطانية باعتباري مواطناً كويتياً: لماذا يسألني الموقع:

كم مرة ستزور بريطانيا في الشهور القليلة المقبلة؟ مع العلم بأن الطلب لزيارة واحدة فقط أصلاً. توقعت أنها محاولة لجمع بيانات مفيدة، وربما صدق حدسي، حيث أعلنت الحكومة البريطانية عن عرض مغرٍ للمواطنين الخليجيين الراغبين في زيارة بلادهم لأكثر من مرة. كانوا ربما يجمعون بيانات تساعدهم في اتخاذ القرار.

هذا بالضبط ما يحدث في عالم البزنس والإعلام، حيث نجحت بعض المؤسسات في الاستفادة مما يسمى بالبيانات الضخمة أو (Big Data)، وهي ركام من الأرقام، والصور الرقمية، والتسجيلات الصوتية، والمواد الخام التي نواجه صعوبة في تحليلها عبر أدوات آحادية. يعرفها معهد ماكنزي بأنها بيانات يصعب تخزينها بسبب ضخامتها.

وكذلك تشق علينا إدارتها، وتحليلها بطرق تقليدية، فلا بد من وجود أكثر وسيلة لتحليلها. وإذا ما نجحت المؤسسات أو الدول في ذلك التحليل فإنها ستجني ثمار معلومات جوهرية ومفيدة تغير موقعها في المشهد التنافسي.

وقد تطرقت، أول من أمس، في منتدى الإعلام العربي في دبي، بوصفي متحدثاً رئيساً في إحدى جلساته الحاشدة، إلى أهمية أن تستفيد المؤسسات الإعلامية من البيانات الضخمة (Big Data) في معرفة مزاج القارئ واختياراته، وهو ما نجحت فيه أكبر سلسلة «سوبرماركت» في بريطانيا «تسكو» عندما استعانت بعلماء حللوا بياناتها، فاكتشفت أن 41 % من مبيعاتها تأتي من 4 % من عملائها المميزين، وليس من أولئك المحتملين (potential) أو من تغدق عليهم الحملات التسويقية خزائنها.

لنتخيل لو كان لدى «نتفلكس» بيانات يمكن أن توصلها إلى عدد الذين يزورونها من كل جهات وأوقات المشاهدة، والمشاهد التي التقطها الناس عبر هواتفهم (capture)، وتلك التي تعاد مشاهدتها أو مشاركتها، وغيرها، سيصبح في مقدورها توظيف المحتوى بحسب حاجة السوق، وكذلك خطتها التسويقية ستكون مركزة على الهدف المطلوب.

وعلى صعيد الدول، تخيل لو أن برنامجاً يمكن أن يساعدها في تحليل بصمة الوجه لمعرفة عدد الذين يغادرون الدولة بابتسامة أو بوجه عابس. تخيل كيف يمكن السيطرة على الجريمة عندما نستفيد من بيانات كاميرات المراقبة عبر إنذارها للمتاجر أو الشرطة عن وجود شخص يحمل سلاحاً أبيض أو نارياً أو بوادر وقوع مشاجرة دامية يمكن للأجهزة الأمنية الاستنفار لوأدها أو السيطرة على الموقف. هناك من لديه في الواقع تلك التقنية، لكنها ليست متوفرة للجميع.

وما تحليل البيانات الضخمة إلا مسألة عميقة وتفصيلية تتطلب تفكيك ما يجمع وتصنيفه والبحث عن آلية سريعة تجمع ذلك المحتوى وتمهد للباحثين طرقاً لتحليله. إذن الـ«بيغ داتا» هي بيانات تتدفق بسرعة مذهلة من كل حدب وصوب، صوتياً ومرئياً وكتابياً، وكلما تلقتها المؤسسات وأحسنت تحليلها توصلت إلى معلومات مهمة.

والمفارقة أنه حينما سئل كبار المسؤولين (c-level) في استفتاء عالمي، عن مدى جوهرية البيانات في آلية اتخاذ القرار، قال 70 % منهم إنها مهمة «للتنبؤ» بالمستقبل، و43 % بأنها تساعد في منحهم توجهات السوق (trends)، ومثلهم (41 %) يرونها جوهرية في رسم السيناريوهات المحتملة، غير أن ربعهم (23 %) اعتبروا البيانات مهمة في معرفة الوضع الراهن أو التاريخي، وقلة قليلة (10 %) رأت أنها تعكس معلومات لحظية. هذه الأرقام ذكرت في تقرير «البيانات الضخمة للإعلام» المنشور من قبل معهد «رويترز» لدراسات الصحافة التابع لجامعة «أوكسفورد».

خلاصة القول إن الكثير من البلدان والشركات تهدر أطناناً من البيانات المرئية، والمسموعة، والمكتوبة، كان يمكن أن يسهم «تحليلها» في ازدهارها، وتألقها، وتفوقها على منافسيها.

المصدر: البيان