محمد النغيمش
محمد النغيمش
كاتب متخصص في الإدارة

العمالقة «المخضرمون»

آراء

«إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة». هذه العبارة الخالدة قالها العالم إسحاق نيوتن في رسالة إلى الموسوعي روبر هوك في سنة 1675 (بحسب بحث للبروفيسور روبرت ميرتون في سنة 1965). ويروى أنها تعود إلى الفيلسوف الفرنسي برنارد شارتر الذي قال «إننا مثل الأقزام على أكتاف العمالقة، إذ نرى أكثر وأبعد منهم ليس لحدة أبصارنا أو قوة أجسادنا، بل لأننا محمولون عالياً على أكتاف العملاقة».

هذه المقولة العميقة تستخدم نموذجاً لتبسيط كل الإجراءات والاختراعات العلمية المدهشة ولذلك رفعها محرك البحث غوغل شعاراً له في موقعه للبحث العلمي scholars ربما لتذكر كل باحث بألّا تأخذه الحماسة في منتوجه أياً كان وزنه أو ما يزعم أنها أسبقيته حتى يدرك أنه لولا العمالقة لما تمكن من الوصول إلى إنتاجه العلمي فمن ينظر من قمة برج إيفل في باريس يرى أبعد ممن يطل من نافذة منزله وكلما زاد حجم وقيمة ما نقف عليه من علم وتجارب ومعلومات زاد أفق المشاهدة.

والأمر نفسه مقارب لمقولة «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة» لقائلها محمد الحسن النفري، أحد أبرز علماء التصوف في القرن الرابع الهجري فقد وجد المفكرون العرب والفلاسفة في عبارته البليغة ميداناً خصباً للنقاش في أعماق معانيها فبالفعل من يشاهد كثيراً يصعب عليه التعبير عما التقطه أفق بصره من تفصيلات. والأمر نفسه ينطبق على المعرفة ككل فمن يقف على أكتاف العمالقة لا بد من أنه أوقع في التأثير والإسهامات وسرعة الإنجاز وربما قلة الأخطاء من غيره.

وربما يظن الشاب المفتون بالشاشات الصغيرة أن لا حاجة للوقوف على أكتاف العمالقة ما دام هناك زر يجلب له ما يشاء من علم في لحظة الحاجة. غير أن المخزون المعرفي ليس معلومات مصفوفة بل تراكم للقراءات والمشاهدات والمعلومات التي تولد لدى المرء فكراً نيراً يدفعه للتفكير بطريقة تختلف عن عوام الناس بسبب ذخيرته المعرفية. وما نقرأ ونشاهد ونسمع طوال حياتنا يساعدنا على النظر إلى الأحداث والمواقف والمشكلات والعلوم بطريقة مختلفة عن الآخرين ولذلك يلجأ علية القوم إلى صاحب «الذخيرة المعرفية» ليس لأنه يحمل هاتفاً بل لقدرته المذهلة على التنقل من فكرة إلى أخرى ومعلومة إلى أخرى حتى يقدم آراء عميقة وحلولاً جذرية لمشكلات مستعصية.

كل ذلك كون لديه الحصيلة المعرفية التي لا تأتي بضغط زر أو بحفنة من المال ولهذا يقول ابن المقفع «إن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم، وليس الملوك أغنياء عن الحكماء بالمال» وهي مقولة واقعية فالمال لا يشتري علماً ولا حكمة.

والمفارقة أن «الناس يكرهون القوي ويطيعونه، ويحبون الضعيف ويستحقرونه» كما يقول الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي. وعلى الرغم من ذلك التناقض فإن القوي علماً وفكراً وتجربة سيبقى قبلة الناس في كل عصر وحين. ومهما كان نطاق جهوده إلا أنه ليس سوى امتداد لجهود المخضرمين من قبله، فلم يكن غوليلمو ماركوني ليكتشف الراديو لولا بواكير جهود من سبقه في الموجات الكهرومغناطيسية، ولم يكتشف الصواريخ والطائرات لولا جهود العلماء في شتى الميادين الذين أكدت علومهم أن اختراق عنان السماء ممكن بسلطان العلم ولذلك قال جل وعلا في كتابه: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ» وهو سلطان العلم. وما العلم إلا تراكم جهود من سبقنا من المخضرمين منذ بدء الخليقة. والمخضرم من عاصر عهدين أو جيلين فهو يمتاز عمن هم دونه بأنه أثرى عقله وتجاربه بجهود من سبقه.

شتان بين الوقوف الشامخ على أكتاف العمالقة (المخضرمين) ونسب الفضل لجهودهم، و«التسلق» على أكتاف الآخرين فالمخضرم العاقل يدين بالفضل والفخر لجهود أسلافه، أما المتسلقون فلن يفعلوا ذلك حتى لا تُكتشف هشاشتهم ومآربهم الوضيعة.

المصدر: البيان