عائشة سلطان
عائشة سلطان
مؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان

الجمال المحاصر بالقبح

آراء

إننا كبشر نسعى لإنسانيتنا بشكل مستمر عبر التمسك بالقيم والدعوة لها، والبحث عن مكامن الجمال فينا وحولنا، ومحاولة إبرازها وإعلائها، نبحث عن الجمال فيما نهتم ونحب ونلبس ونسكن ونأكل ونقرأ، في أجسادنا وعلاقاتنا، في اهتماماتنا وأسماء أبنائنا، في أسفارنا وفي حلنا وترحالنا، لقد تحول الجمال من مجرد فلسفة خالصة إلى ممارسة يومية، ومن موضوع علمي إلى سعي إنساني دائم، ومحل احتفاء وتقدير على جميع المستويات.

السعي للجمال انتقل من كونه اهتماماً فلسفياً خاصاً بالفلاسفة وعلماء الأخلاق ونقاد الفن والأدب إلى حياة كاملة نتنفسها، عنوانها: الجري خلف الجمال عبر أكبر صناعة عرفها تاريخ الإنسان، وهي صناعة الجمال، التي ترتفع على أضخم وأهم دور الأزياء والعطور وأدوات التجميل ومراكز الرياضة ومستشفيات وعيادات وأطباء وعلاجات التجميل، إضافة لمسابقات كمال الأجسام وملكات الجمال، وسياسات بناء أجمل الحدائق والشوارع والمباني، وإنفاق المليارات على أجمل المدن والمكتبات والمطارات وأعظم المراكز الثقافية و…

كل هذا الجهد البشري ليس سوى سعي وتنافس لا يتوقف للوصول إلى الجمال، والقبض على الأجمل، بالرغم من أن سطوة الشر هي الأقوى صوتاً في العالم، ومنطق القوة والحروب الظالمة هي من يقرر المصير والسياسات، بينما تسير آلات الموت التي تحصد أرواح الأبرياء جنباً إلى جنب، وبلا خوف من أي قانون، وبلا تردد مع كل تلك الجهود والسعي العظيم نحو الجمال والرقي، فكيف يأتلف الشر مع الجمال، وكيف يتعايشان جنباً إلى جنب؟.

كيف يزعم الذين يدعون أنهم ديمقراطيون ومتحضرون وواضعو شرائع حقوق الإنسان وهي قمة من قمم الجمال، وهم يمهدون الطريق للقتلة كي يسيروا ببنادق محشوة ويعودوا بها فارغة، وبرؤوس مرفوعة بعد أن أفرغوا رصاصهم في أكثر العيون براءة وجمالاً؟، أي مقدار من الندم وتأنيب الضمير سنحتاج لنكفر عن عجزنا، ولننسى أثر تلك العيون؟.

إننا ونحن نعجب بقوة البطل الشرير في الرواية والفيلم والمسرحية، ونتمنى أن ينجو وأن يواصل كي يبقى تدفق المتعة يملأ قلوبنا، إنما نطلق سراح بعض الشر الكامن فينا أو ننفس عنه، فما من بشر إلا وفيه بعض من الظلام مقابل الكثير من النور!.

المصدر: البيان