عبدالله بن بخيت
عبدالله بن بخيت
كاتب سعودي

وأخيراً تساوى المثقف مع الجاهل

الأربعاء ١١ يوليو ٢٠١٨

سمعت أن مخترع المسدس قال بعد أن أتم اختراعه (الآن تساوى الشجاع مع الجبان). أقترح على مخترع تويتر أن يقول (الآن تساوى المثقف مع الجاهل). الجميع صار يفتى في تويتر في كل شيء. لا يهم أن يفتي الجاهل بما لا يعرف فهذه سنة المجالس والاستراحات. المشكلة أن يفتي صاحب مؤلفات وتاريخ ثقافي وأستاذ في الجامعة بما لا يعرف. لا أحد يأخذ الجاهل بجدية والجاهل نفسه لا يشعر بالمسؤولية تجاه أحد في مسألة طرح الرأي. المسألة بالنسبة له مؤانسة. الناس تحاكم المثقف. تتعامل معه بجدية حتى في المجالس والاستراحات وإذا ظهر على منصة عامة تصبح آراؤه ذات مسؤولية كاملة. لكن إغراء السهولة والكلمة السريعة في تويتر دفعا بالمثقف إلى التسرع والانزلاق في سلوك العوام. الكتابة الأساسية تبدأ برأي شبيه بما تطرحه في تويتر في سطرين لكن مقرها الدماغ وليس الورق أو النشر. الكتابة عن هذه الفكرة وتقليب أمرها على الورق هو اختبار لها. هل تستحق أن تطرح وإذا طُرحت فأي قدر من التفاصيل تحتاج لكي أكون مسؤولاً عنها وعن تبعاتها. ما يقدمه المثقف في تويتر في سطرين هو المادة الخام (الفكرة الخام) التي يتوجب أن يحتفظ بها لنفسه إلى أن يتم بناءها في سياقها ضمن مجموعة الأفكار الأخرى التي تدعمها. الفكرة تحتاج إلى صقل وإعادة تصنيع. عندما تطلقها في شكلها الأولى…

هل ساقت المرأة؟

الإثنين ٠٩ يوليو ٢٠١٨

حتى الآن لم أشاهد امرأة تقود سيارة في طرقات المملكة، سيأتي يوم وأشاهد. قضي الأمر على أي حال، السؤال قبل أن تقود المرأة بنفسها هل سنصنع صواريخ إذا ساقت المرأة، هل تقدمت الدول الإسلامية التي سمحت للمرأة بقيادة السيارة؟، اختفت هذه الأسئلة وأصبح السؤال الآن هل ستختفي ظاهرة سائق العائلات؟ هل ستختفي الغرف الصغيرة التي تفتح على الشارع، أقرب الظن نعم، وجود السائق ما كان يجب أن يرتبط بالمرأة وبالعائلة ولكن بالحاجة وأحياناً من أجل الرفاهية. للمرأة الحق أن تقود سيارتها بنفسها أو تستقدم سائقاً أو تقطع المسافات على قدميها، هذه سمة الأحرار الناضجين، الحقوق لا تبادل، أسمح لك بهذا شريطة أن أمنع عنك هذا. معظم الجدل حول السيارة سار على هذا المبدأ، كان الكتاب يهولون من أضرار السائق على الأطفال وعلى المرأة ويبحثون عن أدلة شرعية تؤكد أن وجود السائق مع المرأة في سيارتها غير جائز، بينما الطرف الآخر يقول إن السائق أخف الضررين. من قال بالرأي الأخير كان أكثر اتساقاً مع مبادئه وفهمه لقضيته، لا تقوم أطروحاته على المساومة والتنازلات. في المساومات التي تقوم على التنازع الفكري يعمد أحد الأطراف إلى سحب خصمه إلى أرضه، قضية سياقة المرأة كانت مثالاً على هذا، من كان يطالب بحقوق المرأة في القيادة في مقابل التنازل عن حقها في استئجار سائق يقدم…

الانحياز المجاني

الأحد ٠٨ يوليو ٢٠١٨

في عام 1982 اندلع نزاع مسلح بين بريطانيا وبين الأرجنتين حول جزر الفوكلاند. تدعي الأرجنتين ملكيتها لهذه الجزر بوصفها الوريث الشرعي للتركة الأسبانية المحيطة بأراضيها. كانت المرة الأولى التي سمع معظم البشر عن هذه الجزر. في ذلك الزمان كان العالم منقسماً سياسياً إلى معسكرين. معسكر يتبع أو يتعاطف مع الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، ومعسكر يتبع الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين. فكان كل شيء ينقسم على هذا الانقسام. أي قضية سياسية أو ثقافية تحدث يستدني الناس معيارهم هذا. سوّق الاتحاد السوفيتي نفسه على أساس أنه محرر الشعوب ونصير الضعفاء ورائد الحرية في هذا العالم ومن جهة أخرى كانت سمعة الولايات المتحدة وحلفائها سيئة. ضج الإعلام بأخبار هذه الحرب ولأن الناس لا تملك أي معلومات عن جزر الفوكلاند استخدم كثير من المراقبين معيار انقسام المعسكرين. أصبح الموقف محسوماً في الإعلام العربي. بريطانيا استعمارية والأرجنتين تريد تحرير أرضها. عندما تراجع الموقف الذي اتخذه الإعلام العربي والمثقفون من تلك الحرب آنذاك ستفهم كيف تضللك العواطف لتقودك للانحياز المجاني. وقفَ معظم الإعلام العربي مع الأرجنتين. على خلفية أن الأرجنتين دولة من العالم الثالث وبريطانيا دولة استعمارية على هذه المعادلة السهلة تم حسم الأمر عاطفياً. اطلاع أولي على تاريخ الجزر سينبئك أن ادعاءات الأرجنتين ملكية الجزر تقوم على أسس ضعيفة ومثلها بريطانيا. تناوب على الجزر عدة دول…

المندسون في ثياب الناصحين

الأربعاء ٠٤ يوليو ٢٠١٨

يتداول الناس في السوشل ميديا مقطع فيديو لسيارة أحرقها شقي احتجاجاً على قيادة المرأة السيارة. أتمنى أن تكون المسألة مجرد إشاعة، وإذا كانت صحيحة فهي حادث عرضي معزول لا يمثل سوى إنسان من مخلفات الأولاد الصغار الذين كانوا ينقضون على أجهزة التلفزيون في بيوت أهلهم ويحطمونها أمام آبائهم وأمهاتهم ومن مخلفات الأولاد الذين يصوبون بنادق الساكتون على الدشوش في سطوح المنازل وغيرهم من المبرمجين الصغار في زمن لن يعود أبداً. قد يكون هذا الرجل واحداً من هؤلاء وأغلب الظن واحد من أبنائهم، ثمة فكر كرس الإحساس بالمسؤولية عن الآخرين. لم يعد الإنسان يرى نفسه مسؤولاً عن نفسه أو عن أسرته الصغيرة بل مسؤولاً عن العالم، كان الشباب يدربون على تحمل المسؤولية الجماعية، تم ربط هذا الفكر بالدين حتى كاد أن يكون جزءاً منه، صار إحدى القيم التي تربط الشاب بجماعة محددة التوجهات، حزب غير معلن كان يعد منتسبيه للعمل في اليوم الموعود، هذا النوع من الاعتداء يبدو بريئاً، لا شك أن هؤلاء الشباب أبرياء يعملون ضمن فكر قدم لهم في صورة دينية لسهولة تمرير القيم السياسية عليهم وعلى المجتمع، دفعنا ثمن هذه البراءة في النهاية بظهور الإرهاب والمنظمات الدينية السياسية. لا أظن أن حرق سيارة المرأة يتضمن بعداً سياسياً، لقد تقوض البعد السياسي ولكن البعد الفكري والاجتماعي المسوغ له من…

قرار قيادة المرأة للسيارة درس في حقوق الإنسان

الأربعاء ٢٧ يونيو ٢٠١٨

استعاد مغرد في تويتر الحوارات التي قادها الإعلامي الأستاذ علي العلياني قبل سنوات قليلة مع عدد من الكتاب والمثقفين والفنانين، وكان الحوار يتضمن سؤالاً تم توجيهه للجميع: هل تؤيد حق المرأة في قيادة السيارة. في التعليق قال صاحب التغريدة إن الجميع (ثلاثين شخصاً) أيد حق المرأة في قيادة السيارة عدا صوت واحد. ضم من يؤيد بلا تحفظ إلى من يؤيد بتحفظ. هذا يثير تساؤلاً: من طالب بوضع شروط على حق المرأة في قيادة السيارة في شوارع المملكة هل كان بالفعل يؤيد هذا الحق؟ بتأمل سريع يمكن أن نقسمهم إلى عدة أقسام، أهمها ثلاثة: يؤيد بيد أنه خائف على مكانته أو مركزه فلجأ إلى التقييد، القسم الثاني على العكس لا يؤيد ولكنه خائف أن يصنف مع المتشددين فاحتمى بالتأييد المشروط، أما الثالث فقرر أن يضع رجلاً هنا وأخرى هناك في انتظار من سينتصر. أغلبية الناس كانت على يقين أن المرأة ستقود سيارتها في المملكة قريباً، لكن الأغلبية داخل هذه الأغلبية كانت تظن أن قرار السماح سيشفع ببعض الشروط التنظيمية أو الإرضائية، ستؤدي هذه الشروط إلى تسوية الجدل على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، وضع أي شروط يعطي كل طرف نصراً جزئياً حتى وإن كانت شروطاً شكلية أو مرحلية يقصد بها جبر الخواطر. لا يدرك كثير من هؤلاء الذي أيدوا بشروط أن…

مقاومة التغريب

الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٨

في رمضان في منتصف النهار توقفت عند إشارة المرور الحمراء، كان الشارع هادئاً، وعدد السيارات قليلاً، فوجئت لا أحد احترم إشارة المرور ولم تؤثر فيهم حرمة الشهر. اتضح لي بعد تأمل أن الناس لم تربط بين الصيام وبين الحياة الحديثة، لم تتوسع أخلاق الصيام لتشمل كل شيء، في رأسه قائمة يمتنع عن اقترافها أثناء الصيام. نفس القائمة التي صنفها الفقهاء منذ ألف عام، تلاحظ هذا من أسئلة الناس الموجهة للفقهاء، هل شرب الدخان يفطر هل استنشاق العطر يفطر هل أخذ إبرة الدواء مع الوريد يفطر؟ تتكرر هذه الأسئلة سنوياً دون انقطاع. لم أسمع في كل ما سمعته من أسئلة أو أجوبة شيئاً يتصل بالأخلاق والحياة اليومية. مرة حضرت مضاربة في نهار رمضان عند بائع سنبوسة، مضاربة على أتفه الأشياء، الصيام شيء والحياة شيء آخر تماماً. بلغة أخرى لا علاقة للبعض بين الدين وبين الحياة الحديثة، عندما يمارسون الشعائر الدينية ينتقلون من زمن إلى زمن، ما يفطر أو يؤثر على صيامك أقر في العصور القديمة ولم يجد عليه شيء جديد، مخالفة قطع الإشارة لا تدخل في المنظومة الأخلاقية للدين، يقطع الإشارة في رمضان وفي غير رمضان لأنه لا يجد في المسألة ما يتصل بالدين. أصبح إنساننا يتحرك كجهاز الكمبيوتر، يتبع الأوامر المبرمجة في عقله، لا يستنتج لا يأخذ النهي كمسألة أخلاقية…

بالعقل وحده يحيا الإنسان

الأربعاء ١٣ يونيو ٢٠١٨

من عادات البشر مديح الماضي وذم الحاضر والشك في المستقبل. لعل هذا الموقف ناشئ من رغبة دفينة للعودة للعمر الذي مضى. يظن الشاب أن أيام المراهقة والطفولة أفضل من أيامه التي يعيشها. يتأسف الكهل على الشباب ويتباكى المسن على كل الأيام الماضية. أزمة الإنسان تعود إلى تناقض مسيرة حياته الشخصية مع تطور حياة البشر كمجموع. الفرد يكبر ويشيخ ويموت والمجتمع ينمو ويتغير ويتقدم مهما صادف من صعوبات وعثرات لكن القليل من حياة الشعوب الماضية يمكن الأسف عليها وتفضيلها على الحاضر. ما يدفع الناس إلى البكاء على الماضي هو خليط من الحنين وانتقائية المؤرخين. الإنسان لم يتقدم في مسألة التكنولوجيا والحياة المادية فحسب ولكنه تقدم أكثر في جودة الحياة والحقوق والسعادة. قبل ثلاث مئة عام على سبيل المثال لم يسمع أحد بكلمة الاتجار بالبشر. كانت التجارة بالبشر من أفضل أنواع التجارة وأكثرها ربحية وتقرها جميع دساتير الأمم. في تلك الحقب لم يسمع أحد بحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الحيوان وحماية الطبيعة والحياة الفطرية. المسألة المادية لا تنفصل عن المسائل الإنسانية الأخرى. قارن بين حياة هارون الرشيد وحياة موظف من الطبقة الوسطى في أميركا أو كندا. ستجد أن كل شيء يسير في صالح الموظف الصغير. إذا تخلينا عن الأساطير والتخيلات التي نبنيها بخيالاتنا عندما نسمع بقصور الملوك والأمراء عبر التاريخ سنكتشف أن…

ذكريات رمضان التعيسة

الأربعاء ٠٦ يونيو ٢٠١٨

مضى أكثر من نصف رمضان. كل شيء كان رائعا وممتعا. فجأة انقلب الجو. ارتفعت درجة الحرارة فألقت بعبئها على المكيفات. لم اكن اخشى الحر ولم أكن اخشى الظمأ فالصيام إيمان. الناس مشكلتي في رمضان. تمثيلية المعاناة التي نراها عند بعضهم يعطيك الإحساس أن ما يجري لهم من جوع او ظمأ سببه الآخرون. ينتهز أي مناسبة ليعبر عن توتره وقلقه ونزقه. على الآخرين الانتباه له وايلاءه عناية خاصة. يمن على الناس بصيامه، تتحول المناسبة الكريمة من عبادة إلى حفلة تعبير، تنضم إلى مظاهر التدين. وكلنا عانى من رمي السيارة بنزق طفولي سافر في عرض الطريق لأداء فريضة. لاحظت أن الوضع تحسن هذا العام بشكل كبير، بدأ الصيام يعود إلى أصله الذي فرض من اجله، كل إنسان يصوم لنفسه فقط، لا يمنحك المجتمع نقاطا وحسنات اجتماعية ترفع قيمتك وتضعك في صدر المجلس أو تمنحك سلطة. بحثت في أكثر من مكان عن بقايا الرجال المزدهين بأنفسهم أيام الصحوة. شباب الصحوة والملتزمون كما كانت تسميهم مكينة الدعاية. لاحظت واحدا في مطعم شعبي. يرتفق بكوعيه على طاولة المحاسب. يبدو عليه القلق والتململ. يكاد يتفتت مسواكه من عنف الفرك. يخرجه من فمه ويلقي عليه نظرة سريعة ثم يعيده مرة أخرى ويضاعف من قوة الضغط على أسنانه ثم يتلفت بقلق وينظر إلى الناس بحسرة. يبدو على مشارف…

أربعون عاماً من السذاجة

الإثنين ٢١ مايو ٢٠١٨

عندما تتفرج على مسلسل مصري أو كويتي على ما فيهما من علل إلا أنك ستشاهد تجربة السنين الطويلة حاضرة، سترى الاحتراف في النواحي الفنية، ستتجلى أمامك خبرة الممثلين بصرف النظر عن قوة العمل أو ضعفه. من المشاهد التي تعلمت منها أن أميز بين الممثل المحترف والممثل المبتدئ مشهد المحامي بن ديرم مع حسين عبدالرضا في مسلسل «درب الزلق»، بعد انتهاء المحاكمة دار حوار بين الممثلين. أخطأ المحامي وفاه بجملة في غير وقتها، فجأة تدخل عبدالحسين وعدل مسار الحوار ليعود إلى النص الأصلي بطريقة احترافية مميزة. ما زال ذاك المشهد واحداً من الدروس المهمة التي تلقيتها مع دروس أخرى تشكل مجموعة أدواتي عند متابعة الأعمال التلفزيونية نقدياً، عرض مسلسل «درب الزلق» على التلفزيونات العربية قبل حوالي أربعين سنة وما زال حتى هذه اللحظة مدرسة لكل من يريد أن يتعلم فن التمثيل. شاهدت حلقة من معظم الأعمال الدرامية التلفزيونية السعودية التي بدأ عرضها على شاشة التلفزيون السعودي مع إطلالة شهر رمضان هذا العام، شعرت بكثير من الأسى، نفهم أن يكون العمل ضعيفاً لأسباب خارج مسؤولية الممثل، وقد يكون الممثلون المشاركون معه مبتدئين وأن تكون ميزانية العمل قليلة أو أن النص ضعيفاً، ولكن لا أفهم أن يخرج ممثل أمضى حوالي أربعين سنة من عمره في شغلة التمثيل كممثل مبتدئ. المصيبة إذا كان هذا…

التلفزيون باقٍ

الأربعاء ٠٩ مايو ٢٠١٨

تتصاعد منافسة وسائل التواصل الاجتماعي للتلفزيون، أظن أنها بلغت ذروتها هذه الأيام بعد أن تقرر حجم وقدرات وسائل التواصل (الله أعلم بالمستقبل)، إذا صمد التلفزيون السنوات الثلاث المقبلة فهذا يؤكد أن لا شيء يقصي أي شيء عند الحديث عن وسائل الإعلام. مهما تحدثنا ونظرنا يبقى المال هو مصدر القوة في كل مجالات الحياة: السياسة والفن والعلم.. إلخ. من يملك المال يملك القوة. من ذا الذي سيخاطر ويستثمر في منتجات الإنترنت بالملايين. الرياضة على سبيل المثال وهي واحدة من أكبر اهتمامات العالم ستبقى رهينة القنوات الفضائية. كلفتها بالملايين والمليارات في بعض الأحيان، من يستطع أن يقيم مسابقات رياضية في حسابه أو موقعه على الإنترنت وهو يعرف أن عائدات أي إعلان ليست له، من يستطيع أن يغطي مصاريف مسلسل تلفزيوني أبطاله كبار الممثلين. إذا بحثت في قوام اليوتيوب ستجد أنه وسيلة متطفلة، إعادة ما تم بثه في التلفزيونات من مسلسلات والمنتجات الأخرى أو أن تستغله المحطات الموجهة لبث قنواتها من خلاله لبلوغ مزيد من الجماهير وما تراه بعد ذلك على اليوتيوب أما رجيع الأعمال التي أنتجت على التلفزيون أو منتجات غير احترافية تأتيك كحاطب ليل مرة تصيب ومرات تخيب. باختصار مستثمر الأعمال التلفزيونية يملك المال ومستثمر الأعمال على النت هو منتجها، في الغالب مغامرات إنسان لا يملك إلا القليل. تحدي التلفزيون سيبقى…

أصبح مجدنا أمامنا لا خلفنا

الأحد ٢٩ أبريل ٢٠١٨

في كل مرة أقرأ عن إيران أتذكر سنغافورة فتتضح لي صورة الواقع الإنساني، باب السلام مفتوح وباب القلاقل مفتوح أيضاً، يستطيع الإنسان أن يسير نحو السلام ويستطيع أن يسير نحو الاقتتال والكراهية. كانت سنغافورة جزيرة ضعيفة صغيرة غاطسة في المستنقعات، أصبحت في المدة التي حكمت فيها ثورة الخميني إيران من أجمل وأثرى وآمن بلاد العالم، إيران أمة كبيرة متعددة الأعراق تمتلك مخزوناً نفطياً كبيراً وثروات طبيعية وصناعات تقليدية عريقة وتاريخاً عريقاً أصبحت مرتعاً للمخدرات وتتمتع بمرتبة متقدمة في العالم بكثرة الأعداء ودولة فاشلة اقتصادياً. عدد من مواطنيها ينشد الرزق في سنغافورة. جميعنا دون استثناء نعرف السبب. سنغافورة استقلت طريق البناء الاقتصادي والازدهار وإيران قررت أن تذهب إلى الجهاد والتبشير وأن تصطحب معها من يريد ومن لا يريد من الشعوب. كما فعل الاتحاد السوفييتي عندما قرر الذهاب لليوتوبيا قرر أن يأخذ معه من يريد ومن لا يريد. في النهاية ذهب وحده. طريق الازدهار لا يمر بالأيديولوجيا وطريق الأيديولوجيا لا يمر بالازدهار. مشروعان متناقضان. في طريق الازدهار لن يصادفك أعداء، يصطف الأصدقاء على جنباته، كل من تمر عليه يتمنى مشاركتك وصحبتك أما طريق الأيديولوجيا فسيكون مليئاً بالأعداء، وكل من تمر عليه يتربص بك كما تتربص به. لا يمكن لأحد أن يدعي أن هناك دولة أو شعباً يكره سنغافورة، رغم ضعف جيشها، إذا…

هل خالص جلبي شخصية سايكوباثية؟

الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨

يكتب الله على إنسان أن يقضي في السجن ثلاثين سنة بين أعتى المجرمين. عندما يطلق سراحه ويمضي في دروب الحرية تبدأ عاطفة التعاطف والحنين تشتغل في قلبه. ينسى جرائمهم ويتذكر إنسانيتهم. لن ينسى ذلك اليوم الذي انتصر له النزلاء عندما ضربه السجان ويتذكر الليالي التي كانوا يتضاحكون ويتسامرون ويتبادلون القصص كأطفال. يتذكر عندما بكى أحد الزملاء بعد أن بلغه أن طفله الذي لم يره أبداً مات. كيف انعصرت قلوبهم جميعاً من الألم عندما اقتيد أحدهم لينفذ فيه حكم الإعدام. ولا ينسى المجازفة التي ارتكبها أحد الزملاء ومرر له سيجارة عندما كان في الانفرادي. كانت ساعاته الأخيرة في السجن رغم سعادته مملوءة بالشجن والألم على فراق بشر عاش معهم ثلاثين سنة. تقاسم معهم الأحزان والأفراح. الإنسان يتألم عند وداع الرفاق حتى وإن كانوا أحط أنواع البشر، حتى وإن كان المكان سجناً. ثمة عاطفة اسمها الحنين. العاطفة الإنسانية التي تعيد إنتاج الماضي وتجعله جميلاً. العاطفة التي تنتصر لروح التسامح في قلوبنا على ما تلقيناه من إساءة من رفاق لن نراهم أبداً. نتذكر طفولتنا أيام الدراسة بشغف العودة. ليس لأنها كانت كلها جميلة ولكنه الماضي الذي تعيد عاطفة الحنين تصنيعه. ما تجرأ خالص جلبي على قوله لا يمكن تفسيره بالكراهية أو الحقد أو التجربة المريرة. عواطف كهذه لا يمكن اضطهادها بالإخفاء ثلاثين سنة.…