عبدالله بن بخيت
عبدالله بن بخيت
كاتب سعودي

البحث عن الخرافة بالعلم

الإثنين ٠٨ أكتوبر ٢٠١٨

كانت الشعوب الغربية تؤمن بشيء اسمه الأشباح، كما يوحي اسمها هي صورة شفافة لكائن حي (إنسان أو حيوان). تقول الخرافة إنهم موتى يعودون في صورة شبحية يشبهون من كانوا أصلهم، في الغالب هي أرواح شريرة عادت للانتقام أو أرواح مظلومة عادت للعتاب، تصادفهم المخيلة في بعض البيوت التي عاشوا فيها في حياتهم. سبق للشعوب الغربية أيضاً أن آمنت بالسحر وقوته وتأثيره حتى راح ضحية هذا الإيمان ملايين البشر من المتهمين بممارسة السحر وإيذاء الناس بتسخير الشياطين. كفت الشعوب الغربية عن الإيمان المرتبط بالماضي، هذا التخلي عن الماضي واجه كثيراً من التحديات التي يفرضها الغموض الذي يلف الكون بأسره. لم تكن الشعوب القديمة التي تبنت الأسطورة كمدخل لفهم الكون خالية من القدرة على التفكير ولكن يمكن أن نسمي هذا التبني لقيم الأسطورة مغامرة العقل الأولى على حد وصف الباحث السوري سراج السايح، عاشت الأساطير فترة طويلة تقدم للبشر تفسيراً محتملاً مرضياً لما يحدث لهم من كوارث وخوارق في الطبيعة. التخلي عن الأسطورة والخرافات الصغيرة المختلفة لا يعني التخلي على الخيال والبحث عن المدهش والمثير والمجهول وطلب التفسير. إرساء آليات العقل العلمي والتزام شروطه كشف للغرب أن السماء ليست سقفاً على ما دونه وإنما فراغ تسبح فيه أجرام سماوية لا حصر لها ولا حدود لحجم بعضها، عندئذ أسند أساطيره القديمة كالأشباح والسحر…

تبرعات البنوك الخيرية

الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨

بين فترة وأخرى يعود السؤال إلى الظهور، لماذا لا تساهم البنوك في الأعمال الخيرية، كثير من الناس يشعر بالغبن من الأرباح الكبيرة التي تحققها البنوك، أعتقد أن الرد المبطن في صدور أصحاب البنوك: لم نستثمر أموالنا في الأعمال الخيرية، رغم كثرة المؤسسات الكبرى التي تحقق أرباحاً ضخمة لا يطال هذا السؤال الخيري غير البنوك. لم أسمع أن أحداً تولج سلسلة مطاعم أو سلسلة سوبر ماركات، أو موردي السيارات الذين يكسبون بالهبل (كما يقول المصريون). النشاط الوحيد الذي لا يكسب بالهبل هي المتاجر الصغيرة بسبب المزاحمة والمنافسة وعدم قدرة السلطات (وزارة التجارة مثلاً) على تحجيم السوق والتصدي للتستر، وإن شاء الله نحن في الطريق. حسب تجاربي أرى أن التاجر السعودي الهامور يربح أضعاف ما يربحه أي تاجر في معظم دول العالم، التاجر في كندا أو في أوروبا يواجه ضرائب أكبر من الضرائب في المملكة علماً أن الضرائب في المملكة لم تكن موجودة قبل عامنا هذا. وفوق فرق الضرائب ثمة فرق آخر مهم جداً، مصاريف التشغيل في المملكة أقل من كثير من دول العالم: لا يمكن مقارنة الإيجارات وأجور العمال والمواصلات وفواتير خدمات في المملكة بمثيلاتها في كندا مثلاً، إيجار المحل في كندا يصل إلى ضعف إيجار المحل في المملكة. وإذا تأملت في الأسعار في البلدين ستجد أن أسعار كثير من السلع…

الثورة على أبناء الشيطان

الإثنين ١٠ سبتمبر ٢٠١٨

أول مرة عرفت شيئاً عن البصرة من المسلسل الكويتي الشهير درب الزلق. كان ذلك في منتصف السبعينات الميلادية، قرر حسينوه المحامي السفر إلى البصرة للاستعلام عن أخت موكلته، فقال له شقيقه سعد: أعرف أنك تريد أن تسافر للبصرة لكي تستمتع بالنهر وتتطيح بين النخيل، من هذا الحوار الساخر بين الشقيقين تبين لي أن البصرة بلدة جميلة ومعتدلة الجو يقضي فيها الكويتيون إجازاتهم، مضت السنون تلو السنون بعد ذاك المسلسل وكل يوم تزداد معرفتي بالبصرة كما تزداد معرفتي ببقية الحواضر العربية الأخرى. بعد الغزو الأميركي للعراق وإسقاط حكومة صدام حسين وصعود نجم الخميني عرفت أسوأ ما عرفت، تلقيت درس الشيطان الأول: أن البصرة مدينة شيعية. ثم تتالت معرفتي الطائفية بكل أشكالها، عرفت أن عدداً من لاعبي المنتخب الكويتي كانوا شيعة وعرفت أن معظم كبار الشعراء العراقيين كالسياب والجواهري والبياتي شيعة أيضاً. هكذا تتالت معلوماتي الطائفية حتى نبش الخراب في ذاكرتي فبدأت استرجع أيامي في الرياض القديمة، تذكرت سوق الحساوية وبعض جيراننا من أبناء الأحساء في نواحي شارع العطايف، كان أولادهم الصغار أصدقاءنا. تركنا الحارة وتركناهم دون أن نعرف هل كانوا شيعة أم سنة؟ فتمادى الخراب في نبش الماضي فأخذت أتحقق عن عائلة فلان الحساوية هل هي شيعية أم سنية وهل ممدوح صديقي الصغير وزميلي في المتوسطة كان شيعياً؟ بعد أربعين عاماً…

أين ذهبت أراضي المدارس في المخططات؟

الأربعاء ٠٥ سبتمبر ٢٠١٨

عاد الطلبة السعوديون إلى مدارسهم كما يعودون كل عام، ستمضي السنون على هذه الحال ويتخرجون لينضموا إلى قوة العمل بعد رحلة شاقة من العلم وما تركه لهم تجار العقار والمنتفعون. أتذكر قبل سنوات بعيدة ثارت ثورة العقار، صرنا نسمع عن شيء اسمه المخططات، قطع الأراضي الكبيرة التي يتم تخطيطها للسكن والحياة، كل مخطط يتضمن شيئاً يسمى المرافق. ترجمة كلمة المرافق كما كنا نفهمها تعني مسجداً وحديقة ومستوصفاً ومدارس، مرافق طبيعية في كل مدينة عصرية. اختفى كل شيء وبقي المسجد، نحمد الله أن نجا المسجد من الاختفاء، نجاة المسجد لا علاقة لها بالبلدية أو أصحاب المخططات، معظم المساجد التي نراها اليوم عمّرت بفضل تبرعات أهل الخير. عندما صُممت تلك المخططات كان تفكير الناس أن المدرسة جزء من الأحياء، خطط المخططون مخططاتهم على هذا الأساس، يذهب الأطفال إلى مدارسهم على أقدامهم، عيال الحارة الذين يلعبون معهم في المساء هم أنفسهم زملاؤهم على مقاعد الدراسة في الصباح. لا يمكن أن يفكر أحد أن المدرسة في مكان والطالب في مكان لا يمكن بلوغه بالأقدام، لم يفكر أحد أن يوماً سيأتي وتصبح المدرسة رحلة شاقة وطويلة وواحدة من أسوأ ما يحدث في يوم المدينة؛ زحام وتلوث وتبديد وقت وتعطيل، مئات الألوف من السيارات تتحرك مع بزوغ الشمس ومع زوالها، كل سيارة تحمل طفلاً أو طفلين…

هل الإعلام انتقائي؟

الأحد ٠٢ سبتمبر ٢٠١٨

إذا حدث انفجار في باريس ضجت وسائل الإعلام العالمية، ونكست الرايات في معظم العواصم، وامتلأت الأرض التي سقط فيها الضحايا بالورود والعبارات التأبينية. إذا حدث انفجار أبشع وأشد في بغداد أو كابل بالكاد تشير إليه وسائل الإعلام، وفي اليوم التالي لا يتذكره أحد، أما الضحايا فيراكمون في رقم واحد. هل الضحايا الفرنسيون أو الأميركان انقى وأشرف وأهم من الضحايا العراقيين والأفغانيين. بعيداً عن المسألة العاطفية. المقارنة بين ضحايا باريس وضحايا كابل تأخذنا إلى المقارنة بين باريس نفسها وبين كابل أو بغداد. البشر متساوون في كل شيء ولكن المقارنة في الواقع بين ما صنع البشر. كم تسوى باريس وكم تسوى كابل. أين يحسن العيش في باريس أم في كابل. أيهما آمن وأيهما مضطرب ما الذي قدمته باريس للعالم وماذا قدمت كابل. أعادني إلى هذه القضية التهديدات التي تطلقها بعض القوى الغربية لمواجهة أي استعمال محتمل للسلاح الكيماوي في حرب النظام التي يعد لها ضد الجماعات المسلحة. هذه التهديدات لا تشير إلى الهجوم نفسه، واحتمال مقتل مئات من المدنيين بالأسلحة التقليدية مثلها مثل التفجيرات الانتحارية الغادرة التي تنفذها القوى الإرهابية يكون الموت بها جائزاً أو مبرراً. هذه التهديدات هي في الواقع موافقة ضمنية تسمح للنظام بالهجوم. القيمة التي تراها تلك القوى تكمن في نوع السلاح المستخدم، وليس في الأرواح التي سوف تزهق.…

الصورة الذهنية عن السعودي

الخميس ٣٠ أغسطس ٢٠١٨

يطلق عليها البعض الصورة النمطية، كيف ترى الأميركي أو الياباني أو اليمني، لا أظن أن مديراً سعودياً سيرشح بنغالياً مندوب مبيعات إذا نافسه على الوظيفة لبناني، ارتبط في ذهن كثير من الناس أن اللبناني شاطر في العلاقات العامة والحضرمي شاطر في التجارة والأفارقة بارعون في الرياضة والياباني إنسان منضبط ومحب للعمل. لو تمعنت في إيماناتك هذه سترى أنها مبنية على مجموعة من الأوهام والإشاعات وبعض التجارب، احتمال كبير أنك لم تسافر إلى اليابان ولم تختلط بإنسان ياباني وغالب الظن لا تميز بين الياباني والكوري لا في الشكل ولا في اللغة ومع ذلك ستجد في ذهنك صورة نمطية عنه تسمح لك بتقييمه. ترى ما الصورة النمطية أو الذهنية عند الآخرين عن السعودي؟ لا أستطيع الإجابة لسببين، الأول الحذر من المجازفة فربما أنقل الصورة النمطية التي في ذهني عن السعودي إلى الآخرين، والسبب الثاني أن الصورة النمطية عن الآخر تختلف من بلد إلى آخر. قبل أن نبحث عن الصورة الذهنية عن السعودي عند الآخرين ترى ما الصورة الذهنية التي يحملها السعودي عن نفسه، كيف يرى السعودي نفسه في نواحي الحياة: النشاط والأعمال والعاطفة والكسل والاتكالية والروح العنصرية واحترام الوقت والمرأة والقانون؟ عندما نتحدث عن شيء معنوي كهذا عن شعب بأكمله فنحن نتحدث عن انطباع، عن تجربة عممها القائمون على الإعلام أما تغرضاً…

السفراء الكنديون الرسل الجدد

الأحد ١٢ أغسطس ٢٠١٨

كل أمة في هذا الكون تملك إيماناتها وقيمها التي تخصها وتفخر بها، لكن فرض هذه القيم على الآخرين يحولها من قيم نبيلة إلى قيم استعمارية وذريعة للتدخل في شؤون الآخرين. بدأ الاستعمار الأوروبي في أكثر مناطق العالم بنشر القيم المسيحية والتأكيد عليها، تبين في النهاية أن نشر الديانة المسيحية كان البوابة التي انتقل فيها الاستعمار من التبشير بالهداية إلى الاستغلال. في عصرنا هذا لم تعد أساليب التبشير مقبولة، لا أحد يستطيع أن يفرض على الآخرين ما يراه من صح أو خطأ، الإعلان عن قيمك والتعريف بها شيء وفرضها بالأمر التنفيذي شيء آخر، انتهى عصر كانت فيها أمم تنظر لأمم أخرى بفوقية ثقافية، انتقل الإنسان من إملاء ما يراه صحيحاً بفوقية واستعلاء ثقافي إلى البحث الجاد في القيم الإنسانية المشتركة واحترام الاستقلال الثقافي قبل أي شيء آخر. تسهم كل الشعوب وكل الأمم بقيمها النبيلة في تعزيز حرية الإنسان وكرامته، ولا يتم ذلك إلا بما اتفق عليه الجميع، بحث الإنسان في تجاربه وتاريخه، استبعد منها الرديء واستدنى منها النبيل، هذا ما نسميه اليوم حقوق الإنسان، هي خلاصة ما وصل إليه البشر، لم تأتِ هذه الحقوق من مصدر واحد أو ثقافة واحدة، هي خلاصة تجارب البشر بعد صراعات مريرة مع الاستعمار والاستكبار الذي عانت منه البشرية قروناً، لا تملك دولة محددة حق تفسيرها…

ماذا تريد إيران؟

الخميس ٢٦ يوليو ٢٠١٨

لم أؤمن بنظرية المؤامرة لأسباب كثيرة أهمها أن الصراع السياسي لعب على المكشوف، لا تستطيع أي دولة في العالم أن تخفي أهدافها، المصالح ثم المنطق يرسمان حدود الطموح والعمل، ثم تأتي البروباغندا المضادة وتشوش على العامة أبسط الحقائق، تخلق أهدافاً وقصصاً وهمية تدفع الذهن بعيداً عن الصراع الحقيقي، رغم تعقيد القضية السورية لا يمكن لأي إنسان عاقل أن تغيب عنه أهداف كل الدول المشاركة في الصراع. منذ أن استولى رجال الدين على السلطة في طهران رفعوا شعار محاربة الاستكبار العالمي، المقصود بهذا الاستكبار سلطة أميركا وإسرائيل، الشعار نفسه الذي كان يستخدمه الاتحاد السوفييتي في دعاياته، ولكن تحت مصطلح الإمبريالية، كلاهما يهدف إلى تخليص الشعوب المستضعفة من الاستغلال والإذلال. شعار عالمي يسمح لصاحبه بالتوسع ما شاءت له مصالحه من توسع، يقوم هذا الشعار على استغلال حالة عداء قائمة كما هي الحال مع إسرائيل أو صناعة عداء كما هي الحال مع أميركا، فالشعوب المستهدفة يفترض أنها تنتظر المدد. دخلت إيران لبنان كمحرر، بعيداً عن تحليل النيات لا يمكن لعاقل أن يصدق ذلك بالاستناد لحجم إيران وقدراتها، مستحيل أن تعلن إيران الحرب على إٍسرائيل، أبسط إنسان يعرف فرق القوة بين الدولتين، لماذا إذن تتكبد إيران تلك التكاليف الباهظة على بناء ودعم حزب الله وإذا كان هدفها تحرير فلسطين فلماذا تدعم الحوثي في اليمن…

وأخيراً تساوى المثقف مع الجاهل

الأربعاء ١١ يوليو ٢٠١٨

سمعت أن مخترع المسدس قال بعد أن أتم اختراعه (الآن تساوى الشجاع مع الجبان). أقترح على مخترع تويتر أن يقول (الآن تساوى المثقف مع الجاهل). الجميع صار يفتى في تويتر في كل شيء. لا يهم أن يفتي الجاهل بما لا يعرف فهذه سنة المجالس والاستراحات. المشكلة أن يفتي صاحب مؤلفات وتاريخ ثقافي وأستاذ في الجامعة بما لا يعرف. لا أحد يأخذ الجاهل بجدية والجاهل نفسه لا يشعر بالمسؤولية تجاه أحد في مسألة طرح الرأي. المسألة بالنسبة له مؤانسة. الناس تحاكم المثقف. تتعامل معه بجدية حتى في المجالس والاستراحات وإذا ظهر على منصة عامة تصبح آراؤه ذات مسؤولية كاملة. لكن إغراء السهولة والكلمة السريعة في تويتر دفعا بالمثقف إلى التسرع والانزلاق في سلوك العوام. الكتابة الأساسية تبدأ برأي شبيه بما تطرحه في تويتر في سطرين لكن مقرها الدماغ وليس الورق أو النشر. الكتابة عن هذه الفكرة وتقليب أمرها على الورق هو اختبار لها. هل تستحق أن تطرح وإذا طُرحت فأي قدر من التفاصيل تحتاج لكي أكون مسؤولاً عنها وعن تبعاتها. ما يقدمه المثقف في تويتر في سطرين هو المادة الخام (الفكرة الخام) التي يتوجب أن يحتفظ بها لنفسه إلى أن يتم بناءها في سياقها ضمن مجموعة الأفكار الأخرى التي تدعمها. الفكرة تحتاج إلى صقل وإعادة تصنيع. عندما تطلقها في شكلها الأولى…

هل ساقت المرأة؟

الإثنين ٠٩ يوليو ٢٠١٨

حتى الآن لم أشاهد امرأة تقود سيارة في طرقات المملكة، سيأتي يوم وأشاهد. قضي الأمر على أي حال، السؤال قبل أن تقود المرأة بنفسها هل سنصنع صواريخ إذا ساقت المرأة، هل تقدمت الدول الإسلامية التي سمحت للمرأة بقيادة السيارة؟، اختفت هذه الأسئلة وأصبح السؤال الآن هل ستختفي ظاهرة سائق العائلات؟ هل ستختفي الغرف الصغيرة التي تفتح على الشارع، أقرب الظن نعم، وجود السائق ما كان يجب أن يرتبط بالمرأة وبالعائلة ولكن بالحاجة وأحياناً من أجل الرفاهية. للمرأة الحق أن تقود سيارتها بنفسها أو تستقدم سائقاً أو تقطع المسافات على قدميها، هذه سمة الأحرار الناضجين، الحقوق لا تبادل، أسمح لك بهذا شريطة أن أمنع عنك هذا. معظم الجدل حول السيارة سار على هذا المبدأ، كان الكتاب يهولون من أضرار السائق على الأطفال وعلى المرأة ويبحثون عن أدلة شرعية تؤكد أن وجود السائق مع المرأة في سيارتها غير جائز، بينما الطرف الآخر يقول إن السائق أخف الضررين. من قال بالرأي الأخير كان أكثر اتساقاً مع مبادئه وفهمه لقضيته، لا تقوم أطروحاته على المساومة والتنازلات. في المساومات التي تقوم على التنازع الفكري يعمد أحد الأطراف إلى سحب خصمه إلى أرضه، قضية سياقة المرأة كانت مثالاً على هذا، من كان يطالب بحقوق المرأة في القيادة في مقابل التنازل عن حقها في استئجار سائق يقدم…

الانحياز المجاني

الأحد ٠٨ يوليو ٢٠١٨

في عام 1982 اندلع نزاع مسلح بين بريطانيا وبين الأرجنتين حول جزر الفوكلاند. تدعي الأرجنتين ملكيتها لهذه الجزر بوصفها الوريث الشرعي للتركة الأسبانية المحيطة بأراضيها. كانت المرة الأولى التي سمع معظم البشر عن هذه الجزر. في ذلك الزمان كان العالم منقسماً سياسياً إلى معسكرين. معسكر يتبع أو يتعاطف مع الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، ومعسكر يتبع الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين. فكان كل شيء ينقسم على هذا الانقسام. أي قضية سياسية أو ثقافية تحدث يستدني الناس معيارهم هذا. سوّق الاتحاد السوفيتي نفسه على أساس أنه محرر الشعوب ونصير الضعفاء ورائد الحرية في هذا العالم ومن جهة أخرى كانت سمعة الولايات المتحدة وحلفائها سيئة. ضج الإعلام بأخبار هذه الحرب ولأن الناس لا تملك أي معلومات عن جزر الفوكلاند استخدم كثير من المراقبين معيار انقسام المعسكرين. أصبح الموقف محسوماً في الإعلام العربي. بريطانيا استعمارية والأرجنتين تريد تحرير أرضها. عندما تراجع الموقف الذي اتخذه الإعلام العربي والمثقفون من تلك الحرب آنذاك ستفهم كيف تضللك العواطف لتقودك للانحياز المجاني. وقفَ معظم الإعلام العربي مع الأرجنتين. على خلفية أن الأرجنتين دولة من العالم الثالث وبريطانيا دولة استعمارية على هذه المعادلة السهلة تم حسم الأمر عاطفياً. اطلاع أولي على تاريخ الجزر سينبئك أن ادعاءات الأرجنتين ملكية الجزر تقوم على أسس ضعيفة ومثلها بريطانيا. تناوب على الجزر عدة دول…

المندسون في ثياب الناصحين

الأربعاء ٠٤ يوليو ٢٠١٨

يتداول الناس في السوشل ميديا مقطع فيديو لسيارة أحرقها شقي احتجاجاً على قيادة المرأة السيارة. أتمنى أن تكون المسألة مجرد إشاعة، وإذا كانت صحيحة فهي حادث عرضي معزول لا يمثل سوى إنسان من مخلفات الأولاد الصغار الذين كانوا ينقضون على أجهزة التلفزيون في بيوت أهلهم ويحطمونها أمام آبائهم وأمهاتهم ومن مخلفات الأولاد الذين يصوبون بنادق الساكتون على الدشوش في سطوح المنازل وغيرهم من المبرمجين الصغار في زمن لن يعود أبداً. قد يكون هذا الرجل واحداً من هؤلاء وأغلب الظن واحد من أبنائهم، ثمة فكر كرس الإحساس بالمسؤولية عن الآخرين. لم يعد الإنسان يرى نفسه مسؤولاً عن نفسه أو عن أسرته الصغيرة بل مسؤولاً عن العالم، كان الشباب يدربون على تحمل المسؤولية الجماعية، تم ربط هذا الفكر بالدين حتى كاد أن يكون جزءاً منه، صار إحدى القيم التي تربط الشاب بجماعة محددة التوجهات، حزب غير معلن كان يعد منتسبيه للعمل في اليوم الموعود، هذا النوع من الاعتداء يبدو بريئاً، لا شك أن هؤلاء الشباب أبرياء يعملون ضمن فكر قدم لهم في صورة دينية لسهولة تمرير القيم السياسية عليهم وعلى المجتمع، دفعنا ثمن هذه البراءة في النهاية بظهور الإرهاب والمنظمات الدينية السياسية. لا أظن أن حرق سيارة المرأة يتضمن بعداً سياسياً، لقد تقوض البعد السياسي ولكن البعد الفكري والاجتماعي المسوغ له من…