عبدالله بن بخيت
عبدالله بن بخيت
كاتب سعودي

عالم اليوم والغد

الخميس ١٧ يناير ٢٠١٩

ما الذي علينا فعله في عالم تسوده التغيرات المفاجئة، لن ينفع أن نرى أنفسنا خارج العالم، إذا كنا قد تخلصنا من عبارة (خصوصيتنا) فعلينا أن ننظر للأمر اليوم من زاوية عملية، نبدأ العمل لصنع دورنا الذي نستحق أن نساهم به في نماء هذا العالم بعد إقرارنا أننا جزء منه. تبارز الكتاب والصحفيون في المملكة على ترديد كلمة العالم أصبح قرية، اندلعت تلك المبارزة قبل حوالي ربع قرن، في زمن لم تسد فيه الإنترنت والسوشل ميديا وقبل أن يزداد الوعي الإنساني بالشراكة الكونية في قضايا تمس الكون كالاحتباس الحراري والتجارة العالمية، وقبل أن يصبح عدد الطائرات في الجو مئات الألوف في الدقيقة الواحدة، وقبل أن يتاح لك أن تشاهد في يومك الواحد نكتة أميركية وحادثة صينية ومأساة بورمية وفيلم أميركي. كانت فكرة أن العالم قرية نبوءة أصبحت في الجيل الحالي حقيقة، لو جلست بالصدفة في لندن إلى جوار سائح صيني فبعد قليل من التحايا ستشعر أنك تعرفه ويعرفك، سيسألك بعض التوضيحات عن السعودية وسوف تسأله بعض التوضيحات عن الصين وستكشف أنه يعرف عنك ما يؤكد لك أن العالم أصبح فعلاً قرية صغيرة، بل سترى أن بينك وبينه أشياء حميمية كأنك من الرياض وكأنه من جدة. ما يجري في فرنسا اليوم شأن عالمي، وما يجري في سورية شأن عالمي، وما يجري من…

صدق ما تريد تصديقه

الأربعاء ١٦ يناير ٢٠١٩

هل سننتهي ان نعتمد المقولة: صدق ما تريد تصديقه، تصلك يومياً آراء وحقائق ومعلومات وأفكار ونصائح وحكم في كل شيء وعن كل شيء وكل شيء تعني هنا كل شيء بالمعنى الحرفي، لا يوجد موضوع أو مجال دون أن تغطيه هذه النشرات المتدفقة: الطب والدين والعلم والرياضة والسياسة. أفضل ما يقال عن هذه النشرات خليط من قصص بني إسرائيل التي لا يفرق أصحابها بين الحقيقة والأسطورة، تضعك أمام الشيء ونقيضه، تصلك رسالة مزينة بغرافيك تقول لك إذا أردت إنقاص وزنك فعليك تناول ثلاث وجبات يومياً، وأخرى بنفس الزخارف تقول خمس وجبات خفيفة، ثم تأتي أخرى وتقول وجبة واحدة يومياً هي الرجيم الأمثل، ستقرأ أن طبقة الأوزان تتوسع وبعدها بدقائق قليلة ستستلم رسالة تقول إن طبقة الأوزان تتعافى ولله الحمد. ما الذي يمكن أن تفعله في هذا الكم من المعلومات المتناقضة، لا يتوقف عند معلومات تقع في حيز اهتماماتك، تفرض النشرات المتدفقة عليك موضوعات لم تكن يوماً من اهتمامك، لا تعرف عنها شيئاً ولا تريد أن تعرف عنها مثل لقاح الشجر بالنسبة لي أو تركيبة الشوكلاتة أو أهم أنواع الأخشاب في فنلندا، ولكن مع هذا التدفق ستصلك مرة تلو المرة وبصور مختلفة ستضطر أن تتابع أخبارها حتى تصبح جزءاً من اهتمامك، وأنت لا تعرف هل هي صحيحة أم خاطئة، وهذه قاعدة معروفة،…

النصائح التهويلية

الإثنين ٠٧ يناير ٢٠١٩

النصيحة من أعمدة السلوك الإنساني الطبيعي. كل توجيه وتصحيح معلومة ونشر وعي بين الناس هو نصيحة. تأخذ النصيحة هذه الأيام بعداً غير مسبوق. سوف تخرج من التدخل الفردي في حياة الناس، النصيحة الفردية شابها كثير من السلبيات. مع السوشل ميديا سوف يتمكن أصحاب المعرفة والتجربة من نشر نصائحهم على نطاق واسع. لا يوجد شيء دون سلبيات، فكما عانت النصيحة الفردية من كثير من السلبيات سيظهر في النصيحة الجديدة سلبيات أيضاً. خرجت النصيحة من مجرد رأي إلى علم، عندما أرى صديقاً أو قريباً يسير في طريق خاطئ سأنصحه حسب تقييمي وتعريفي لكلمتي خطأ وصحيح باستثناء المواقف التي لا يختلف عليها عاقلان، أما مع نصائح اليوم فالأمر مختلف. يزخر تويتر بحسابات كثيرة تنتهج مبدأ النصيحة بمعناها الواسع، ولأننا للتو خرجنا من عصر الصحوة فما زال كثير من المناصحين الجدد يقتفون أثر دعاة التهاويل. ترعرعت النصيحة في عصر الصحوة على الحماس والتخويف والتهويل حتى تحولت عند بعضهم سلطة، كثير منا يتذكر النصيحة التي قدمها أحد الدعاة الشعبيين ليبعد الناس عن شرب الخمر، بمصاحبة الأصوات التصويرية الصحوية الحزينة تحدث الداعية بطريقة مسرحية وبصوت يشوبه بكاء وشيك عن قصة الشاب الذي شرب الخمر وزنى بوالدته والعياذ بالله، كان يكفيه أن يقول إن الخمرة حرام وإذا أراد أن يزيد يستطيع أن يشير إلى مضارها الصحية، كان…

هل انتهت الحرب على الإرهاب؟

الأحد ٠٦ يناير ٢٠١٩

من الملاحظ على الأقل على مستوى المملكة أن الإرهاب تهالك وضعف، العمليات الاستباقية التي نفذتها القوة الأمنية السعودية أصابت الإرهابيين باليأس وانهيار المعنويات، ولكن هذا لا يعني انتهاء الإرهاب. تم القضاء على المنظمات الاحترافية الكبيرة وتلاشت عملية تداول المشروع الجنوني الذي كان هدفاً طوباوياً يدغدغ أحلام الشباب. شاهدت صوراً للعوامية الجديدة التي عمرتها الحكومة بعد القضاء على الإرهابيين المتمترسين فيها، بالرصاص والسلاح يتم التعامل مع الإرهابي النشط الذي بلغ الحد الأخير من الإيمان بالمشروع، بيد أن الإرهاب عمارة متعددة الطبقات، كل طبقة تسند طبقة فوقها حتى بلوغ الطبقة الأخيرة القاتلة. مكافحة الإرهاب ويد العدالة لا تستطيعان أن تصلا إلى الطبقات الأولى. ثمة أمور مشتركة شائكة بين الإرهابي والمؤمن العادي، تعتمد مسيرة المؤمن العادي مثلي ومثلك على مقدار علمه وسنه وقدرة المجتمع على احتوائه وإلى أي مدى تنشط مكافحة اليأس بين الجماهير. مشروع إعادة بناء حي العوامية بعد أن دمرته الأعمال الإرهابية هو نموذج لمكافحة الإرهاب والعنف بالتنمية، لا ينضم للإرهاب والتظاهرات إنسان يشعر بالامتنان أو بالأمل، جذور العنف تعود إلى الإغواء الديني المنحرف وإلى الظلم أو إلى إشاعة روح المظلومية في نفوس الناس، إذا أحيط المرء بقوى روحية تشحنه باليأس تحت ستار الدين أو المذهب أو الأقلية المظلومة عندئذ تتشكل نظرته للإرهاب، إما أن يتقدم إلى الأمام ويكون إرهابياً، أو…

السعرات الحرارية

الخميس ٠٣ يناير ٢٠١٩

ثمة سعي حثيث لإعادة النظر في المأكولات الأميركية التي أصبحت عالمية، ملايين النصائح تحذر من خطورة هذه الوجبات على كل عضو في جسم الإنسان، لا يوجد إنسان على وجه الأرض لم يسمع هذه التحذيرات وكل من سمعها صدقها وآمن بها وعلى الرغم من ذلك لم تنحسر المطاعم التي تقدمها ولم تتغير منتجاتها ولم يتغير سلوك الناس، كل جيل جديد يدمن هذه المطاعم أكثر من الجيل الذي سبقه. مع الانتشار السريع لمطاعم الأكل السريع قررت البلديات إلزام المطاعم وأسواق بيع المأكولات وضع السعرات الحرارية على منتجاتها، من حيث النظرية تعد هذه الخطوة تقدماً نوعياً في حياة السعوديين ولكن لا أظن أن ذلك سيغير كثيراً من سلوك الناس، في مسائل كثيرة أن تعرف لا يكفي، الناس تغيرهم القوانين وليس المعرفة والثقافة. أفضل مثال حزام الأمان في السيارة والتدخين، لا أحد ينكر فضل حزام مقعد السيارة في إنقاذ ملايين الأرواح من حوادث كانت مميتة ولكن مع علم الناس وقناعتهم بذلك لم ينصَع إلا القليل طواعية وطفقوا يربطون الحزام ويحثون صغارهم على ذلك، من النادر أن تجد إنساناً يربط الحزام في البلاد التي لا تتوفر فيها قوانين صارمة تفرضه على الناس، لا ينتبه الإنسان لصحته وحياته إلا بعد أن تقع الفأس في الرأس. تستطيع أن تفرض ربط الحزام ولكن لا يمكن أن تحدد ما…

أميركا تنسحب من سورية

الأربعاء ٢٦ ديسمبر ٢٠١٨

ما الذي سوف تخسره أميركا عند انسحابها من سورية؟ إذا لم يكن وقتك يسمح بإكمال قراءة المقال فالجواب باختصار لا شيء. لا أعلم ما الخسارة التي سوف تمنى بها أميركا عند خروجها من سورية، هل ستخسر موقعاً استراتيجياً، مصادر ثروة كبيرة، تهديد محتمل لإسرائيل؟ من بين الاحتمالات التي نظن أنها تؤرق الأميركان أن يعود بشار الأسد ويبسط سيطرته على كامل التراب السوري؟ ما الضرر الذي سيلحق بأميركا من هذا؟ بشار ووالده تعايشا مع الاحتلال الإسرائيلي أكثر من خمسين سنة. موضع السؤال هو الشعب الكردي؟ حال الشعب الكردي كحال أي شعب آخر وضع ثقته في أميركا أو أي من الدول الكبرى. السياسي الكردي قبل أن يتحالف مع أميركا يفترض أنه قرأ قليلاً عن تاريخ التحالفات. تاريخ أميركا لا يقدم دليلاً واحداً على أن أميركا أو أي دولة عظمى على استعداد أن تذهب إلى أقصى مدى في التحالف مع الآخرين. تتحالف مع الآخرين بالمقادر الذي يخدم مصالحها. المصالح الأميركية كلمة معقدة. تتداخل فيها المصالح العليا للدولة مع المصالح الحزبية مع مصالح متخذ القرار مع مصالح الشركات الكبرى.. إلخ. الشيء الوحيد الذي يغيب عنها المصالح الأخلاقية. عندما وقع الرئيس الأميركي الأسبق أوراق التحالف مع الأكراد كان يوقع وثيقة تخدمه في واشنطن كرئيس لا كنصير للشعوب ومحب للسلام والحرية، كان يعي أيضاً أن الأكراد…

نهاية التسريبات

الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨

البيان الذي صدر عن النيابة العامة بالمملكة والمؤتمر الصحفي وضع النقط على الحروف، تم حسم الأمر من وجهة النظر السعودية صاحبة الشأن الرئيسي في القضية. أرجو أن يكون هذا البيان نهاية للتسريبات التركية التي أضرت بسمعة تركيا قبل أن تضر بسمعة المملكة. لم يبق أمامنا سوى أن ننتظر كلمة القضاء. جريمة كبيرة ومؤلمة لا أحد ينكر ذلك، سوف يتعامل معها القضاة السعوديون بكل ما تستحقه من اهتمام وعدالة. حان الوقت أن تتوقف التأويلات والتفسيرات فيما عرف بالتسريبات، وإذا كان للأتراك رأي آخر فما زال الباب مفتوحاً لتقديم ما يضيفونه، أو أن العدالة السعودية سوف تمضي قدماً في إجراءاتها دون انتظار من يمد من عمر القضية ويؤخر سير العمل. ما تملكه المملكة من أدلة ووثائق يؤهلها أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في القضية. المتهمون سعوديون وفي قبضتها وتفاصيل ما جرى داخل القنصلية تم أخذه من أفواه المعتدين وهي اليوم بين يدي المحقق السعودي. ما يجب أن ندركه أن السعودية تتحدث عن وقائع واعترافات مباشرة من الجناة بينما تركيا تتحدث عن استنتاجات وملاحظات. وإذا كان هناك صور وتسجيلات بحوزة الأتراك فلن تضيف الشيء الكثير عما يمكن استخلاصه من أفواه المتهمين. ما يملكه الأتراك من تفاصيل إضافية يمكن أن تلقي بعض الضوء على بعض النواحي ولكنه لن يغير مما توصل إليه المحقق السعودي…

البحث عن الخرافة بالعلم

الإثنين ٠٨ أكتوبر ٢٠١٨

كانت الشعوب الغربية تؤمن بشيء اسمه الأشباح، كما يوحي اسمها هي صورة شفافة لكائن حي (إنسان أو حيوان). تقول الخرافة إنهم موتى يعودون في صورة شبحية يشبهون من كانوا أصلهم، في الغالب هي أرواح شريرة عادت للانتقام أو أرواح مظلومة عادت للعتاب، تصادفهم المخيلة في بعض البيوت التي عاشوا فيها في حياتهم. سبق للشعوب الغربية أيضاً أن آمنت بالسحر وقوته وتأثيره حتى راح ضحية هذا الإيمان ملايين البشر من المتهمين بممارسة السحر وإيذاء الناس بتسخير الشياطين. كفت الشعوب الغربية عن الإيمان المرتبط بالماضي، هذا التخلي عن الماضي واجه كثيراً من التحديات التي يفرضها الغموض الذي يلف الكون بأسره. لم تكن الشعوب القديمة التي تبنت الأسطورة كمدخل لفهم الكون خالية من القدرة على التفكير ولكن يمكن أن نسمي هذا التبني لقيم الأسطورة مغامرة العقل الأولى على حد وصف الباحث السوري سراج السايح، عاشت الأساطير فترة طويلة تقدم للبشر تفسيراً محتملاً مرضياً لما يحدث لهم من كوارث وخوارق في الطبيعة. التخلي عن الأسطورة والخرافات الصغيرة المختلفة لا يعني التخلي على الخيال والبحث عن المدهش والمثير والمجهول وطلب التفسير. إرساء آليات العقل العلمي والتزام شروطه كشف للغرب أن السماء ليست سقفاً على ما دونه وإنما فراغ تسبح فيه أجرام سماوية لا حصر لها ولا حدود لحجم بعضها، عندئذ أسند أساطيره القديمة كالأشباح والسحر…

تبرعات البنوك الخيرية

الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨

بين فترة وأخرى يعود السؤال إلى الظهور، لماذا لا تساهم البنوك في الأعمال الخيرية، كثير من الناس يشعر بالغبن من الأرباح الكبيرة التي تحققها البنوك، أعتقد أن الرد المبطن في صدور أصحاب البنوك: لم نستثمر أموالنا في الأعمال الخيرية، رغم كثرة المؤسسات الكبرى التي تحقق أرباحاً ضخمة لا يطال هذا السؤال الخيري غير البنوك. لم أسمع أن أحداً تولج سلسلة مطاعم أو سلسلة سوبر ماركات، أو موردي السيارات الذين يكسبون بالهبل (كما يقول المصريون). النشاط الوحيد الذي لا يكسب بالهبل هي المتاجر الصغيرة بسبب المزاحمة والمنافسة وعدم قدرة السلطات (وزارة التجارة مثلاً) على تحجيم السوق والتصدي للتستر، وإن شاء الله نحن في الطريق. حسب تجاربي أرى أن التاجر السعودي الهامور يربح أضعاف ما يربحه أي تاجر في معظم دول العالم، التاجر في كندا أو في أوروبا يواجه ضرائب أكبر من الضرائب في المملكة علماً أن الضرائب في المملكة لم تكن موجودة قبل عامنا هذا. وفوق فرق الضرائب ثمة فرق آخر مهم جداً، مصاريف التشغيل في المملكة أقل من كثير من دول العالم: لا يمكن مقارنة الإيجارات وأجور العمال والمواصلات وفواتير خدمات في المملكة بمثيلاتها في كندا مثلاً، إيجار المحل في كندا يصل إلى ضعف إيجار المحل في المملكة. وإذا تأملت في الأسعار في البلدين ستجد أن أسعار كثير من السلع…

الثورة على أبناء الشيطان

الإثنين ١٠ سبتمبر ٢٠١٨

أول مرة عرفت شيئاً عن البصرة من المسلسل الكويتي الشهير درب الزلق. كان ذلك في منتصف السبعينات الميلادية، قرر حسينوه المحامي السفر إلى البصرة للاستعلام عن أخت موكلته، فقال له شقيقه سعد: أعرف أنك تريد أن تسافر للبصرة لكي تستمتع بالنهر وتتطيح بين النخيل، من هذا الحوار الساخر بين الشقيقين تبين لي أن البصرة بلدة جميلة ومعتدلة الجو يقضي فيها الكويتيون إجازاتهم، مضت السنون تلو السنون بعد ذاك المسلسل وكل يوم تزداد معرفتي بالبصرة كما تزداد معرفتي ببقية الحواضر العربية الأخرى. بعد الغزو الأميركي للعراق وإسقاط حكومة صدام حسين وصعود نجم الخميني عرفت أسوأ ما عرفت، تلقيت درس الشيطان الأول: أن البصرة مدينة شيعية. ثم تتالت معرفتي الطائفية بكل أشكالها، عرفت أن عدداً من لاعبي المنتخب الكويتي كانوا شيعة وعرفت أن معظم كبار الشعراء العراقيين كالسياب والجواهري والبياتي شيعة أيضاً. هكذا تتالت معلوماتي الطائفية حتى نبش الخراب في ذاكرتي فبدأت استرجع أيامي في الرياض القديمة، تذكرت سوق الحساوية وبعض جيراننا من أبناء الأحساء في نواحي شارع العطايف، كان أولادهم الصغار أصدقاءنا. تركنا الحارة وتركناهم دون أن نعرف هل كانوا شيعة أم سنة؟ فتمادى الخراب في نبش الماضي فأخذت أتحقق عن عائلة فلان الحساوية هل هي شيعية أم سنية وهل ممدوح صديقي الصغير وزميلي في المتوسطة كان شيعياً؟ بعد أربعين عاماً…

أين ذهبت أراضي المدارس في المخططات؟

الأربعاء ٠٥ سبتمبر ٢٠١٨

عاد الطلبة السعوديون إلى مدارسهم كما يعودون كل عام، ستمضي السنون على هذه الحال ويتخرجون لينضموا إلى قوة العمل بعد رحلة شاقة من العلم وما تركه لهم تجار العقار والمنتفعون. أتذكر قبل سنوات بعيدة ثارت ثورة العقار، صرنا نسمع عن شيء اسمه المخططات، قطع الأراضي الكبيرة التي يتم تخطيطها للسكن والحياة، كل مخطط يتضمن شيئاً يسمى المرافق. ترجمة كلمة المرافق كما كنا نفهمها تعني مسجداً وحديقة ومستوصفاً ومدارس، مرافق طبيعية في كل مدينة عصرية. اختفى كل شيء وبقي المسجد، نحمد الله أن نجا المسجد من الاختفاء، نجاة المسجد لا علاقة لها بالبلدية أو أصحاب المخططات، معظم المساجد التي نراها اليوم عمّرت بفضل تبرعات أهل الخير. عندما صُممت تلك المخططات كان تفكير الناس أن المدرسة جزء من الأحياء، خطط المخططون مخططاتهم على هذا الأساس، يذهب الأطفال إلى مدارسهم على أقدامهم، عيال الحارة الذين يلعبون معهم في المساء هم أنفسهم زملاؤهم على مقاعد الدراسة في الصباح. لا يمكن أن يفكر أحد أن المدرسة في مكان والطالب في مكان لا يمكن بلوغه بالأقدام، لم يفكر أحد أن يوماً سيأتي وتصبح المدرسة رحلة شاقة وطويلة وواحدة من أسوأ ما يحدث في يوم المدينة؛ زحام وتلوث وتبديد وقت وتعطيل، مئات الألوف من السيارات تتحرك مع بزوغ الشمس ومع زوالها، كل سيارة تحمل طفلاً أو طفلين…

هل الإعلام انتقائي؟

الأحد ٠٢ سبتمبر ٢٠١٨

إذا حدث انفجار في باريس ضجت وسائل الإعلام العالمية، ونكست الرايات في معظم العواصم، وامتلأت الأرض التي سقط فيها الضحايا بالورود والعبارات التأبينية. إذا حدث انفجار أبشع وأشد في بغداد أو كابل بالكاد تشير إليه وسائل الإعلام، وفي اليوم التالي لا يتذكره أحد، أما الضحايا فيراكمون في رقم واحد. هل الضحايا الفرنسيون أو الأميركان انقى وأشرف وأهم من الضحايا العراقيين والأفغانيين. بعيداً عن المسألة العاطفية. المقارنة بين ضحايا باريس وضحايا كابل تأخذنا إلى المقارنة بين باريس نفسها وبين كابل أو بغداد. البشر متساوون في كل شيء ولكن المقارنة في الواقع بين ما صنع البشر. كم تسوى باريس وكم تسوى كابل. أين يحسن العيش في باريس أم في كابل. أيهما آمن وأيهما مضطرب ما الذي قدمته باريس للعالم وماذا قدمت كابل. أعادني إلى هذه القضية التهديدات التي تطلقها بعض القوى الغربية لمواجهة أي استعمال محتمل للسلاح الكيماوي في حرب النظام التي يعد لها ضد الجماعات المسلحة. هذه التهديدات لا تشير إلى الهجوم نفسه، واحتمال مقتل مئات من المدنيين بالأسلحة التقليدية مثلها مثل التفجيرات الانتحارية الغادرة التي تنفذها القوى الإرهابية يكون الموت بها جائزاً أو مبرراً. هذه التهديدات هي في الواقع موافقة ضمنية تسمح للنظام بالهجوم. القيمة التي تراها تلك القوى تكمن في نوع السلاح المستخدم، وليس في الأرواح التي سوف تزهق.…