عبدالله بن بخيت
عبدالله بن بخيت
كاتب سعودي

السعرات الحرارية

الخميس ٠٣ يناير ٢٠١٩

ثمة سعي حثيث لإعادة النظر في المأكولات الأميركية التي أصبحت عالمية، ملايين النصائح تحذر من خطورة هذه الوجبات على كل عضو في جسم الإنسان، لا يوجد إنسان على وجه الأرض لم يسمع هذه التحذيرات وكل من سمعها صدقها وآمن بها وعلى الرغم من ذلك لم تنحسر المطاعم التي تقدمها ولم تتغير منتجاتها ولم يتغير سلوك الناس، كل جيل جديد يدمن هذه المطاعم أكثر من الجيل الذي سبقه. مع الانتشار السريع لمطاعم الأكل السريع قررت البلديات إلزام المطاعم وأسواق بيع المأكولات وضع السعرات الحرارية على منتجاتها، من حيث النظرية تعد هذه الخطوة تقدماً نوعياً في حياة السعوديين ولكن لا أظن أن ذلك سيغير كثيراً من سلوك الناس، في مسائل كثيرة أن تعرف لا يكفي، الناس تغيرهم القوانين وليس المعرفة والثقافة. أفضل مثال حزام الأمان في السيارة والتدخين، لا أحد ينكر فضل حزام مقعد السيارة في إنقاذ ملايين الأرواح من حوادث كانت مميتة ولكن مع علم الناس وقناعتهم بذلك لم ينصَع إلا القليل طواعية وطفقوا يربطون الحزام ويحثون صغارهم على ذلك، من النادر أن تجد إنساناً يربط الحزام في البلاد التي لا تتوفر فيها قوانين صارمة تفرضه على الناس، لا ينتبه الإنسان لصحته وحياته إلا بعد أن تقع الفأس في الرأس. تستطيع أن تفرض ربط الحزام ولكن لا يمكن أن تحدد ما…

أميركا تنسحب من سورية

الأربعاء ٢٦ ديسمبر ٢٠١٨

ما الذي سوف تخسره أميركا عند انسحابها من سورية؟ إذا لم يكن وقتك يسمح بإكمال قراءة المقال فالجواب باختصار لا شيء. لا أعلم ما الخسارة التي سوف تمنى بها أميركا عند خروجها من سورية، هل ستخسر موقعاً استراتيجياً، مصادر ثروة كبيرة، تهديد محتمل لإسرائيل؟ من بين الاحتمالات التي نظن أنها تؤرق الأميركان أن يعود بشار الأسد ويبسط سيطرته على كامل التراب السوري؟ ما الضرر الذي سيلحق بأميركا من هذا؟ بشار ووالده تعايشا مع الاحتلال الإسرائيلي أكثر من خمسين سنة. موضع السؤال هو الشعب الكردي؟ حال الشعب الكردي كحال أي شعب آخر وضع ثقته في أميركا أو أي من الدول الكبرى. السياسي الكردي قبل أن يتحالف مع أميركا يفترض أنه قرأ قليلاً عن تاريخ التحالفات. تاريخ أميركا لا يقدم دليلاً واحداً على أن أميركا أو أي دولة عظمى على استعداد أن تذهب إلى أقصى مدى في التحالف مع الآخرين. تتحالف مع الآخرين بالمقادر الذي يخدم مصالحها. المصالح الأميركية كلمة معقدة. تتداخل فيها المصالح العليا للدولة مع المصالح الحزبية مع مصالح متخذ القرار مع مصالح الشركات الكبرى.. إلخ. الشيء الوحيد الذي يغيب عنها المصالح الأخلاقية. عندما وقع الرئيس الأميركي الأسبق أوراق التحالف مع الأكراد كان يوقع وثيقة تخدمه في واشنطن كرئيس لا كنصير للشعوب ومحب للسلام والحرية، كان يعي أيضاً أن الأكراد…

نهاية التسريبات

الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨

البيان الذي صدر عن النيابة العامة بالمملكة والمؤتمر الصحفي وضع النقط على الحروف، تم حسم الأمر من وجهة النظر السعودية صاحبة الشأن الرئيسي في القضية. أرجو أن يكون هذا البيان نهاية للتسريبات التركية التي أضرت بسمعة تركيا قبل أن تضر بسمعة المملكة. لم يبق أمامنا سوى أن ننتظر كلمة القضاء. جريمة كبيرة ومؤلمة لا أحد ينكر ذلك، سوف يتعامل معها القضاة السعوديون بكل ما تستحقه من اهتمام وعدالة. حان الوقت أن تتوقف التأويلات والتفسيرات فيما عرف بالتسريبات، وإذا كان للأتراك رأي آخر فما زال الباب مفتوحاً لتقديم ما يضيفونه، أو أن العدالة السعودية سوف تمضي قدماً في إجراءاتها دون انتظار من يمد من عمر القضية ويؤخر سير العمل. ما تملكه المملكة من أدلة ووثائق يؤهلها أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في القضية. المتهمون سعوديون وفي قبضتها وتفاصيل ما جرى داخل القنصلية تم أخذه من أفواه المعتدين وهي اليوم بين يدي المحقق السعودي. ما يجب أن ندركه أن السعودية تتحدث عن وقائع واعترافات مباشرة من الجناة بينما تركيا تتحدث عن استنتاجات وملاحظات. وإذا كان هناك صور وتسجيلات بحوزة الأتراك فلن تضيف الشيء الكثير عما يمكن استخلاصه من أفواه المتهمين. ما يملكه الأتراك من تفاصيل إضافية يمكن أن تلقي بعض الضوء على بعض النواحي ولكنه لن يغير مما توصل إليه المحقق السعودي…

البحث عن الخرافة بالعلم

الإثنين ٠٨ أكتوبر ٢٠١٨

كانت الشعوب الغربية تؤمن بشيء اسمه الأشباح، كما يوحي اسمها هي صورة شفافة لكائن حي (إنسان أو حيوان). تقول الخرافة إنهم موتى يعودون في صورة شبحية يشبهون من كانوا أصلهم، في الغالب هي أرواح شريرة عادت للانتقام أو أرواح مظلومة عادت للعتاب، تصادفهم المخيلة في بعض البيوت التي عاشوا فيها في حياتهم. سبق للشعوب الغربية أيضاً أن آمنت بالسحر وقوته وتأثيره حتى راح ضحية هذا الإيمان ملايين البشر من المتهمين بممارسة السحر وإيذاء الناس بتسخير الشياطين. كفت الشعوب الغربية عن الإيمان المرتبط بالماضي، هذا التخلي عن الماضي واجه كثيراً من التحديات التي يفرضها الغموض الذي يلف الكون بأسره. لم تكن الشعوب القديمة التي تبنت الأسطورة كمدخل لفهم الكون خالية من القدرة على التفكير ولكن يمكن أن نسمي هذا التبني لقيم الأسطورة مغامرة العقل الأولى على حد وصف الباحث السوري سراج السايح، عاشت الأساطير فترة طويلة تقدم للبشر تفسيراً محتملاً مرضياً لما يحدث لهم من كوارث وخوارق في الطبيعة. التخلي عن الأسطورة والخرافات الصغيرة المختلفة لا يعني التخلي على الخيال والبحث عن المدهش والمثير والمجهول وطلب التفسير. إرساء آليات العقل العلمي والتزام شروطه كشف للغرب أن السماء ليست سقفاً على ما دونه وإنما فراغ تسبح فيه أجرام سماوية لا حصر لها ولا حدود لحجم بعضها، عندئذ أسند أساطيره القديمة كالأشباح والسحر…

تبرعات البنوك الخيرية

الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨

بين فترة وأخرى يعود السؤال إلى الظهور، لماذا لا تساهم البنوك في الأعمال الخيرية، كثير من الناس يشعر بالغبن من الأرباح الكبيرة التي تحققها البنوك، أعتقد أن الرد المبطن في صدور أصحاب البنوك: لم نستثمر أموالنا في الأعمال الخيرية، رغم كثرة المؤسسات الكبرى التي تحقق أرباحاً ضخمة لا يطال هذا السؤال الخيري غير البنوك. لم أسمع أن أحداً تولج سلسلة مطاعم أو سلسلة سوبر ماركات، أو موردي السيارات الذين يكسبون بالهبل (كما يقول المصريون). النشاط الوحيد الذي لا يكسب بالهبل هي المتاجر الصغيرة بسبب المزاحمة والمنافسة وعدم قدرة السلطات (وزارة التجارة مثلاً) على تحجيم السوق والتصدي للتستر، وإن شاء الله نحن في الطريق. حسب تجاربي أرى أن التاجر السعودي الهامور يربح أضعاف ما يربحه أي تاجر في معظم دول العالم، التاجر في كندا أو في أوروبا يواجه ضرائب أكبر من الضرائب في المملكة علماً أن الضرائب في المملكة لم تكن موجودة قبل عامنا هذا. وفوق فرق الضرائب ثمة فرق آخر مهم جداً، مصاريف التشغيل في المملكة أقل من كثير من دول العالم: لا يمكن مقارنة الإيجارات وأجور العمال والمواصلات وفواتير خدمات في المملكة بمثيلاتها في كندا مثلاً، إيجار المحل في كندا يصل إلى ضعف إيجار المحل في المملكة. وإذا تأملت في الأسعار في البلدين ستجد أن أسعار كثير من السلع…

الثورة على أبناء الشيطان

الإثنين ١٠ سبتمبر ٢٠١٨

أول مرة عرفت شيئاً عن البصرة من المسلسل الكويتي الشهير درب الزلق. كان ذلك في منتصف السبعينات الميلادية، قرر حسينوه المحامي السفر إلى البصرة للاستعلام عن أخت موكلته، فقال له شقيقه سعد: أعرف أنك تريد أن تسافر للبصرة لكي تستمتع بالنهر وتتطيح بين النخيل، من هذا الحوار الساخر بين الشقيقين تبين لي أن البصرة بلدة جميلة ومعتدلة الجو يقضي فيها الكويتيون إجازاتهم، مضت السنون تلو السنون بعد ذاك المسلسل وكل يوم تزداد معرفتي بالبصرة كما تزداد معرفتي ببقية الحواضر العربية الأخرى. بعد الغزو الأميركي للعراق وإسقاط حكومة صدام حسين وصعود نجم الخميني عرفت أسوأ ما عرفت، تلقيت درس الشيطان الأول: أن البصرة مدينة شيعية. ثم تتالت معرفتي الطائفية بكل أشكالها، عرفت أن عدداً من لاعبي المنتخب الكويتي كانوا شيعة وعرفت أن معظم كبار الشعراء العراقيين كالسياب والجواهري والبياتي شيعة أيضاً. هكذا تتالت معلوماتي الطائفية حتى نبش الخراب في ذاكرتي فبدأت استرجع أيامي في الرياض القديمة، تذكرت سوق الحساوية وبعض جيراننا من أبناء الأحساء في نواحي شارع العطايف، كان أولادهم الصغار أصدقاءنا. تركنا الحارة وتركناهم دون أن نعرف هل كانوا شيعة أم سنة؟ فتمادى الخراب في نبش الماضي فأخذت أتحقق عن عائلة فلان الحساوية هل هي شيعية أم سنية وهل ممدوح صديقي الصغير وزميلي في المتوسطة كان شيعياً؟ بعد أربعين عاماً…

أين ذهبت أراضي المدارس في المخططات؟

الأربعاء ٠٥ سبتمبر ٢٠١٨

عاد الطلبة السعوديون إلى مدارسهم كما يعودون كل عام، ستمضي السنون على هذه الحال ويتخرجون لينضموا إلى قوة العمل بعد رحلة شاقة من العلم وما تركه لهم تجار العقار والمنتفعون. أتذكر قبل سنوات بعيدة ثارت ثورة العقار، صرنا نسمع عن شيء اسمه المخططات، قطع الأراضي الكبيرة التي يتم تخطيطها للسكن والحياة، كل مخطط يتضمن شيئاً يسمى المرافق. ترجمة كلمة المرافق كما كنا نفهمها تعني مسجداً وحديقة ومستوصفاً ومدارس، مرافق طبيعية في كل مدينة عصرية. اختفى كل شيء وبقي المسجد، نحمد الله أن نجا المسجد من الاختفاء، نجاة المسجد لا علاقة لها بالبلدية أو أصحاب المخططات، معظم المساجد التي نراها اليوم عمّرت بفضل تبرعات أهل الخير. عندما صُممت تلك المخططات كان تفكير الناس أن المدرسة جزء من الأحياء، خطط المخططون مخططاتهم على هذا الأساس، يذهب الأطفال إلى مدارسهم على أقدامهم، عيال الحارة الذين يلعبون معهم في المساء هم أنفسهم زملاؤهم على مقاعد الدراسة في الصباح. لا يمكن أن يفكر أحد أن المدرسة في مكان والطالب في مكان لا يمكن بلوغه بالأقدام، لم يفكر أحد أن يوماً سيأتي وتصبح المدرسة رحلة شاقة وطويلة وواحدة من أسوأ ما يحدث في يوم المدينة؛ زحام وتلوث وتبديد وقت وتعطيل، مئات الألوف من السيارات تتحرك مع بزوغ الشمس ومع زوالها، كل سيارة تحمل طفلاً أو طفلين…

هل الإعلام انتقائي؟

الأحد ٠٢ سبتمبر ٢٠١٨

إذا حدث انفجار في باريس ضجت وسائل الإعلام العالمية، ونكست الرايات في معظم العواصم، وامتلأت الأرض التي سقط فيها الضحايا بالورود والعبارات التأبينية. إذا حدث انفجار أبشع وأشد في بغداد أو كابل بالكاد تشير إليه وسائل الإعلام، وفي اليوم التالي لا يتذكره أحد، أما الضحايا فيراكمون في رقم واحد. هل الضحايا الفرنسيون أو الأميركان انقى وأشرف وأهم من الضحايا العراقيين والأفغانيين. بعيداً عن المسألة العاطفية. المقارنة بين ضحايا باريس وضحايا كابل تأخذنا إلى المقارنة بين باريس نفسها وبين كابل أو بغداد. البشر متساوون في كل شيء ولكن المقارنة في الواقع بين ما صنع البشر. كم تسوى باريس وكم تسوى كابل. أين يحسن العيش في باريس أم في كابل. أيهما آمن وأيهما مضطرب ما الذي قدمته باريس للعالم وماذا قدمت كابل. أعادني إلى هذه القضية التهديدات التي تطلقها بعض القوى الغربية لمواجهة أي استعمال محتمل للسلاح الكيماوي في حرب النظام التي يعد لها ضد الجماعات المسلحة. هذه التهديدات لا تشير إلى الهجوم نفسه، واحتمال مقتل مئات من المدنيين بالأسلحة التقليدية مثلها مثل التفجيرات الانتحارية الغادرة التي تنفذها القوى الإرهابية يكون الموت بها جائزاً أو مبرراً. هذه التهديدات هي في الواقع موافقة ضمنية تسمح للنظام بالهجوم. القيمة التي تراها تلك القوى تكمن في نوع السلاح المستخدم، وليس في الأرواح التي سوف تزهق.…

الصورة الذهنية عن السعودي

الخميس ٣٠ أغسطس ٢٠١٨

يطلق عليها البعض الصورة النمطية، كيف ترى الأميركي أو الياباني أو اليمني، لا أظن أن مديراً سعودياً سيرشح بنغالياً مندوب مبيعات إذا نافسه على الوظيفة لبناني، ارتبط في ذهن كثير من الناس أن اللبناني شاطر في العلاقات العامة والحضرمي شاطر في التجارة والأفارقة بارعون في الرياضة والياباني إنسان منضبط ومحب للعمل. لو تمعنت في إيماناتك هذه سترى أنها مبنية على مجموعة من الأوهام والإشاعات وبعض التجارب، احتمال كبير أنك لم تسافر إلى اليابان ولم تختلط بإنسان ياباني وغالب الظن لا تميز بين الياباني والكوري لا في الشكل ولا في اللغة ومع ذلك ستجد في ذهنك صورة نمطية عنه تسمح لك بتقييمه. ترى ما الصورة النمطية أو الذهنية عند الآخرين عن السعودي؟ لا أستطيع الإجابة لسببين، الأول الحذر من المجازفة فربما أنقل الصورة النمطية التي في ذهني عن السعودي إلى الآخرين، والسبب الثاني أن الصورة النمطية عن الآخر تختلف من بلد إلى آخر. قبل أن نبحث عن الصورة الذهنية عن السعودي عند الآخرين ترى ما الصورة الذهنية التي يحملها السعودي عن نفسه، كيف يرى السعودي نفسه في نواحي الحياة: النشاط والأعمال والعاطفة والكسل والاتكالية والروح العنصرية واحترام الوقت والمرأة والقانون؟ عندما نتحدث عن شيء معنوي كهذا عن شعب بأكمله فنحن نتحدث عن انطباع، عن تجربة عممها القائمون على الإعلام أما تغرضاً…

السفراء الكنديون الرسل الجدد

الأحد ١٢ أغسطس ٢٠١٨

كل أمة في هذا الكون تملك إيماناتها وقيمها التي تخصها وتفخر بها، لكن فرض هذه القيم على الآخرين يحولها من قيم نبيلة إلى قيم استعمارية وذريعة للتدخل في شؤون الآخرين. بدأ الاستعمار الأوروبي في أكثر مناطق العالم بنشر القيم المسيحية والتأكيد عليها، تبين في النهاية أن نشر الديانة المسيحية كان البوابة التي انتقل فيها الاستعمار من التبشير بالهداية إلى الاستغلال. في عصرنا هذا لم تعد أساليب التبشير مقبولة، لا أحد يستطيع أن يفرض على الآخرين ما يراه من صح أو خطأ، الإعلان عن قيمك والتعريف بها شيء وفرضها بالأمر التنفيذي شيء آخر، انتهى عصر كانت فيها أمم تنظر لأمم أخرى بفوقية ثقافية، انتقل الإنسان من إملاء ما يراه صحيحاً بفوقية واستعلاء ثقافي إلى البحث الجاد في القيم الإنسانية المشتركة واحترام الاستقلال الثقافي قبل أي شيء آخر. تسهم كل الشعوب وكل الأمم بقيمها النبيلة في تعزيز حرية الإنسان وكرامته، ولا يتم ذلك إلا بما اتفق عليه الجميع، بحث الإنسان في تجاربه وتاريخه، استبعد منها الرديء واستدنى منها النبيل، هذا ما نسميه اليوم حقوق الإنسان، هي خلاصة ما وصل إليه البشر، لم تأتِ هذه الحقوق من مصدر واحد أو ثقافة واحدة، هي خلاصة تجارب البشر بعد صراعات مريرة مع الاستعمار والاستكبار الذي عانت منه البشرية قروناً، لا تملك دولة محددة حق تفسيرها…

ماذا تريد إيران؟

الخميس ٢٦ يوليو ٢٠١٨

لم أؤمن بنظرية المؤامرة لأسباب كثيرة أهمها أن الصراع السياسي لعب على المكشوف، لا تستطيع أي دولة في العالم أن تخفي أهدافها، المصالح ثم المنطق يرسمان حدود الطموح والعمل، ثم تأتي البروباغندا المضادة وتشوش على العامة أبسط الحقائق، تخلق أهدافاً وقصصاً وهمية تدفع الذهن بعيداً عن الصراع الحقيقي، رغم تعقيد القضية السورية لا يمكن لأي إنسان عاقل أن تغيب عنه أهداف كل الدول المشاركة في الصراع. منذ أن استولى رجال الدين على السلطة في طهران رفعوا شعار محاربة الاستكبار العالمي، المقصود بهذا الاستكبار سلطة أميركا وإسرائيل، الشعار نفسه الذي كان يستخدمه الاتحاد السوفييتي في دعاياته، ولكن تحت مصطلح الإمبريالية، كلاهما يهدف إلى تخليص الشعوب المستضعفة من الاستغلال والإذلال. شعار عالمي يسمح لصاحبه بالتوسع ما شاءت له مصالحه من توسع، يقوم هذا الشعار على استغلال حالة عداء قائمة كما هي الحال مع إسرائيل أو صناعة عداء كما هي الحال مع أميركا، فالشعوب المستهدفة يفترض أنها تنتظر المدد. دخلت إيران لبنان كمحرر، بعيداً عن تحليل النيات لا يمكن لعاقل أن يصدق ذلك بالاستناد لحجم إيران وقدراتها، مستحيل أن تعلن إيران الحرب على إٍسرائيل، أبسط إنسان يعرف فرق القوة بين الدولتين، لماذا إذن تتكبد إيران تلك التكاليف الباهظة على بناء ودعم حزب الله وإذا كان هدفها تحرير فلسطين فلماذا تدعم الحوثي في اليمن…

وأخيراً تساوى المثقف مع الجاهل

الأربعاء ١١ يوليو ٢٠١٨

سمعت أن مخترع المسدس قال بعد أن أتم اختراعه (الآن تساوى الشجاع مع الجبان). أقترح على مخترع تويتر أن يقول (الآن تساوى المثقف مع الجاهل). الجميع صار يفتى في تويتر في كل شيء. لا يهم أن يفتي الجاهل بما لا يعرف فهذه سنة المجالس والاستراحات. المشكلة أن يفتي صاحب مؤلفات وتاريخ ثقافي وأستاذ في الجامعة بما لا يعرف. لا أحد يأخذ الجاهل بجدية والجاهل نفسه لا يشعر بالمسؤولية تجاه أحد في مسألة طرح الرأي. المسألة بالنسبة له مؤانسة. الناس تحاكم المثقف. تتعامل معه بجدية حتى في المجالس والاستراحات وإذا ظهر على منصة عامة تصبح آراؤه ذات مسؤولية كاملة. لكن إغراء السهولة والكلمة السريعة في تويتر دفعا بالمثقف إلى التسرع والانزلاق في سلوك العوام. الكتابة الأساسية تبدأ برأي شبيه بما تطرحه في تويتر في سطرين لكن مقرها الدماغ وليس الورق أو النشر. الكتابة عن هذه الفكرة وتقليب أمرها على الورق هو اختبار لها. هل تستحق أن تطرح وإذا طُرحت فأي قدر من التفاصيل تحتاج لكي أكون مسؤولاً عنها وعن تبعاتها. ما يقدمه المثقف في تويتر في سطرين هو المادة الخام (الفكرة الخام) التي يتوجب أن يحتفظ بها لنفسه إلى أن يتم بناءها في سياقها ضمن مجموعة الأفكار الأخرى التي تدعمها. الفكرة تحتاج إلى صقل وإعادة تصنيع. عندما تطلقها في شكلها الأولى…